حوارات

الإثنين,22 فبراير, 2016
حوار مع “مروة قاوقجي”: النائبة التي أُخرجت من البرلمان التركي بسبب حجابها على حائطها مكتوب: “من صبر ظفر”

الشاهد_وهي ملخّص حكايتها التي عاشت أحداثها الأليمة في مجلس النواب، ونقلت بهذه الحادثة مسألة الحجاب في تركيا إلى المجتمع الدولي، لسان حالها يحاكي آلاف النساء التركيات اللاتي حرمن من حقوقهن البسيطة مثل التعليم والعلاج، حتى وصل الأمر إلى طرد نائبة منتخَبة من قبل الشعب في البرلمان من رئيس الوزراء وأدعياء الديموقراطية.

 

تعمل اليوم النائبة “مروة قاوقجي” أستاذة جامعية بكامل حجابها في جامعة أسكدار، كما أنها تعمل في الأبحاث، وقد قاربت الحصول على درجة “البروفيسور”. لم تستسلم أمام العقبات التي خرجت أمام طريقها، والتي كان أبسطها طردها من مجلس النواب وسحب الجنسية التركية وإعلانها خائنة للوطن! كل هذا بسبب دخولها المجلس بالحجاب.

 

في حوارنا مع الأستاذة “مروة” سألناها عن أحداث مجلس النواب وتفاصيل تلك الحادثة وما خلف الكواليس، كما شاركتنا برأيها عن وضع المحجبات الحالي في تركيا والمشاكل اللاتي ما زلن يعانين منها حتى الآن.

 

نريد أن نسألكم أولا عن الحادثة التي حصلت في البرلمان، ما هي تفاصيل تلك الحادثة وما خلفيتها؟

إذا أردنا ان نشرح الأمر من الخارج، فأريد أن أقول: دخلت تاريخ السياسة التركية عام 1999 كأول نائبة محجبة في البرلمان التركي، حيث انتُخبت عن مدينة إسطنبول بـ 320 ألف صوت، وبعدها سلّمتني الدولة التركية أوراقي كنائبة تركية، وإلى هنا لم تكن هناك أية مشكلة، ولكن حين ذهبت لأداء اليمين الدستورية قام النواب الذين يدّعون أنهم ديموقراطيون من الحزب اليساري الديموقراطي بمحاولة إخراجي، وبدأوا يهتفون: “اخرجي، اخرجي”، كان واضحا أن الأمر تم التخطيط له من قبل، حيث كان واضحا أن الجيش والدولة خلف هذا الأمر، فبدل أن أدخل وأنتظر دوري لأداء اليمين حصل اضطراب مفاجئ بعد أن طلب مني رئيس المجلس أداء اليمين.

 

لقد كان الدستور التركي والقانون الداخلي يسمح لي بهذا الأمر، لقد كان القانون يسمح لي بأداء القسم وأنا محجبة، ولكن لم تكن هناك دولة حقوق في تركيا بل كان هناك ما يشبه نظام الغابة، ولهذا السبب فإن رئيس الجمهورية حينها طلب إخراجي من المجلس، كما أطلق عليّ لقب “مشاغبة” و”عميلة”، وبعد هذا الأمر علمت أن رئيس الجمهورية نقل رسالة من الجيش إلى حزبي مفادها أني إذا قمت بأداء اليمين الدستورية فإن الجيش سينفّذ انقلابا عسكريا، مما جعل حزبي يخاف، كانت هذه الأحداث بداية لحملة إبعاد سياسية تعرّضت لها بعد هذه الحادثة، حيث قال رئيس الوزراء حينها:

 

“علّموا هذه المرأة حدودها” .

وتعرّضت بعدها لحملة هجوم واسعة من رسوم الكاريكاتير وغيرها من الهجمات والمقالات.

ألم يكن بالإمكان يومها أن تقوموا بتقديم شكوى للمحاكم على هذا الهجوم والافتراءات؟

ربما يكون مضحكا هذا الأمر، ولكن من ستشكو لِمن؟ لم يكن هناك من أشكو له، في القضايا التي رفعتها ضد من هاجموني وعائلتي ورسموا صور الكاريكاتير في المحاكم قال القضاة: “هذه المرأة تستحقّ ما حصل لها”!

