الرئيسية الأولى

الثلاثاء,21 يونيو, 2016
حكومة “الوحدة” التونسية تبدأ من حركة النهضة

الشاهد _تكشف تفاصيل المشهد التونسي الحالي، على خلفية مباحثات حكومة الوحدة، موقعاً جديداً لـ”حركة النهضة” التونسية، تتأكد أهميته وتتزايد بشكل واضح مع تقدّم المشاورات. وعلى الرغم من محاولة تهميش الحركة مع انطلاق المبادرة من طرف الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، الذي لم يستشر حليفه راشد الغنوشي، قبل طرح مبادرة ثقيلة من هذا النوع، فقد تحوّلت “النهضة”، مع مرور الأيام، إلى نقطة ارتكاز مرجعية في هذه المبادرة، وممسكة بزمامها، وقادرة على توجيهها حيثما تريد، رغم عدم ادّعائها ذلك، وربما لا تريد أن تظهر بمظهر ذلك حتى. لكن المتابعين للمشهد التونسي، أصبحوا متيقّنين مع تحوّلات الأزمة، بأن “النهضة” تستطيع بالفعل التحكم في نتيجة المباحثات الحكومية.

 

مع العلم أنه تمّ تحديد يوم 29 جوان الحالي موعداً نهائياً للإعلان عن رئيس حكومة الوحدة الوطنية. وأكّد الأمين العام لـ”حركة الشعب”، زهير المغزاوي في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، أنهم “تسلّموا وثيقة توجيهية من رئيس الجمهورية، حول مبادرة حكومة الوحدة الوطنية، ووثيقة أخرى تحتوي على برنامج مفصل يخص اجتماعات الفترة المقبلة”. وأوضح المغزاوي، أنّه “بحسب الروزنامة التي سلمت إليهم، فإنه سيتم اليوم الثلاثاء تحديد فرق عمل، ستنطلق في النقاشات على أن تنتهي منها في 28جوان وتتولى عرض نتائج عملها”. وأضاف أن “الوثيقة حددت يوم 29 جوان موعداً للإعلان عن رئيس الحكومة الجديد”.

ومع أن “النهضة” أظهرت، مع بداية المبادرة منذ أسبوعين، غضبها بسبب تجاهلها، إلا أنها سارعت بعد ذلك بالإعلان عن قبولها للفكرة، وانضمت سريعاً إليها، ولكن عقدة رئيس الحكومة، الحبيب الصيد، الذي أعلن في البداية عدم نيته الاستقالة، أعادت زمام المبادرة إلى “النهضة”، صاحبة الأكثرية البرلمانية، التي تستطيع أن تصوّت في اتجاه ما.

مع العلم أن عدم استقالة الصيد تقود الجميع إلى مجلس نواب الشعب، وتمنحه الثقة من جديد (وهو أمر تتحكّم فيه النهضة)، ما يعني بالضرورة تغييراً جذرياً للمشهد التونسي، قد يصل إلى حدّ اعتبار رئيس الحكومة مستقيلاً.

بالتالي، يدرك السبسي، أن عدم استقالة رئيس حكومته، يجعله تحت رحمة حليفه الرئيسي، إلا إذا أعاد صياغة تحالفه جذرياً، وجمع كل كتل البرلمان، مقصياً “النهضة”، لتتحوّل إلى أكبر كتلة معارضة، في انتظار اللحظة الانتخابية المقبلة. كما أن “النهصة” أعربت عن رضاها أكثر من مرة في السابق، عن وجودها في صفوف المعارضة، وأنها غير متلهفة للحكم.

أما إذا أراد السبسي تجنّب كل هذه الاهتزازات، فينبغي عليه أن يعوّل بشكل جدّي على حليفه الذي لم يستشره، لأن مجرد تعبير “النهضة” عن إنهاء دعمها للصيد كفيل بإقناعه بالاستقالة، وهو بالمناسبة أمر لم يحسم نهائياً حتى الآن.

من جهته، يقول قيادي من “النهضة”، لـ”العربي الجديد”، إن “السبسي الذي كرر مراراً وتكراراً أنه ليس في حلف مع النهضة، وأن نتائج الانتخابات هي التي فرضت ذلك، يرغب في قرارة نفسه في تشكيل تحالف لا تكون النهضة أحد أطرافه، وأنه لو كان يثق في بقية المكونات السياسية، لأبعد النهضة منذ فترة طويلة. ولكنه اختبر مدى وفاء الغنوشي لالتزاماته، رغم ما يلاقيه من معارضة داخلية متصاعدة، تحديداً بعد مؤتمر الحركة في ماي الماضي”.

 

وتؤكد معطيات “العربي الجديد”، أن “هناك بالفعل انتقادات كثيرة من القواعد والقيادات لتعاطي قيادة النهضة مع مسألة التحالفات الحكومية، رغم التأكيد المستمر على التوافق. كما برزت بعض المواقف الجديدة من رئيس مجلس الشورى الجديد، عبد الكريم الهاروني، الذي اعتبر أن النهضة هي الكتلة الأولى في البرلمان، ولا بدّ من التعاطي معها على هذا الأساس، ولا بدّ أن يعكس حضورها الحكومي تمثيلها الشعبي والبرلماني”.

 

وعلى الرغم من أن البعض يقول إن هذا الموقف لا يعبّر بالضرورة عن كل النهضة، إلا أن آخرين يؤكدون أن هذه التصريحات، هي توزيع للأدوار، وأن النهضة تعبت من الضغط الذي تتعرض له من قواعدها. وهو ما عكسه المؤتمر الجديد. بالتالي فإنها تريد، بعد أن شعرت بأن حليفها السبسي يحاول أحياناً تهميشها، أن تفرض شروطها، وتذكر الجميع، بمن فيهم الرئيس، أنها في نهاية الأمر تمسك بالقرار، الذي لم يعد رئاسياً، بل برلماني، وأن المشهد السياسي التونسي بعد الثورة (2010) يتشكّل تحت قبة البرلمان، لا في قصر قرطاج.

في مقابل ذلك، تعرف قوى المعارضة، التي يتمنّى بعضها خلط الأوراق من جديد، وتنتظر لجوء الصيد للبرلمان، لمحاولة إسقاط السبسي، أنها غير قادرة على ذلك إذا لم تقرّره “النهضة”. ما يعني أنها تقف بين الطرفين متحكمة في قانون اللعبة.

غير أن السبسي الذي يعرف هذا، يؤسس قراره على ثوابت استراتيجية، لا يمكن أن تغيرها الظروف الطارئة، ولا الغضب الاستثنائي. ويدرك أن “النهضة” حاسمة نهائياً في خيارها الاستقرار الوطني، سواء كانت في الحكم أو المعارضة، لأنها تبني خططها في هذه المرحلة المهتزة، على نظرية “حماية البيت بكل قوة”، حتى لا يسقط على رؤوس الجميع، ومن بينها “النهضة”.

كما يعرف السبسي أنه حتى لو أبعد “النهضة” من الحكم، إلا أنها ستحافظ باستمرار على هذا الاستقرار الهش، مع عدم رغبته في تحويل أكبر منافسيه إلى غول انتخابي، يتنصّل من أخطاء الحكم ويلتهم الجميع، ويعطّل ما يريد تعطيله.