مقالات مختارة

الأربعاء,4 مايو, 2016
حَلَبْ: الجريمة والمأساة .. نهاية بشّار وموت الحضارة .. الوجه الآخر لإدارة التوحش..

الشاهد_  حتّى توصيف الجريمة، سيكون صعبا على المتابعين والنشطاء والسياسيّين، فبشاعة المشاهد القادمة من هناك، وهول الفاجعة وروائح القتل المنبعثة، وصور الرعب المنتشرة، تعقد الألسن وتصيب أقوى الأدمغة بالشلل.

حَلَبْ الجريمة والمأساة، حيث يصرّ آخر فراعنة العصر، وسفّاحي القرن، على إبادة شعبه، من أجل البقاء في الحكم. مشاهد الدّماء التي سالت أنهارا، والجثث التي تقطّعت أجزاء من شدّة القصف، وبقايا الأطفال وصور العجائز والشيوخ ما بين صريع وجريح، حتّى ضجت الأنهار بالدّماء وتوشّحت حَلَبْ برداء أحمر قاني..

هذه المشاهد ترفض هي نفسها أن تُوصف بالمرعبة لأنّها أكبر من ذلك بكثير. فما قام به بشّار في حَلَبْ، أكبر من مجزرة، وأفظع من فاجعة، إنّها إبادة جماعيّة بدم بارد، وهي جريمة ضدّ الإنسانيّة، كما تُعرّف في القوانين الدوليّة.
مجازر وبشاعات، قَلّت مثيلاتها في التاريخ، تتواصل منذ 5 سنوات، دون أن يحرّك العالم “الحرّ” ساكنا ودون أن تتحرّك الأمم المتّحدة وتتجرّأ على اتخاذ وتفعيل ولو قرارا واحدا من أجل إيقاف ما يفعله بشار بشعبه.

المجازر والفظاعات المرتكبة في سورية فضحت الكثيرين، وأعلنت في المقام الأوّل عن سقوط النظام العالمي الذي قام بعد الحرب العالميّة الأولى والثانية على عصبة الأمم ثم هيئة الأمم المتحدة، وعلى المواثيق والعهود الدوليّة لحقوق الإنسان. هذا النّظام العالمي يُعلن اليوم عن وفاته بعد أن ظلّ يُنازع لسنوات، وهذا السّقوط القيمي والأخلاقي للحضارة البشريّة التي تقوم على مجلس الأمن وقراراته العرجاء، يعلن انتهاء حقبة في التّاريخ البشري، وبداية أخرى. وستشهد البشريّة، خلال عمليّة الانتقال هذه، من حقبة الى اخرى، حروبا كثيرة وصراعات عنيفة، ليستقرّ الأمر في نهاية المطاف على قيم جديدة ومنظومة جديدة، ومدوّنة قانونية واخلاقية، أكثر إيمانا بحقوق الإنسان، وأكثر تكريما للبشر.

.. حَلَبْ لم تفضح سقوط النّظام العالمي فقط بل فضحت مجموعة كبيرة من المحسوبين على الفكر والفنّ والثقافة والإعلام، وما هؤلاء إلاّ مصّاصي دماء، يُسبّحون بحمد الطاغية حيثما كان، ويمارسون زبونيّة عجيبة، قَتلتْ فيهم ما تبقّى من انسانيّتهم فيخرج علينا “شيء” اسمه دريد لحّام كنّا نظنّ أنّ به رقّة الفنّ ورهافة الحسّ، ليدافع عن مذابح بشّار ويقدم لها تبريرات واهية. دريد لحام الذي عاش طوال حياته يتمرّغ في أنعم سيّده الأسد الأب ثمّ الابن، برّر قتل الأطفال والنساء والشيوخ في حلب بقبولهم العيش مع الإرهابيّين، وهم لذلك حسب رايه إرهابيّون ويجوز قلتهم. أو تخرج علينا دعيّةُ ثقافة، لتقول أن ما جرى في حَلَبْ جيّد لها، ولأمثالها، طالما أن الأمر يزعج قناة الجزير. أو يخرج علينا، أحد أدعياء الصّحافة ليتحدّث عن القتلى والضحايا بمنطق الكباب والكفتة، معربا عن شماتته فيهم.

