كتّاب - وطني و عربي و سياسي

الجمعة,8 يناير, 2016
حمدين صباحي…من نسر الثورة إلى دجاجة الإنقلاب

الشاهد_حمدين صباحي مثل هدى جمال عبد الناصر، كلاهما اختصاصي شاطر في فنون التسويق السياسي الهادئ، يغلّف بضاعته التي لا تختلف عمّا يسرح به أي إعلامي أو سياسي، فوق الفضائيات السيسية، بورق معارضة فاخر ولامع، شكلاً، لكنه في مضمونه يشاطر أوراق المناديل الصناعية، قيمتها وأهميتها، حتى وإن كانت معطّرة.

 

كتبت، أمس، أن مقدمات الدكتورة هدى عبد الناصر، ومتون مقالها في “الأهرام”، بدت إنسانية، وشديدة الوضوح في الانحياز للشعب السوري، في مواجهة حكامه القتلة، لكنها بالرشاقة الدرامية إياها، تقفز إلى النقطة الرئيسية، وتردد ما يطرب لسماعه عبد الفتاح السيسي “أحسن من سورية والعراق”.

 

في فقه اللغة يقولون “بيت القصيد”، وفي الدراما يستخدمون مصطلح (climax) بمعنى عقدة الفيلم، أو ذروة الأحداث. وفي الغالب، يكون ذلك مطموراً تحت صراخ الوقائع والأحداث المثيرة، المباشرة، ثم، وبرشاقة خاطفة للعين والوجدان، تسلط الإضاءة على النقطة المحورية، أو لب الموضوع الذي يريد صُناع العمل تمريره.

 

حمدين صباحي “ارتكب” الطريقة نفسها، حين استدعوه لتقديم حفلة عيد الميلاد السياسية، في حوار تلفزيوني، لبرنامج اشتهر بأنه محطة للسفر إلى “طرة” و”العقرب”. تأنق حمدين، ممثل الأدوار الثانوية والصغيرة، في السينما وفي السياسة، حين استدعوه لدور كبير، يقترب من البطولة المطلقة، متحدثاً عن الحالة الإنسانية والسياسية والاقتصادية لمصر، وأفسحوا له مساحاتٍ لكي يقدم نفسه فارساً للمعارضة قد عاد، أو “نسراً للثورة”، ركّبوا له جناحين صناعيين، بعد أن فقد الأصليين، عندما اتخذ قرار الانتحار التاريخي، وتحول إلى رمز للمعارضة الداجنة، تأكل وتشرب وتصيح وتبيض، فيذهب البيض كله إلى صاحب الحظيرة. تحدث من منحوه رمز “النسر” في انتخابات 2012 عن الظلم الواقع على معارضي نظام السيسي، والتنكيل الممارَس على “الإخوان” والتيار الإسلامي، وقدم فاصلاً إنسانياً رائعاً، وهو يكاد يبكي على الذين يعانون الإقصاء والاستباحة، في المال والعرض والولد، غير أنه، أيضاً، يمر برشاقة وخفة إلى “الذروة الدرامية”، أو “عقدة الفيلم”، وهي أنه يحذّر من الخروج في مظاهرات ضد نظام السيسي، ويسوق في تبرير ذلك أسباباً تدعو إلى الضحك والرثاء معاً، حين يردد محفوظات توفيق عكاشة وأحمد موسى و”سيد بتاع غمرة”، حين يقول “وأحذر كل من يدعو للنزول، بأن الشعب لن يؤيدهم، ومن يعتقد أن الشعب سيؤيد الثورة فعليه النزول”، مضيفاً: “الشعب يبحث عن الاستقرار، ويتصدى لمن يدعو إلى التظاهر، ولديه تخوفات على أبنائه”. ثم ينكمش ويتضاءل، منتقلاً من حالة “النسر المعتزل” إلى مرحلة “القط العجوز”، منافساً على اللقب مع الدكتور محمد أبو الغار، الزعيم المؤسس للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، الذي ظهر مع الانقلاب في أبهى حلةٍ، تليق بالفاشيين والمكارثيين والنازيين.

 

يطرح حمدين سؤال الفيلم كله على الداعين إلى إسقاط النظام “ما البديل.. هل لديك بديل؟”، ثم يجيب بأن “الشعب يريد الاستقرار”. لم يكن ينقص حمدين صباحي ليضاف إلى طائفة “الخبراء الاستراتيجيين” سوى أن ينطقها “الاستكرار”، بدلا من الاستقرار، ثم يغير من نبرة صوته ويردد “يا جماعة بُصوا على البلاد اللي حوالينا، عاوزين تهدّوا الدولة؟”. في مايو/أيار الماضي، كتبت عن حمدين وأبو الغار ما يلي “لا يزال السيد صباحي يصر على أنه “مدير الثورة”، حتى وهو يناضل من بلكونة منزلهم، في طابق مرتفع من بناية شاهقة، ساعة العصاري، وهو يحتسي الشاي أو القهوة مع السيد محمد أبو الغار، “قط الثورة العجوز” الذي صار أكثر وداعةً من سلحفاة، تكمن في جنبات بيت الانقلاب، كقطعة ديكور متحركة”.

 

الآن، يبدو حمدين ممثلاً نموذجياً لما تسمى “دولة العواجيز”، حين يقال له قل فيقول، محاولاً قطع الطريق على دعوات الغضب المتصاعد ضد “نظام السيسي وحمدين” في الخامس والعشرين من يناير الحالي.

 

وائل قنديل