كتّاب

الأحد,19 يوليو, 2015
حروب أبوظبى

الشاهد_يثير الانتباه ويستدعى العديد من الأسئلة الجهد الذى تبذله أبوظبى فيما سمى بالحرب على الإرهاب فى داخل العالم العربى وخارجه.

ورغم أن الممارسات تتم باسم دولة الإمارات العربية إلا أن المعلومات المتوافرة تشير إلى أن إمارة أبوظبى بالذات تقود ذلك الاتجاه، وتطلق المبادرات الخاصة به. أما الإمارات الأخرى فبعضها له رأى آخر فى التعامل مع الملف، ومنها غير المكترث بالموضوع أو غير القادر على تحمل كلفة أعبائه.

ما دعانى إلى التطرق للموضوع اننى قرأت تقريرا نشرته صحيفة الحياة اللندنية تحدث عن اتفاق تم توقيعه فى أبوظبى مع الولايات المتحدة الأمريكية لإطلاق مركز يتولى مواجهة الفكر «الداعشى».

وقع الاتفاق عن دولة الإمارات وزير الدولة للشئون الخارجية أنور بن محمد فرقاش وعن الولايات المتحدة وكيل وزارة الخارجية للدبلوماسية والشئون العامة ريتشارد ستنجل.

وبمقتضاه تم الاتفاق على إقامة مركز «صواب» للتراسل الإلكترونى. وهدفه دعم جهود التحالف الدولى فى حربه ضد تنظيم داعش.

وذكر البيان الصادر بخصوص الموضوع فى أبوظبى أن المركز يتطلع إلى ايصال أصوات المسلمين وغير المسلمين فى جميع أنحاء العالم ممن يرفضون الممارسات والأفكار المضللة التى يروجها أفراد التنظيم. ولأجل ذلك فإنه سيعمل على تسخير وسائل الاتصال والإعلام لتصويب الأفكار الخاطئة وإتاحة مجال أوسع لإسماع الأصوات المعتدلة.

وسيتصدى المركز لهذه المهمة من خلال تواصله مع الجمهور عبر الإنترنت ومواجهة وتفنيد الإدعاءات الكاذبة والتفسيرات الدينية الخاطئة التى تبثها عناصر التنظيم.

فى هذا الصدد ذكر السيد فرقاش ان المركز سيتعاون مع حكومات المنطقة والعالم بما فى ذلك حكومات ٦٣ بلدا مشاركا فى التحالف الدولى ضد داعش لتحقيق ودعم الاستقرار والأمن فى المنطقة.

ويرى وكيل الخارجية الأمريكى ان بلاده تقدر عاليا شراكتها مع دولة الإمارات فى مكافحة التطرف.

وان مركز صواب سيظهر لتنظيم داعش وغيره من المتطرفين ان المسلمين المعتدلين فى كل مكان يرفضون أفكارهم البغيضة وممارساتهم الوحشية.

فى التقرير المنشور ان مركز «صواب» الجديد امتداد لمبادرات أخرى أطلقتها أبوظبى فى ذات الاتجاه، منها مركز «هداية» لمواجهة التطرف، ومنتدى تعزيز السلم فى المجتمعات المسلمة.

إضافة إلى مجلس حكماء المسلمين الذى أرسل قوافل إلى ١٥ دولة للدفاع عن سماحة الإسلام واعتداله.

ما أثار انتباهى فى ذلك التوجه عدة أمور، أولها ان دولة الإمارات لا تعانى من مشكلة التطرف والإرهاب من أى باب.

ثانيها ان الاتفاق تم مع الولايات المتحدة التى لا يعرف لها دور فى تصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام والمسلمين.

الأمر الثالث ان المبادرات الأخرى التى اطلقتها الإمارات تصب فى ذات الاتجاه، حيث لا فرق يذكر بين مركز هداية ومركز صواب ودورهما ليس بعيدا تماما عن مهام منتدى تعزيز السلم أو مجلس حكماء المسلمين.

الأمر الرابع ان أبوظبى دخلت فى مواجهة واسعة النطاق وحامية الوطيس مع جماعات الإسلام السياسى خصوصا بعدما هبت رياح الربيع العربى، ورغم انها لم تتخل عن ذلك الدور حتى الآن، إلا أنها ركزت فى الآونة الأخيرة على الحرب ضد الإرهاب.

فى حين لم تكن لها مشكلة مع الاثنين، لكن مشكلتها الحقيقية كانت مع الربيع العربى الذى عارضته واحتشدت ضده أغلب الدول الخليجية.

استطرادا فإنه يلفت النظر أيضا أن دولة الإمارات أطلقت مبادرات أخرى موازية من خلال الأنشطة التى تتولى تمويلها فى بعض الدول العربية، ومنها مصر التى قامت فيها بتمويل أربعة أو خمسة مراكز بحثية، إلى جانب أنشطتها التمويلية الأخرى، كما انها تقوم بتمويل أربعة مراكز حقوقية على الأقل فى أوروبا تباشر عدة مهام، منها مواجهة الإسلام السياسى والمساهمة فى الحرب ضد الإرهاب وهذه المراكز هى:

الشبكة العالمية للحقوق والتنمية ولها مكتبان فى أوسلو وجينيف ــ من أجل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وهو مركز له مكاتب فى لندن وأوسلو وجينيف ــ المعهد الاسكندنافى لحقوق الإنسان فى جينيف ــ مركز جينيف لحقوق الإنسان والحوار العالمى.

ويتردد فى أوساط الحقوقيين أن محمد دحلان الذى يتولى بعض المهام الخاصة فى أبوظبى هو من أنشأ هذه المراكز، وعين مديرين فلسطينيين لأغلبها. كما انه يبذل جهدا لإقامة منبر إعلامى إماراتى فى لندن.

لدى ملاحظات ثلاث على تلك الأنشطة هى: أنها تعبر عن طموح مشروع ورغبة فى إثبات الحضور فى الفراغ العربى المخيم ــ ثم انها تمارس على جبهة عريضة تتجاوز إلى حد كبير طاقات الإمارات التى قد تتوافر لها القدرات المالية ولكن الأمر مختلف فيما خص الخبرات البشرية التى تنهض بتلك المهام، الملاحظة الثالثة انها تكثف الانفاق على ما هو سياسى على قلة مردوده، فى حين أن ما هو إنسانى على أهميته البالغة فى العالم العربى لا نكاد نرى له حضورا يذكر.

لقد تمنيت ان تتسق الدول الخليجية جهودها فيما تبذله خارج حدودها.

لكن الفشل الذى منى به العمل العربى المشترك فى مجالات الاقتصاد والسياسة، والتمسك بالتنسيق الأمنى وحده، دفعنى إلى استبعاد الفكرة فى الوقت الراهن، على أمل أن يتوافر للعالم العربى يوما ما عقل رشيد يهذب الطموحات ويحسن ترتيب الأولويات بحيث تصب الجهود فيما ينفع الناس وليس فيما يستجيب لأهواء الأنظمة والحكام.

فهمي هويدي



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.