وطني و عربي و سياسي

السبت,23 يوليو, 2016
حزب الله فصيل من الحرس الثوري الإيراني تدرب وتسلح من قبل الحرس الثوري الإيراني لخوض الحروب مع العرب نيابة عن طهران

الشاهد _ تعيش سوريا وقائع حرب مُسلحة بين جهات عديدة، تجعل المستقبل الذي ينتظر ثورة شعبها، وتطلعاتهم المشروعة، مجهولة بعد كُل تلك السنوات من الصراع بين المعارضة السورية والنظام الحاكم، الذي لا يزال مُمسكًا بمقاليد السُلطة، ومُتحكمًا في أجهزته الرئيسية.

«ساسة بوست» حاورت برهان غليون المفكر السوري المعروف، عبر البريد الإلكتروني، لاستشراف مآلات الثورة السورية في عامها السادس، والذي يشغل منصب أستاذ علم الاجتماع السياسي فى جامعة السوربون في فرنسا، كما شغل منصب مدير مركز دراسات الشرق المعاصر بنفس الجامع، وكان أول رئيس للمجلس الوطني السوري الذي تشكل في تشرين الأول 2011، وبرز اسمه آنذاك كأحد أبرز المرشحين لقيادة المعارضة السورية.

غليون، من مواليد مدينة حمص السورية 1945، التي تلقى فيها دراسته الابتدائية والإعدادية قبل أن ينتقل إلى دمشق، ويُكمل فيها دراسته الجامعية.

1- هل التقارب الروسي الإسرائيلي مؤخرًا على خلفية زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مستهل الشهر الحالي إلى موسكو ولقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ربما يكون عاملًا مساعدًا لدعم بقاء بشار الأسد في السلطة؟

بشار الأسد لا قيمة له عند أي طرف إلا بوصفه ورقة ضغط ومساومة. ما يريده نتنياهو هو تكريس احتلال الجولان، وضمان الاعتراف الروسي به، والتنسيق العسكري الكامل مع الروس في سورية بما في ذلك الإشراف على العمليات في الجبهة الجنوبية وترتيب أوضاع الجنوب السوري لصالح إسرائيل.

2- تحول موقف السعودية من المُطالبة للنظام السوري بالقيام بالإصلاحات – عبر بيان الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز يطلب فيه من «بشار» القيام بإصلاحات لتجنب النزاع جاء بعد ٦ أشهر من الثورة – إلى المُطالبة بإسقاطه، والتمسك بهذا المطلب، كيف تقرأ هذا التحول؟

تقليديا السياسة السعودية الخارجية متحفظة ومحافظة معًا. ولذلك لم يكن هناك أي اتجاه للمواجهة أو الصدام مع الأسد. بالعكس قدمت السعودية في الأشهر الأولى من الثورة مساعدة مالية، ووعدت بمساعدات أخرى لتشجيعه على حل الأزمة السياسية من دون مواجهة عسكرية داخل سورية.

إصرار الأسد على المواجهة وإعلانه الحرب عمليًا على الشعب، واستقوائه بالميليشيات الإيرانية أشعر السعوديين بالخطر، ودفعهم إلى التجاوب مع الرأي العام الخليجي، الذي كان يخشى ولا يزال سقوط سورية في حضن ولاية الفقيه الإيراني.

وفي اعتقادي كانت السعودية أكثر الدول استعدادًا لمساعدة الأسد على التوصل إلى تسوية سياسية في سورية لتجنب الانفجار والأزمة، وربما لا تزال. لكن الأسد والخامنئي – من أمامه – كانوا يعتقدون أن لديهم فرصة إجهاض حركة الاحتجاج الشعبية، وكسب معركة السيطرة على سوريا إلى الأبد، اقتداءً بما قام به الأسد الأب في حماة عام ١٩٨٢ عندما كسب ثلاثين سنة «أمان» للنظام بعد استغلاله ثورة الإخوان، واستخدام أقسى أنواع القتل والعنف الأعمى ضد شعب حماة، لتلقين السوريين جميعا درسًا لن ينسوه بسهولة في المذلة والمهانة والاستسلام والخضوع.

3- هل دعم السعودية للفصائل المعارضة يشمل دعمًا ماديًا، أم دعمًا بالسلاح، أم كليهما؟

لا أعرف ما إذا كانت السعودية تقدم مساعدات مباشرة للمقاتلين، غير تلك التي تقدم عن طريق غرفتين تشرف عليهما الولايات المتحدة في تركيا والأردن. وهي تقدم من خلالهما مساهمتها العسكرية والمالية، مثلها مثل الدول الأخرى المشاركة في الغرفتين، بما في ذلك الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا الأخرى.

