عالمي دولي

السبت,22 أغسطس, 2015
حين قرر العسكريون أن يسلموا السلطة بإراداتهم.. 3 تجارب تحكي لك

الشاهد_هل فكرت قبل ذلك أنَّ الانقلابات العسكرية ليست سيئة دومًا؟ على الأقل في بعض مآلاتها؟ هل تعرف أيضًا أنَّ بعض هؤلاء الجنرالات الذين يقومون بانقلابات عسكرية لا يكونون طامعين في السلطة؟ هذه ثلاثة نماذج لانقلابات عسكرية كانت بابًا للديمقراطية، على الأقلّ لم يقم الجنرالات بالانقلاب لأجل السلطة، فقد تركوها في أقرب فرصة طواعيةً.

انقلاب/ ثورة البرتغال 1974: اليسار يفوز بالمعركة

في أبريل 1974، بثت إذاعة تابعة للكنسية الكاثوليكية في البرتغال أغنية Grândola, Villa Morena التي كانت قد منعها النظام منذ سنوات، وكانت هذه كلمة السرّ لبدء الانقلاب العسكري الذي سُمِّي بعد ذلك “ثورة القرنفل”. بدأت مجموعة من ضباط الجيش الشبان – برتبة نقيب- التحرك بعدما أسسوا تنظيمًا أسموه “حركة القوات المسلحة“. بالجملة كان الضباط الشبان من اليساريين الذين ضاقوا ذرعًا بالديكتاتورية الفاشية التي تحكم البلاد منذ أكثر من أربعين عامًا، بالتحديد منذُ عام 1926.

حكم النظام منذ 1926، لكنَّ مؤسسة الفعلي كان رئيس الوزراء أنطوني دي أوليفيرا سالازار عندما أصبح رئيسًا للوزراء عام 1930. كان النظام الأسوء في أوروبا، جرَّم الإضرابات وقضى عليها تمامًا، واعتمد نظامًا اقتصاديًا سيئًا جعل العمَّال البرتغاليين الأدنى أجرًا في أوروبا، كما وضع شروطًا تعسفية للناخبين، وقد وصلت نسبة الناخبين إلى 15% فقط من الأرقام الأصلية للناخبين بسبب هذه التعقيدات.

“ثورة” القرنفل

لم يتوقف النظام الفاشي – الذي أطلق على نفسه مصطلح الدولة الجديدة- على هذا فحسب، بل ورَّط بلاده في حروب بمستعمراته في أفريقيا، بالتحديد في موزمبيق وغينيا بيساو وأنجولا، ما كلف خزينة البلاد أموالاً طائلة جاءت على اقتصادها بالسلب.

كانت هذه الثورة سلمية، حيث مهدت الحركات الاحتجاجية السابقة للجيش القيام بالانقلاب، فلم يمت في الثورة سوى أربعة أشخاص فقط.

توفي سالازار عام 1970، وتولى السلطة من بعده رئيس الوزراء القوي جدًا مارسيلو كاتيانو، كان كاتيانو يعتبر رفيق سالازار الوفي، لكنَّ النظام كان قد ترهل تمامًا حين قام الضباط الصغار بحركتهم الانقلابية. نزول الجماهير للشوارع وتوزيعهم زهور القرنفل على الجنود المنتشرين في الشوارع أطلق على الانقلاب مصطلح “ثورة القرنفل”.

دخلت البلاد بعد تحرك الجيش دوامة طويلة حتى استقرت فيها الديمقراطية. تولى الجنرال سبينولا الحكم بعد الانقلاب بتجمع الأحزاب حوله، حيث كان قد أقيل منذ ثلاثة أيام فقط بسبب معارضته لبعض سياسات النظام، لكنَّهُ استقال بعدها بعدة أشهر ثم دخلت البلاد مرحلة اضطراب كبيرة لكنَّ الضباط الذين قاموا بالانقلاب آثروا عدم الدخول في السياسة، ولم يشتهر منهم أحد كقائد سياسي، لكنَّ بعض الوحدات داخل الجيش حاولت الانقلاب على التحرك الأخير للجيش الذي لقب بالثورة، كان المنقلبون من أتباع سبينولا وبقايا النظام القديم، وصل زعيم الحزب الاشتراكي ماريو سواريز إلى رئاسة الوزراء عام 1976، ثم وصل كذلك إلى رئاسة الوزراء عام 1985، وقد اختاره الشعب مرتين رئيسًا للبلاد عامي 1986 و 1996، ويعتبر سواريز هو المؤسس الحقيقي، أو زعيم التحول الديمقراطي في البرتغال.

