كتّاب

السبت,26 مارس, 2016
حذار.. إنّهم يدفعون بكم إلى الفخّ نفسه

محمد الحمروني

خلال أحداث القصرين التي اندلعت أواسط جانفي الماضي وانتشرت بسرعة في عدد من مناطق البلاد، ما تسبّب في مقتل أحد أعوان الأمن وإصابة العشرات منهم بجروح مختلفة، علاوة على حرق العديد من المقارّ والمؤسّسات الحكوميّة والخاصّة وما رافقها من نهب وسرقة.

خلال تلك الأحداث التي انطلقت بالأساس للمطالبة بالشغل، وبحقّ أبناء المناطق المهمّشة والمحرومة من حقّهم في العمل والعيش الكريم، اكتشفنا أنّنا وبعد خمس سنوات من الثورة لا زلنا تقريبا في المربّع الأوّل فيما يتعلّق بالأوضاع الاجتماعيّة. واكتشفنا اننا كنّا على شفى فوضى عارمة، الله وحده يعلم أين كان يمكن أن تصل بالبلاد. وكنا نبّهنا حينها إلى أنّ الطبقة السياسيّة، انشغلت في قضاياها الخاصّة، وأغرقت الساحة بقضايا هامشيّة على غرار الجدالات حول الشذوذ واللواط والحجاب والنقاب والرّوضات القرآنيّة، وأهملت المطالب الأساسيّة التي قامت من أجلها الثورة، وهي الكرامة، التي من أجلها أحرق البوعزيزي نفسه.

يومها استفقنا على بركان ينفجر بوجهها، ليذكّرنا بالاستحقاقات الأساسيّة للثّورة، التي تتجاوز الخلافات بين الأحزاب، وصراعات الشقوق والأطراف، وانتبهنا إلى أنّنا كنّا على شفا جرف هار، ولولا يقظة شعبنا، وقواه الحية، لنجح المستثمرون في المآسي في حرق الاخضر واليابس.

اليوم وبعد نحو 3 أشهر على أحداث القصرين، ها نحن نعود إلى نفس مربّعات الإلهاء والاشغال بقضايا هامشيّة عن اللواط والسحاق، وعن النقاب والحجاب وحرّية اللّباس هل هي في المنزل، أم في الشارع؟ فخُصّصت لذلك برامج ومنابر ومنتديات، وانغمس الجميع بهوس مرضي في هذه السجالات التافهة.

سجالات لا معنى لها، عدى أنها محاولات لخلق محاور للإلهاء ولإشغال الرأي العام، بقضايا لا علاقة لها بهموم الناس الحقيقيّة، ولنعود مجدّدا إلى التغافل عن المطالب الأساسيّة التي رفعتها الثورة، وهي الحرّيّة والكرامة، وعلى رأس تلك المطالب التشغيل.

للأسف وقعت إعادتنا إلى نفس المربّعات، رغم أنّ الكثير من الكتّاب والمفكّرين والمتابعين، نبّهوا إلى ضرورة أن لا تنشغل الحكومة والأحزاب الحاكمة وكلّ الفاعلين في بلادنا، إلّا بتحقيق إنجازات ملموسة وحقيقيّة فيما يتعلّق بالمطالب الأساسيّة لشعبنا.. وعلى رأسها التشغيل، كما أسلفنا.

اليوم، يراد للحكومة أن تغضّ الطرف عن القضايا الحارقة وخاصّة التشغيل والتنمية الجهويّة ومحاربة الفساد والتهميش، حتى تتعفن الاوضاع أكثر، ونجد انفسنا امام انفجار جديد للأوضاع الاجتماعية. اليوم تبدو الحكومة والأحزاب الحاكمة، وكأنّها تساق إلى نفس الفخّ، بسبب عدم تركيزها على القضايا التي تشغل المواطن، من ارتفاع مشطّ للأسعار، وانهيار للمقدرة الشرائيّة، إضافة إلى البطالة وغيرها. وهي تعيد نفس أخطاء الحكومات السابقة التي حكمت منذ قيام الثورة إلى الآن. فهل علينا أن ننتظر حتى تنفجر الأوضاع من جديد، لننتبه مجدّدا إلى أنّنا، وللأسف، أهملنا مرّة أخرى القضايا الحارقة والمطالب الأساسية التي من أجلها قامت الثورة، وانشغلنا بقضايا ثانويّة، هامشية ومفتعلة.

على هذه الحكومة أن تدرك أنّها ستحاسب، لا على الحجاب والنقاب وبعض قضايا الترف الفكري لبعض النخب المترفة التي تعيش خارج الزمن التونسي وخارج سياقات ما يعانيه المواطن في بلادنا. بل هي (أي الحكومة) ستحاسب على قضايا مثل البطالة والإقصاء والتهميش وضعف القدرة الشرائية وغياب العدالة الاجتماعيّة والتنمية الجهويّة. وعليها أن تدرك أن بعض الذين يفتعلون مثل هذه القضايا إنّما يفعلون ذلك عمدا وبسابقيّة الإضمار والترصّد، بهدف الانحراف بالحكومة عن مجالات الفعل الحقيقيّة، وإلهائها بقضايا هامشية، تمهيدا لإعلان فشلها سواء في الشارع إن استطاعوا،  مثلما حاولوا أن يفعلوا خلال أحداث القصرين، أو عبر صناديق الاقتراع، إن تمكّنت هذه الحكومة من الصمود حتى موعد الاستحقاقات الانتخابيّة القادمة.

الخشبة كبيرة، من أن تكون بعض الأجندات التي تشتغل على الإلهاء وإضاعة الوقت، ما هي إلّا مقدّمات، لما يحاك لبلادنا في الكواليس المظلمة، من مؤامرات، والخشية أكبر من أن يكون الهدف من هذا الإلهاء، مفاجأتنا مرّة أخرى بأحداث شبيهة بأحداث القصرين، وربّما تكون أشدّ وأقسى.

عندما نتأمل الحملة المفتعل التي تُثار اليوم حول قضيّة من المفروض أن الدستور حسم أمرها، مثل النقاب، وكلّ هذا الجدل الذي أثير حولها، وإصرار أطراف بعينها على تحويلها إلى قضيّة رأي عام، فتمرّر من أجلها مشاريع قوانين إلى البرلمان، وتقام من أجلها منابر إعلاميّة في كل مكان، ويملأ حديثها مواقع التواصل الاجتماعي، لمّا نرى كلّ هذا نتأكّد تماما أنّنا أمام آلة اعلامية وسياسية، وأمام عمل منظّم وتخطيط محكم، ما يعني أن هناك جهات ما تقف وراءه وهذه الجهات قويّة ونافذة، ولا تخبط كما قد يبدو للبعض خبط عشواء.

لا بد أن ننتبه، إلى أن التجربة أثبتت، أن فترات الفراغ السياسي التي تمرّ بها بلادنا بين الفينة والاخرى، تعقبها دائما هزّات عنيفة، ومحاولات قويّة للدّفع بنا نحو الإرباك والفوضى، وعلينا أن ننتبه إلى ما سيتلو فترة الفراغ هذه، لأنّنا، ونحن منهمكون في محاربة الإرهاب، لا تنفكّ بعض القوى تعمل ليل نهار، على النيل من ثورتنا وتجربتنا الوليدة في الانتقال الديمقراطي.

أخبار تونس



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.