لكن أعرف أن الائتلاف الوطني – مثله مثل الهيئة العليا للتفاوض – لا يتلقيان أي مساعدة مادية أو مالية.

4- ماهو حجم نفوذ داعش الواقعي في سوريا؟ وهل المزاعم التي تتحدث عن انحسار حقيقي للتنظيم، يُنبئ عن انتهاء قريب أو بعيد حتى، أم لا يزال التنظيم هو القوة الأولى؟

يعلن الأمريكيون والروس أن قصفهم لقوى داعش قد عمل على انحسار رقعة الأرض التي تسيطر عليها بحدود ١٠ إلى ١٥% من الأراضي التي تحتلها. وعلى العموم هذا صحيح. لكن معيار الانتصار على داعش لا ينحصر في حجم الأرض التي يحتلها التنظيم، وإنما في تحطيم آلته العسكرية وقدرته على شن هجومات.

وفي اعتقادي أنه لم يتحقق شيء كبير هنا. لكن مع ذلك لا يمكن فهم عمليات داعش الإرهابية في البلاد الاوروبية والعربية التي تعددت في الفترة الاخيرة، بما في ذلك في تركيا وفرنسا والمملكة العربية، إلا على أن التنظيم يتعرض لضغوط كبيرة في مناطق سيطرته، ويعمد إلى توسيع دائرة عملياته الإرهابية خارج المنطقة لتخفيف الضغط عليه.

أخيرًا، داعش ليس أسطورة. وبإمكان الدول لو أرادت، وساعدت على إيجاد حل سياسي للأزمة السورية أن تقضي عليه خلال أشهر. إنما المشكلة أنه لا توجد إرادة دولية وإقليمية موحدة اليوم. وكل الأطراف تخشى أن تصب مساهمتها في ضرب التنظيم لصالح الأطراف الأخرى المنافسة. داعش نشأ وترعرع على خلافاتنا السورية، والإقليمية، والدولية، ولا يزال يعيش على استمرارها.

5- لمن الغلبة في النفوذ الميداني بسوريا: جبهة النصرة أم تنظيم الدولة الإسلامية؟

حتى الآن يبدو التنظيم أكثر قدرة على المناورة العسكرية وشن هجمات من جبهة النصرة. لكن قوة النصرة بالمقارنة مع داعش هي أنها مندمجة في نسيج قوات المعارضة السورية، وهي تستفيد – من دون شك – من أن معظم أعضائها سوريين، وأنها تركز هدفها على القتال ضد الأسد، وليس على قتال الجيش الحر، ومنازعته على السيطرة لبناء إمارة دينية، على الأقل حتى الآن.

باختصار التنظيم عسكريًا أقوى وأكثر موارد، لكن الجبهة أقوى سياسيًا حتى إشعار آخر.

6- النفط في سوريا.. هل خرائط النفوذ المتاحة لكم توضح تباينًا في خريطة الصراع حول النفط بالتزامن مع التدخل الروسي، ثم حرب الأكراد؟

حرب النفط والغاز جزء من الحرب الشاملة الجيوسياسية. وبالرغم من أن السيطرة على خطوط نقل وتوزيع وتجارة النفط والغاز ليست رهانًا ثانويًا لا قيمة له، إلا أن الرهان الأهم اليوم الذي جعل من أرض سورية مسرحًا لحرب عالمية، هو الهيمنة على إقليم الشرق الأوسط الذي يشكل عقدة مواصلات دولة رئيسية وإستراتيجية، إضافة إلى ما يمثله على صعيد صراع القوى الدولية، وإعادة ترتيب النظام العالمي وتوازنات القوى فيه.

7- تعيش المعارضة السورية انقسامات عصفت بها خلال الفترة الأخيرة، بجانب الفشل في إحراز أي تقدم في المفاوضات السياسية، والتي كان شاهدًا عليها استقالة كبير المفاوضين في أكبر فصائل المعارضة السورية المعترف بها.. هل تؤكد هذه الوقائع استحالة فاعلية مستقبلية للمعارضة؟

المعارضة تم تهميشها منذ زمن طويل، بعد أن سلطت بعض الدول جام غضبها على المجلس الوطني في مرحله نشوئه وصعوده، كما أن المعارضة همشت نفسها بنفسها عندما دخلت في منطق الصراع على المناصب والمحاصصة الحزبية والإثنية والطائفية.