 

لقد قالوا إني مذنبة وأني استحق ما حصل، حين يكون رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ضدكم، لمن ستشكون؟ لم تكن هناك دولة قانون في تلك الفترة، قالوا إن دخولي للمجلس بالحجاب هو دعوة للعداوة والتمييز، دخلت المجلس كنائبة منتخبة وتم طردي من قبل نواب يدّعون أنهم ديموقراطيون، ومن ثم اتهموني بأني أنا المذنبة، وطردوني من المجلس، وقال رئيس الوزراء للنواب: “علّموا هذه المرأة حدودها”، ومن ثم تمت محاكمتي في محكمة الأمن القومي بالمادة 312، كما اتهموني بالقيام بمساعدة الإرهاب، وذلك بناء على كلمة ألقيتها في الولايات المتحدة في مؤتمر كان حاضرا فيه أعضاء من الكونغرس، كما تم اتهامي بمهاجمة الدولة التركية وذلك بسبب أني ظهرت على شاشة الـ “سي إن إن” وقلت فيه إن منع الحجاب في تركيا أمر غير قانوني، وعلى الرغم من تبرئتي من هذه القضايا إلا أنه تم منعي من السياسة الخارجية لخمسة سنوات، ولهذا الأمر عدت إلى عائلتي التي كانت تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

والجانب الآخر المهم هو سحب الجنسية التركية، حيث تم سحب الجنسية التركية مني بعد 11 يوما من إخراجي من المجلس، إن هذه الحادثة حملت قضية المحجبات إلى المجتمع الدولي، حيث كان الحجاب ممنوعا في تركيا منذ دستور 1982 العسكري ولم تكن هناك أية ردات فعل على الرغم من أننا قمنا بالإضراب عن الطعام عام 1986 بينما كنت أدرس الطب في السنة الأولى.

 

لقد كان إخراجي من المجلس بسبب الحجاب الخطوة الأولى لرفع حظر الحجاب في تركيا، كانت هناك بعض الجامعات التي تسمح بالحجاب مثل جامعة قونية ولكن بشكل عام كان الحجاب ممنوعا، لقد كان الناس يُظلمون بسبب منع الحجاب في تركيا دون أن ينظر إليهم أحد، منعت النساء من حقوقهن، كما ظُلم الرجال المتزوجين من محجبات، ولم يفكّر أحدهم في حل المسألة، الإسلاميون تهرّبوا من حل المسألة، بينما كان الطرف العلماني الآخر يرغب بإزالتنا من الوجود.

 

يقول الله تعالى “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”، لربما لم يكن أحد يرغب أن أتعرض لمثل هذا الأمر، ولكن بعد هذه الحادثة حاز الموضوع على بعد دولي، حيث ترشّحت في بلد 99% من شعبه مسلمين، ولأن السلطات لم تكن عندها جرأة لتقول أنها طردتني بسبب الحجاب، فقد قالوا إن اخراجي تم بسبب الجنسية الأمريكية، لقد تعاملوا في تطبيق القانون بانتقائية تامة، الأمر يشبه بتفصيل ملابس عند الخياط، فصّلوا قانونا خاصا لي، ولم يقوموا بتطبيق القانون إلا على حالتي على الرغم من وجود الآلاف من الأتراك الذين يملكون جنسيات أخرى.

 

قالوا عنّي “خائنة للوطن”، كان هذا المصطلح يطلق على اليساريين الذين كانوا يهربون من تركيا، ومن ثم قاموا بحذف كل ما يتعلق بي في البرلمان، تم مسح محتويات الجلسة كما تم مسح اسمي من قائمة النواب وكل ما يتعلق بذلك اليوم، كأن ذلك اليوم لم يحصل، وإلى الآن أنا لست نائبة في حزب العدالة والتنمية.

 

هل تمّت إعادة الجنسية التركية لكم بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، وهل لديكم آمال بأن يتم ما يسمى بإعادة الاعتبار من قبل حزب العدالة والتنمية؟

استطعت الحصول على الجنسية التركية عن طريق الزواج، وأنا الآن مواطنة تركية، ولكنني لا أملك جوازا تركيا، حيث أقوم بسفرياتي الآن بالجواز الأمريكي.

 

ليست لدي آمال الآن بأن يكون هناك إعادة اعتبار أو ما شابه ذلك، طلبت هذا الأمر من رئيس البرلمان السابق “جميل ججك” ولم يتم تلبية هذا الطلب.

 

هناك أقوال تتحدث في تركيا حول مسألة الحجاب وأنها لم تنته الى اليوم، بل تحوّلت من قالب إلى آخر، كما أن هناك انتقادات لما يسمى “علمنة” الإسلاميين في تركيا، هل يمكن أن تفيدونا برأيكم حول هذا الأمر؟

حين ننظر إلى الأمر من ناحية اجتماعية، ونقيّم الوضع، نرى أن تركيا والعالم تتغيّر بشكل سريع، كما أن الإنسان يتحرّك ويتغيّر بشكل أسرع، الإنسان يتغيّر بطريقة أسرع مع الخير والشر، من المؤكّد أن هناك أمورا تحسّنت لكن هناك بعض الأمور توجهت إلى الأسوأ في تركيا وغيرها، نعم ليست هناك مشكلة قانونية في مسألة الحجاب على الأقل، ولكن مشكلة الحجاب لم تنته في تركيا حتى الآن.