عبر انقلاب عسكري عام 1969 وصل جعفر النميري للحكم في السودان، استمرّ حكمه لمدة 16 عامًا، واجه عدة انقلابات عسكرية لكنهُ أفشلها جميعًا، لكنَّ هذه المرَّة لم يكن متوقعًا أبدًا الانقلاب من قبل المشير سوار الذهب. فقد عينه فقط قبل شهر لأنه “وفيّ” وانتماؤه للنميري “مُطلق” على حد تعبير سوار الذهب نفسه حتى بعد الانقلاب، في أحد الانقلابات، انقلاب هشام عطا 1971، رفض سوار الذهب تسليم حامية مدينة الأبيض العسكرية ـ التي كانت تحت قيادته- لقادة الانقلاب ما كان سببًا في فشل الانقلاب. فما الذي حدث ليقوم بنفسه الانقلاب رغم أنه لم يكن يطمع في السلطة؟

في أحد حوارات المشير سوار الذهب عام 2009 أثنى على جعفر النميري، باعتبار أنه قدَّم الكثير للسودان، ولكنَّ الانقلاب كان يجب أن يقوم به الجيش لتجنب دخول البلاد دوامة من الصراع بين الأحزاب السياسية والسلطة. أمرٌ آخر كان المشير ينظر إليه أيضًا، وهو: أنهُ قد يخرج من صفّ الضباط الصغار من يقوم بالانقلاب، وبهذا ستدخل الدولة في دوامة جديدة من الصراع، لذلك عندما وجد سوار الذهب أنَّ النميري بلا شعبية قام بالانقلاب.

كانت الجماهير قد نزلت للشارع منذ فترات بعيدة قبل الانقلاب، خرج الرئيس جعفر النميري في رحلة للعلاج إلى الولايات المتحدة، كان الشارع يغلي ووزير الدفاع وجد أن الانقلاب سيحافظ على بلاده، قام بالانقلاب وأخرج بيانًا بانحياز الجيش لمطالب الشعب، وكان بالفعل، تولى الحكم لمدة سنة ثمَّ سلَّمَ السلطة بعد ذلك للحكومة المدنية المنتخبة، حكومة الصادق المهدي، التي لم تدم إلا ثلاث سنوات لتكون السودان على موعد مع انقلاب آخر على يد عمر البشير، إلَّا أن السودان هذه المرة لم يكن وزير دفاعه، عبد الرحمن سوار الذهب.

انقلاب العقيد فيصل الأتاسي 1954: حكم الفرد ليس جيدًا

أطلق على الفترة الواقعة بعد انقلاب العقيد فيصل الأتاسي ربيع الديمقراطية في سوريا، نعم ربيع الديمقراطية في سوريا جاء على يد انقلاب عسكري. كانت سوريا ما تزال في فترة عدم استقرار بعد خروج الاستعمار عام 1946. كان السياسي والزعيم السوري هاشم الأتاسي هو الرئيس، لكنَّ الجنرال أديب الشيشكلي كان له رأيٌ آخر فقام بالانقلاب عليه عام 1951، ثمَّ أحكم سلطته في سوريا عام 1953 عبر سيطرته على الجيش.

عاد هاشم الأتاسي إلى حمص، كان ابن أخيه العقيد فيصل الأتاسي آمرًا لحامية حلب، ثاني أكبر المدن السورية.

الشيشكلي كان قد بدأ حكمه بشكل ديكتاتوري إضافة إلى انقلابه على الديمقراطية الوليدة. قام العقيد فيصل الأتاسي والضابطان أبو عساف وكاظم الزيتوني بالانقلاب على الشيشكلي، فقطعوا الاتصالات فجأة بين المناطق المؤيدة للشيشكلي والمناطق المتمردة عليه، ووضع الأتاسي بعض القادة في السجن وسيطر على الإذاعة وبعض المباني الحكومية، فاضطر الشيشكلي إلى مغادرة البلاد إلى المنفى في بيروت ثمَّ البرازيل، حيث توفي عام 1964.

بعد الانقلاب شهدت سوريا فصلاً آخر من فصول الديمقراطية التي لم ترها بعد ذلك وحتى هذه اللحظة. وصل شكري القوتلي عبر صناديق الانتخاب إلى رئاسة سوريا، لكنَّ الديمقراطية لم تكتمل حيث دخل القوتلي في “الدولة العربية المتحدة” مع عبد الناصر، ثم مرت سوريا بأحداث مضطربة عديدة، حتى وصل حزب البعث إلى السلطة وأحكم حافظ الأسد سلطته عليها منذ السبعينيات، وبهذا عادت سوريا للديكتاتورية مرة أخرى، لكن ستظل الفترة التالية لانقلاب فيصل الأتاسي فترة ربيع الديمقراطية في تاريخ سوريا الحديث.