كتّاب

الخميس,17 مارس, 2016
خبراؤنا و”الجهادولوجيا”.. إما الذبحة الصدرية.. أو السكتة الدماغية !!!

 

بقلم :محمد الحمروني

عندما نقرا للأجانب من الخبراء في الجماعات الاسلامية او الحركات الجهادية، ثم نعود لنستمع الى النشاز والهذيان الصادر عمن يسمون خبراء في بلادنا، علينا ان نحمد الله لعدم اصابتنا بجلطة قلبية او سكتة دماغية، بسبب تلك الخطب العصماء والتحاليل الدغماء..

فعندما تتصدر المنابر بعض الاسماء كالتي نورت شاشاتنا في الفترات الاخيرة، لا غرابة اذن ان نسمع تحاليل من مثل الطائرة التركية الخاصة التي تجول بالبغدادي ما بين سرت الليبية والرقة السورية والموصل العراقية .. او كسفينة الاسلحة التي رست في ميناء الزنتان، علما وان مدينة الزنتان واقعة في قلب الصحراء بعيدا عن ساحل البحر الابيض المتوسط.. ولا تذكر الانفاق الممتدة من بنزرت الى غزة، ولا كتائب القسام المختبئة بحي الزهور في القصرين.. تحاليل، ادهشت الخبراء عبر العالم، وكشفت عن عبقرية استثنائية لبعض الادعياء من بني جلدتنا.. حتى ان احدهم، برر عدم اصابة رضا شرف الدين خلال محاولة الاغتيال التي تعرض لها منذ فترة، رغم وابل الرصاص الذي استهدفه واستهدف سيارته، بصغر حجم راسه، ولو كان راسه اكبر قليلا لكانت اصابته محققة.. !

تحاليل هي في الحقيقة مهازل، تعكس امرين اساسيين، الاول الهزال والضحالة الفكرية للوجوه التي تقدم لنا على انها خبراء.. الثاني الانحياز الأيديولوجي والاصطفاف السياسي الاعمى الذي لم يترك مجالا لهؤلاء كي يقدموا قراءة موضوعية وعلمية للقضايا المطروحة في بلادنا، وعلى راسها الارهاب.

في المقابل، وعندما تقرا للخبراء الاجانب ومن بينهم الفرنسيين، واذا ما استثنينا البعض منهم، فانك تجد ان هؤلاء، باتجاه تشكيل مدرسة خاصة، يمكن ان نطلق عليها اسم مدرسة باريس “للجهادولوجيا” “jihadologie”، ان لم تكن هذه المدرسة قد تشكلت بعد.

ومن Vincent geisser الى François Burgat وصولا الى Gilles Kepel وAlain Badiou، وغيرهم كثير، ورغم الاختلاف فيما بينهم في القراءات والتحاليل التي يقدمونها لظاهرة الارهاب مثلان الا انك لا تستطيع وانت تقرا لهم الا ان تحترم “بحثهم” وعلمهم، وبالتالي الخلاصات التي يمكن ان يقدموها للظواهر المرتبطة بالحركات الاسلامية او الجهادية..

تقرا السيرة الذاتية لبعض هؤلاء كفرانسوا بيرقا، مثلا، فتجد انه كان باحثا في احد مراكز البحث المصرية من سنة 1989 الى 1993، ثم مديرا للمركز الفرنسي للاركيولوجيا والعلوم الاجتماعية في صنعاء ما بين سنة 1997 و سنة 2002، ومن سنة 2008 الى 2012 شغل منصب مدير المعهد الفرنسي للشرق الاوسط بسوريا (دمشق)، ثم بيروت من سنة 1997 الى 2003، ومنذ ذلك التاريخ وهو يدير عددا من مراكز البحوث والدراسات التابعة لمؤسسات الاتحاد الاوروبي..

ولما تستمع لهذا الباحث وامثاله، تجد انك امام عارف بما يقول، لا كالذي يهذي بما لا يعلم، وتجده ينهل من رصيد ضخم من التجارب الميدانية والبحوث العملية، وليس كبعض باحثينا الذين يخوضون في ما ليس لهم علم.

من ذلك مثلا ان بيرقا يفسر ظاهرة تصاعد العنف لدى الحركات الجهادية تفسيرا سياسيا لا دينيا وايديولوجيا، بمعنى انه يعيد هذه الظاهرة الى الاخطاء السياسية في التعامل مع الاقلية المسلمة في فرنسا وفي التعاطي مع المجتمعات الاسلامية في المنقطة العربية والشرق الاوسط.. فالتطرف الديني حسب بيرقات هو ردة فعل سياسية عن التهميش بالنسبة لأبناء الضواحي في المدن الفرنسية الكبيرة.. وهو ناتج على الاصرار على فرض الهيمنة والتبعية على بلدان شمال افريقيا والشرق الأوسط..

فالإرهاب رد فعل سياسي على الظلم والقهر الذي تتعرض له الشعوب الاسلامية، وليس ناتجا عن تطرف اصيل في النصوص الدينية.. الارهاب ظاهرة سياسية وليس دينية.

وعلى غرار بيرقا تجد الكثير من الباحثين الاخرين الذين يعتبرون داعش والتوحش الذي تديره، افرازا من افرازات الحضارة الغربية والرأسمالية المتوحشة، القائمة على عولمة الاقتصاد وضرب سيادة الدول والهيمنة على مقدراتها.. وهي تطبيق عملي لصراع الحضارات الذي نظر له صامويل هنتنجتون، وهو صاحب الاطروحة التي تقول ” بأن صراعات ما بعد الحرب الباردة لن تكون متمحورة حول خلاف أيديولوجيات بين الدول القومية بل بسبب الاختلاف الثقافي والديني بين الحضارات الكبرى في العالم”.

في مقابل هذا العمق وهذا البحوث، تجد اشباه محللينا، يعيدون في كل نائبة تكرار نفس المقولات الممجوجة، ونفس الخطاب الخشبي، عن الرياض القرآنية والجمعيات الخيرية.. او يتحفونا ببعض التحاليل على غرار انفاق الشعانبي او صغر حجم راس رضا شرف الدين.

الحقيقة ان بؤس التحليلات، يعكس البؤس والفقر الفكري والمعرفي الذي تعاني منه النخب “المتعلمنة” في البلاد، والتي لا تريد الاستفادة، مما ينتجه باحثون فرنسيون، كالذين عرضنا لبعضهم فيما سبق، لذلك صح فيهم توصيف احد الكتاب الذي قال ان هؤلاء سياسيون موتورون، يتسترون بعناوين مخاتلة ويقدمون انفسهم على انهم خبراء ومحللين..

بعض المتابعين يرون ان على خبرائنا، ان كانوا فعلا خبراء، ان يعودوا ليتتلمذوا على يد الباحثين الجيدين من الفرنسيين وغيرهم، لا ان يكتفوا بالتماهي مع “الاستئصاليين” والمتصهينين منهم، ويعيدوا، لوك بعض الطروحات الاستشراقية الحاقدة على الاسلام واهله.



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.