مقالات رأي

السبت,20 يونيو, 2015
حكاية امرأة في مواجهة قسوة الحياة

الشاهد_قد لا يكون التعبير عن رفض لواقع اجتماعي مزر بالاحتجاج أو الهجرة، كما قد لا تنتهي رغبة الهروب من الفقر والعجز بعد انسداد الأفق في ظل بطالة متفاقمة وفقر مدقع مفروض، بمستشفى الحروق البليغة ببن عروس، كما فعل عشرات الشباب منذ فجر الثورة وقبلها. ما يشد في حكاية هذه المرأة أنها صنعت ” من العجز قوة” كما يقال وفي غياب الحيلة ابتكرت لعائلتها زورقا للنجاة من مخالب الفقر، ورغيفا مغمسا بعرق الجبين للاستمرار.

عدد من أعداء الحياة اللعينة، نزفت قلوب أضناها العجز والفقر وتقطعت بها السبل، عائلة تقطن إحدى الأرياف التابعة لمعتمدية منزل بوزيان لولاية سيدي بوزيد، تعيش على فراش الصبر البالي، تحدّق في الفراغ وتقاوم غياب الرغيف بالجهد والصبر، لتقضي الساعات الطوال تبني الأحلام وتصارع آلام العجز والفقر.

من الوهلة الأولى يُخيّل لمن يزورهم أن الفقر أنهكهم واستوطن منزلهم المتواضع، وهو متكوّن من غرفة واحدة تفتقر إلى أبسط مقوّمات العيش الكريم، فلا ماء صالح للشراب ولا تيار كهربائي.

ابتسمت المرأةٍ برغم تجاعيد الزمن الواضحة على أغلب ملامحها وهي تتحدّث عن هموم الحياة التي أثقلت كاهلها، وعن حال زوجها العاجز بسبب مرض مزمن يسرق دواءه من الرغيف المنعدم.

حاولت قدر المستطاع مُقاومة الدموع وهي تحكي روايات عن شكل من النضال تخوضه شريحة واسعة من هذا الشعب، في الجهات المحرومة، صور لواقع مرير لم تطله عدسات الإعلام بعد.

قالت بعد أن كفكفت دموعها في لحظة حرج وضعف، إنّ الإحساس بالعجز غاية في الألم، وأنّ هذا ” المرقوم ” الذي تسهر الليالي الطوال لتنسجه وتبيعه بدنانير معدودة، أنقض هذه العائلة من غُول الجوع المخيف مرات كثيرة، وأنها سعيدة بهذا الشقاء المغمس بالشرف والعزة.

ولتجيب ببراءة كبيرة ممزوجة بوجع عميق ” طرقت باب المسؤولين بالجهة، وقد فهمت ممّا قالوه لي أن الدولة ربّما عاجزة عن منحنا حق العيش الكريم، وعزمت الاستمرار في مواجهة قسوة الحياة بأمل وصبر كبيرين”.

تحدّثت عن طريقة حياكة ونسج هذا المرقوم، والذي يبدأ بشراء بعض الملابس من ” الفريب ” وصنصرتها لتكوين كبّة من الخيوط ثم البدء بعملية تكوين المنسج والنسيج. ” قد أضطر لقضاء الساعات الطوال من النهار والليل لتعجيل بنسج المرقوم، كان الوضع سيكون أفضل لو توفرت لي ” سدّاية “، مررنا بظروف صعبة، كان زوجي يعاني من مرض مزمن وهو بحاجة ماسّة إلى دواء ومصاريف للعلاج، وكنّا وقتها عاجزين حتى عن شراء الخبز. على هذا السرير نسجت “المرقوم” وبعته وأنقضت عائلتي من الضياع”.

في همجيّة الواقع وجبروت الحياة القاسية، التي خلّفتها عقود من الفساد والاستبداد، تأبى الظروف الاجتماعية أن تتحسّن في غياب شبه تام لبرامج تنموية بهذه الجهات المهمّشة. وكان لا بد لمثل هؤلاء أن يواجهوا الحياة ولا يقفوا مكانهم في انتظار من يمدّ لهم يد العون. كما كان لا بدّ لهذه المرأة التي اشتهرت بقوّتها في مواجهة المحن والصبر على الشدائد وقبول التحديات، أن تُخفي حزنها لذاتها ولا تُظهره لمن حولها.

” نتعايش مع العجز والفقر مُرغمين مُجبرين. نحن قادرون على الاستمرار ومواجهة صعوبة الحياة، عساها تكون شدّة وتزول، نتحمّل أعباء تعجز عن حملها الجبال”. قالتها بأبلغ معاني الأسى، ليس هما وغبنا وحزنا بل هي أحاسيس لا تترجم بالكلمات المجردة، تعدّت الهم بكثير واجتازت الغبن بمراحل وأصبح إحساس الحزن صغير أمامها.

علامات المرض والعجز بدت واضحة على جسد الرجل وملامحه فهو يرى ذاته مُكبلة بقيودٍ من حديد، ما دام عاجزا عن الحراك والقيام بواجباته لتتحمل مشاقها زوجته لوحدها. حدثنا عن حياة بسيطة وعن عجز مقيت وشقاء في سبيل توفير أبسط الاحتياجات، بإحباط كبير ونفسية مُتدهورة آيلة للانهيار إن لم تنهار بعد. كون أن المرء يجهل وجهته ويشعر أن المجهول يقوده للسراب.

هذه المرأة ترسل صرخة من أجل الوقوف بجانبها، فقد أصبحت اليوم في حاجة ماسّة إلى يد تمسح دموعها وتداوي آلامها وتساعدها على تجاوز مشكلاتها بتوفير دخل مستمر يحميها وعائلتها من الضياع. إنّها المرأة المعيلة التي أصبحت العائل الوحيد لأسرتها، وهي تحاول جاهدة مواجهة ظروف فرضها عليها قاموس الفقر بكل مفرداته.

بساطة في المعيشة تفوق الوصف، يقول أصحاب هذه المناطق المفقّرة أنهم بحاجة للفضفضة وحكاية واقعهم المُؤلم من حين لآخر حتى يشعروا بالراحة ويتنفّسوا الصعداء بِعمق، حتى يداخلهم احساس أنّ هُناك من علم بمأساتهم وعايشها ولو بالروايات والحكايا.

في ظلّ هذا كلّه يبقى عدد العائلات المعوزة المتمتعة بمنحة العوز وبالعلاج المجاني محدودا مقارنة بما تحويه هذه الجهة من حالات اجتماعيّة صعبة وهو ما يتوجّب من الأطراف المسؤولة إعادة النظر في هذه الوضعيات من أجل إلحاق بعضها بقائمة العائلات المنتفعة حتى تنعم بالعيش الكريم، وللحديث بقية.