وإذا لم ينجح الائتلاف في تجديد دمائه، ومراجعة أسلوب عمله، والتفاهم مع الدول المعنية لانتزاع هامش استقلاله، سوف يكون من الضروري على شخصيات المعارضة المسؤولة، أو التي لديها شعور بالمسؤولية أن تجتهد لتمثيل الرأي العام المعارض والشعب السوري، حتى لا تترك مصير سورية في يد الأطراف الأقليمية والدولية.

8- هل تعتقد أن يتغير دور حزب الله في سوريا بعد مقتل عدد من قيادتها أخرهم «مصطفى بدر الدين»؟

حزب الله فصيل من الحرس الثوري الإيراني لا أكثر ولا أقل. وقد شكلته طهران، وتدرب وتسلح من قبل الحرس الثوري الإيراني لمثل هذه اللحظة، ولخوض الحروب مع العرب نيابة عن طهران، ولن يتغير دوره ما لم تغير طهران من سياستها العربية والإقليمية.

9- ما الأطراف التي لها مصلحة في تغيير دور حزب الله في الأزمة السورية؟

الأكثر مصلحة في ذلك الطائفة الشيعية اللبنانية. فهي الخاسرة الأكبر من هذا الدور للحزب في الحرب التي لا مجال لانتصاره فيها، ولأن المكاسب التي سيحققها – لو حصل ذلك – ستكون من نصيب طهران وليس لبنان ولا الطائفة.

بالنسبة للسوريين لم يعد لحزب الله دور حاسم في الحرب بعد أن حصل التدخل الروسي، والتدخل العسكري الإيراني المباشر بقوات إيرانية. هذا لا يعني أنه لم يعد يمثل قوة مؤثرة، لكن ليست حاسمة.

وفي كل الأحوال – كما ذكرت – ليس هناك أي احتمال لتغيير دور حزب الله في سوريا، ولا أحد يفكر في مثل هذا الاحتمال ما لم تتغير سياسة طهران نفسها.

10- ما حجم الدور العسكري لحزب الله في سوريا؟

هو من دون شك ميليشيا قوية، لكنه واحد من عشرات الميليشيات الشيعية العراقية وغير العراقية المجندة من قبل طهران.

11 – إلى متى يتحمل الحزب كلفة الصراع السوري؟

يتحمل الحزب كلفة الصراع السوري طالما استطاعت طهران أن تتحملها. ولن تتوقف عن تحملها ما لم تدرك، وتعترف أنها خسرت رهانها في الحرب، وأن سوريا لن تكون – مهما حصل – المحافظة رقم ٣٥ للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

12 – كسبت حركة حماس احتضان سوريا ودعمها ورعايتها لها كحركة مقاومة، قبل أن تنفصل الحركة وتتخذ موقفًا حيال سلطة «بشار الأسد».. كيف تقرأ هذا التحول في موقف حماس؟ وما مدى فاعلية دورها في الأزمة السورية ؟

استخدم الأسد الأب والابن، حركة حماس في صراعه ضد منظمة التحرير الفلسطينية وزعيمها ياسر عرفات. ثم استفاد من وجودها لتعزيز مذهب الممانعة والمقاومة الكاذب، وكان جزءًا من استخدام طهران لها، وسعيها إلى إلحاق بعض الحركات الإسلامية السنية بها، حتى لا يظهر طابع نظامها الطائفي الشيعي.

وعندما اندلعت الثورة، طلب الأسد من حماس أن تقوم بالعمل نفسه الذي أوكلته طهران لحزب الله، أي المشاركة في الانقلاب ضد الدستور، وقتل الشعب دفاعًا عن نظام فاسد ومتسلط وإجرامي، يعرف قادة حماس طبيعته كما يعرفها الشعب السوري كله.

وهذا ما سعت حماس إلى تجنب السقوط فيه، فخرج زعيمها خالد مشعل من سوريا تلافيًا للصدام مع الأسد وهربًا من إجباره على الانخراط في حرب الدفاع عن الديكتاتورية التي لا ناقة للشعب الفلسطيني فيها ولا جمل، عدا أنها تعني الاصطفاف مع نظام قاتل ضد الشعب السوري الذي كان – ولا يزال – الحاضن الحقيقي، ليس لحركة حماس والحركات الفلسطينية المقاومة الأخرى التي طردها الأسد من سوريا، وإنما لقضية الشعب الفلسطيني بأكملها خلال أكثر من قرن، قبل قيام إسرائيل وبعده.

ساسة بوست