اعلام العار، الذي تربّى في مجاري الاستبداد ويرفض أن يغتسل، من العهر الذي مارسه طوال سنوات الجمر.. رغم الفرص المتكرّرة والدماء الكثيرة التي سالت، ومن لا يغسله دم، فلا يطهره ماء.

حَلَبْ تكشف بشّار وتفضح كلّ من وقف إلى جانبه بحجّة محاربة الإرهاب، لأنّ ما فعله الاسد في السّوريّين أبشع وأشدّ وأنكى ممّا فعله الإرهاب فيهم، فعدد قتلى النظام وضحاياه في سورية لا يقارن بما سببه الإرهاب، رغم بشاعة الجرائم المقترفة من قبلهما على حدّ سواء.. ووفق إحصائيّات قدّمتها مجلّة التايمز في عدد خاص بمجزرة حَلَبْ، ذكرت المجلّة أنّ النظام في سورية تسبّب في مقتل 250 ألف سوري، منهم 11 ألفا قتلوا تحت التعذيب، إضافة إلى تهجير نحو 9 ملايين سوري من ديارهم.

داعش هي الغطاء الذي تستّر به بشّار وحلفاؤه من الإيرانيّين والرّوس لإعمال آلة القتل في شعبنا السّوري، وليبثّوا أحقادهم المذهبيّة والطّائفيّة والدينيّة، وليبرّروا كل تلك البشاعات. وفي هذا السياق لا يجب أن ننسى مباركة كهنة الكنيسة الروسيّة للجيش قبل تحوّله إلى سوريا، ولا تنسوا ما تداولته بعض المواقع الإيرانيّة بمناسبة القصف الذي تعرّضت له حَلَبْ، ومنها ما جاء في موقع “فرهنك نيوز” المقرّب من تيّار المحافظين في إيران، “إن الشعب السوري هم أحفاد وسلالة بني أميّة وأن الحرب ضدّ بني أميّة، أعداء الشيعة، سوف تمهّد لمرحلة ظهور المهدي”.

كلّ يبحث عن مبرّرات لمشاركته في هذه البشاعات والمجازر، وكلّهم يتعلّلون بحجج واهية تبدأ بالإرهاب ولا تنتهي عند “بني أميّة”.

ما وقع في حَلَبْ ليس جريمة بشّار لوحده، إنّها جريمة كلّ الذين تواطؤوا وتخاذلوا في دعم الشعب السوري، إنّها جريمة دوليّة شاركت فيها القوى العظمى والكثير من القوى الإقليميّة، وكلّ من برّر ولو بشق كلمة تلك المجازر.

حَلَبْ ليست مجزرة فقط، ولن تكون مجرّد محطّة في تاريخ الصّراع المرير بين الظالمين والمستضعفين في الأرض، بين الحقّ والباطل، بين إرادة الشعوب في التحرّر والانعتاق من نير الاستبداد وبين من يريد أن يقول لنا – من خلال معركة سوريا وحَلَبْ – أنّ حقبة الاستبداد لم تُطوى بعد في المنطقة، رغم آلاف الذين سقطوا في مصر وسورية وهم ينشدون العدالة والحرّية والكرامة لأوطانهم.

حَلَبْ ستكون نقطة فاصلة في التاريخ، وما قبل حَلَبْ لن يكون مثل الذي بعدها، وهي علامة لا فقط على نهاية بشّار، بل هي إعلان عن نهاية الحضارة.. على الأقل في نسختها الحالية، النسخة الغربيّة.

محمد الحمروني