 

إن عدم وجود مشكلة كما في السابق دفع ببعض المسلمين من أصحاب القضية إلى التميّع والرخاوة، حيث صار هناك خلط بين الأهم والمهم، وحصل تغيّر في بعض المبادئ، وعلى الجانب الآخر الطرف الذي نعتبره عدوا والذي لا يرغب بالإسلام من الأساس، لم يتغيّروا ولم يتركوا شيئا من مبادئهم، لقد كانت حادثتي رمزية جدا أمام آلاف النساء التركيات اللاتي تعرضن للإبعاد والظلم في تلك الفترة، لم يعتذر منّا أحد كما لم يقل أحدهم إنه نادم في يوم ما، على الرغم من أن حزب العدالة والتنمية أعاد بعض الحقوق إلا أنه لم تتم محاكمة المجرمين، وهذا الأمر يعني أن العدالة لم تتحقق، والمخطئون لم يتطوعوا يوما للاعتذار، كل ما حصل أنهم تعاملوا مع السياسة وتقلّصوا بسبب ضعفهم السياسي، وهذا الأمر لا يعني بالتأكيد أنهم تخلّوا عن أفكارهم أو أنهم تراجعوا، لهذا السبب نرى كل يوم مزيدا من الأقنعة التي تتساقط.

واليوم يعمل هؤلاء على أذية المسلمين بطرق مختلفة، حيث يقومون بهذا الأمر بطريقة غير مباشرة.

 

من الجميل جدا أن أستطيع بعد 26 سنة من الحياة خارج الوطن أن أعود وان أدرّس بكامل حجابي في الجامعة، ولكن هذا الأمر يجب أن لا يدفعنا للتكاسل أو الرخاوة والتميّع.

 

حين ننظر إلى الساحة نرى أنه على الرغم من حصول تغييرات في الجانب القانوني إلا أن هناك الكثير من الأمور التي ما زالت كما هي، حيث ما زالت الشرطة والقضاء التي كانت عاملة في فترة انقلاب 1997 يعملون اليوم في نفس مناصبهم، هل ترون أن النساء ما زلن يعانين من نفس المشاكل اللاتي كن يعانين منها في تلك الفترة؟

في حقيقة الأمر لم أقم بدراسة علمية حول الموضوع، ولكن أظن أن طريقة المنع هي التي تغيرت، ولكن التمييز مستمر إلى الآن، النساء الملتزمات في تركيا تراجعن سنوات وسنوات إلى الخلف، ولكن بعد أن تغير القانون نحن الآن أمام مشكلتين، مسألة داخلية وهي أن الرجال هم الأقوى، حيث في مجتمع العمل يكون الرجال أكثر من النساء، ولهذا الأمر فإن المرأة تتعرض للتمييز، حتى في المجتمعات الإسلامية، والمسألة الثانية العامل الخارجي العلماني الذي كان يعادي الحجاب بشكل ظاهري قديما والآن يخفي عداءه بسبب الوضع السياسي، هذا الطرف يقوم بالتمييز بطرق أخرى.

 

هل يمكن أن تذكروا لنا أمثلة على بعض طرق التمييز؟

في هذا الموضوع قمت بكتابة مجموعة من المقالات، إن منع المحجبات من دخول الجامعة لأنهن محجبات لم يتم في أي عهد، حتى في عهد منع الحجاب كانت البنات يحرمن من الجامعة بتهم مثل إثارة العنف والشغب والتحريض على الكراهية، وحين خرجن من المجلس لم يقولوا أنهم قاموا بإخراجي بسبب حجابي، تحججوا بالجنسية، وهذا الأمر يعني أنهم قاموا بالمنع لأسباب مختلفة، مثلا تأتي لشركة سيرتين ذاتيتن لفتاتين إحداهن محجبة والآخرى لا، وحينها يقومون باختيار غير المحجبة، وعلى الرغم من وجود بعض حالات المحجبات العاملات في أماكن مهمة في الدولة، إلا أن هذه الحالات قليلة لدرجة تعد استثناء، يعني هناك خوف من تعيين المحجبات، كما أن هناك فلسفات تقول إن المرأة المحجبة عليها أن لا تعمل.

 

هناك في تركيا بعض الإسلاميين من يقوم بتقديم المحجبات اللاتي تخلين عن حجابهن على المحجبات الثابتات.

 

 

المصدر:تركيا بوست