كتّاب

الإثنين,1 أغسطس, 2016
حركة النّهضة التونسية ونزعة التجديد

amal-mosa

أمال موسى

موضوعًيا يمكن القول إن حركة النهضة التونسَّية استطاعت أن تنجو بنفسها نسبًيا مقارنة بالتأزم الذي يعرفه الإسلام السياسي بشكل عام. وهي نجاة وإن كانت مهَّددة باستمرار، لكَّنهاُتحسب لفائدة الحركة وللفاعلين فيها.

اللافت للانتباه ورغم حالات التصدع التي تعيشها غالبية الأحزاب التونسَّية القديمة منها والجديدة، فإن الملاحظ أن حركة الَّنهضة التونسية ظلت محافظة على شيء من التماسك وصانعة للحراك داخل الحركة.

ففي حين أن أخبار الأحزاب الأخرى تكاد تنحصر حول الخلافات والانقسامات، نجد أن حركة الَّنهضة تسير وفق رزنامة أحداث مهمة داخل الحركة، ونقصد بذلك عقد مؤتمرها العاشر في شهر ماي الماضي، الذي استرعى انتباه الداخل والخارج، وذلك متابعة لما سيؤول إليه الفصل في مسألة الدعوي والسياسي داخل الحركة.

كما أَّنه في الوقت الذي كان يركز فيه المجتمع السياسي على الحوار حول مبادرة رئيس الجمهورية في خصوص حكومة الوحدة الوطنَّية، فإنها استطاعت أيًضا أن تصنع الحدث منذ أسبوعين أثناء مصادقة مجلس الشورى داخل الحركة على تركيبة المكتب التنفيذي الجديد.

وصناعة الحدث هنا بمعنى الاستئثار بالاهتمام الإعلامي، خصوًصا أن التركيبة الجديدة كانت حمالة للَّدلالات وللرسائل للداخل والخارج في الوقت نفسه.

ولعل أول ملاحظة هي أن حركة النهضة تعرف حراًكا متواصلاً على الأقل على مستوى الفعل السياسي داخل الحركة. وهذا الحراك بمثابة رياضة سياسية إن جاز الوصف تمارسه حركة النهضة منذ تاريخ عودتها للمشاركة السياسية مع اندلاع الثورة التونسية في يناير (كانون الثاني) 2011 ،ويعكس الحراك المشار إليه حرصا على امتلاك بعض قدرة على التفاعل مع الواقع السياسي الوطني والدولي.

النقطة الثانية ذات صلة بتركيبة المكتب التنفيذي ذاتها والتغييرات النوعية التي شهدتها، ولكن قبل التوقف عند دلالات التركيبة، من المهم الإشارة إلى أن رئيس الحركة أثبت أنه لا يزال قوًيا داخل الحركة وفاعلاً، حيث تشبث بآلية التعيين في تركيبة المكتب التنفيذي، ولم يخضع لضغوطات الرافضين لهذه الآلية. بمعنى أنه نجح في امتحان اختبار صوته ووقعه داخل حركة النهضة.

لنأت الآن إلى قرار تعيين الَّسيد زياد العذراي أميًنا عاًما للحركة وتعيين الကسيد عماد حمادي ناطقا رسمًيا لها.

فهما ليس من القيادات الشابة في الحركة فقط، بل يمتلكان خطاًبا ممنهًجا ومقنًعا وهادًئا أيًضا. ولقد راهنت الحركة عليهما من قبل من خلال التعويل عليهما لتمثيل الحركة في المنابر الإعلامية التلفزيونية أثناء حداث آنية ساخنة ومشتعلة. ولقد برهنا دائًما على رباطة جأش ومنهجية في طرح الأفكار وعقلانية في الدفاع عن الحركة ودورها وأدائها أكثر من عدة وجوه أخرى تعتبر من المؤسسيين للحركة.

وفي هذا الِّسياق لا بَّد من التوضيح أنه أحياًنا قد لا تقتنع بمضمون الخطاب، ولكنك تسجل من باب
الموضوعية إعجابك بنظام طرح الأفكار والمسوغات ومنهجية البرهنة والدفاع عن المواقف.

لذلك ، فإن نجاح هذين الاسمين في الحضور الإعلامي وتقديم صورة عقلانية عن الحركة بعيًدا عن التشنج وزلات اللسان الخطيرة، قد بوأهما مكانة جيدة داخل الحركة كي يتم تكريس الوجه العقلاني للحركة القادر على تمرير خطاب سياسي لا وجود فيه للدعوي وغير ذلك من لوائح المؤتمر العاشر المشار إليه.

ولعل الانتباه إلى الاستثمار فيما يخدم صله الحركة بالعقلنة أسلوًبا وخطاًبا بلفت النظر عن المضامين، من النقاط الإيجابية التي ستجعل الحوار بين الحركة والمجتمع السياسي أكثر أهمية. ولا نعتقد كما ذهبت إلى ذلك بعض الاستنتاجات أن التيار الإصلاحي داخل الحركة قد انتصر على المحافظ؛ لأن هذه المعركة بالذات قدُفصلت إلى حد ما في المؤتمر الأخير.

فالِّرهان التكتيكي حسب ما تفيدنا به تركيبة المكتب التنفيذي الجديد هو على الأكثر قدرة على الاتصال السياسي والتسويق الإعلامي المحكم للحركة. بمعنى آخر، يمكن القول إن السيد راشد الغنوشي قد كافأ الأسماء التي أصبحت ذات حضور إعلامي وعملت بأقل حد ممكن من الأخطاء.
المسألة الأخرى التي تستحق التوقف عندها، تتمثل في قطع الطريق أمام المنتقدين لنقد ضعف حضور المرأة في تركيبة المكتب التنفيذي، حيث تمت مضاعفة عدد الِّنساء من اثنتين إلى ست نساء وذلك من مجموع 25 عضوا، الجدير بالانتباه ليس ارتفاع عدد النساء على أهمية هذه المسألة شكلًيا على الأقل، بل إن الخطط الموزعة لم تقتصر على المهام التقليدية للمرأة في الأحزاب السياسية؛ ذلك أن اختيار امرأة ناطقة رسمية ثانية للحركة، نقطة نوعية مهمة، إضافة إلى تمكين بعض النساء في المكتب من مهام تخص المجتمع المدني والعدالة الانتقالية والشؤون القانونية، فنحن أمام استثمار سياسي في كيفية مشاركة المرأة داخل الحركة، وفي محاولة نحت صورة جديدة للحركة أقل هيمنة ذكورية.

طبعا قد يكون من الذكاء التركيز على المتغير في الصورة الاتصالية بشكل عام.. ولكن لا معنى لذلك إذا لم تتواز الصورة مع مضمون خطاب الحركة وسلوكها؛ ذلك أن تجديد الصورة أكثر جدية ومصداقية من تلميعها.. والسلوك السياسي وحده يميز بين التجديد والتلميع.