مقالات مختارة

الإثنين,10 أغسطس, 2015
حتى لا تصبح قوانين الإرهاب

الشاهد _ في عالم ما بعد الربيع يعتبر القانون ساحة معركة حقيقية تدور سرًّا ما بين القوى السياسية المتصارعة، ويبدو الأمر واضحًا في كل من تونس ومصر، حيث أقرت الحكومات قوانين مكافحة الإرهاب حيث تحاول السلطات عبر هذه القوانين تقييد بعض الحقوق مثل الحق في التظاهر أو حرية الإعلام عبر تشديد العقوبات، ويبدو جليًّا أن قوانين مكافحة الإرهاب في العالم العربي لا تناقش فكرة الإرهاب ذاتها بقدر ما تشدد العقوبات المفروضة أصلًا على سلوكيات كانت مجرّمة مسبقًا.

وعلى الرغم أن أغلب المشتغلين بالقانون في العالم العربي خاصة الذين يقدمون نصحًا ومشورة للحكومات العربية يركزون على النصوص القانونية من حيث علاقتها بالخلافات والنزاعات وخدمة مصالح آنية قائمة على إلغاء الآخر، فإن في الجزء الآخر من العالم كان أستاذ نظرية القانون في جامعة لندن “كوتريل” يكتب أفكاره حول النظرية الاجتماعية للقانون.

كوتريل صرح في كتاباته في دورية “القانون والمجتمع”، إلى فكرة مفادها أنه على النقيض مما يعتقده معظم المشتغلين بالقانون وهو أن القانون يملك حقيقته الخاصة التي لا تستطيع العلوم الاجتماعية الوقوف عليها، يمكن للدراسات الاجتماعية القانونية أن تُضفي بُعدًا على طبيعة الأفكار القانونية وأن القانونيين يجب عليهم أن ينظروا في كيفية مساهمة القانون أو عجزة عن المساهمة في بناء العلاقات الروتينية في المجتمع.

وهذا ما جعل للقانون ضرورة اجتماعية حتمية, فنشأ القانون لتنظيم حياة الجماعة, وفي سبيل ذلك يتدخل المشرع لفرض قيود وتنظيمات لتحقيق أكبر قدر من التوازن بين المصالح المتعارضة بين أفراد المجتمع الواحد، ومن هنا كانت دراسة القانون ظاهرة اجتماعية من الاستحالة فهمها وتحليلها من دون الأخذ في الاعتبار مدى تأثيرها وتأثرها داخل المجتمع.

وبالعودة إلى عالم ما بعد الربيع؛ فإن الذي يجدر بالقوى السياسية أن تفهمه أن القانون هو أداة يمكن من خلالها محاربة الإرهاب حقًّا لكن ليس باعتباره أداة للعقاب فقط أو تهميش الآخرين وتقييد حقوقهم المدنية لأنها تعطي بالتأكيد نتائج عكسية.

فظاهرة “داعش” مثلًا ينظر إليها المتأثرون بالنظرية الاجتماعية في القانون أن واحدة من أهم أسباب نشأتها وقوة شوكتها هو حماقة “قانونية” ارتكبها “بول بريمر” الحاكم المدني للعراق بتاريخ 16 أبريل/ نيسان 2003 حيث أقر قانونًا لاجتثاث حزب البعث في العراق من الوظائف الرسمية، ففي اليوم التالي من إقرار هذا القانون وجد الآلاف من كبار الضباط والجنود في أجهزة الأمن والحرس الجمهوري والجيش العراقي والمخابرات المدربين جيدًا على حرب العصابات واستخدام الأسلحة وتشكيل الميليشيات أنفسهم مهمشين يعانون الإقصاء والحرمان ويواجهون الجوع، هؤلاء الضباط العراقيون الكبار الذين انضموا للتنظيمات المسلحة و”داعش” فيما بعد، أو شاركوا في تأسيسها ووضع إستراتيجيتها وتوسعها وخططها العسكرية حيث أدت عملية تهميشهم إلى تشددهم بالصورة التي نعرفها حاليًا.. العقيد في المخابرات العراقية سمير الخليفاوي الذي وضع الهيكلية الحالية لداعش كان أهم نتائج هذه الحماقة القانونية، لذا وجب التنبيه!!

عبد الله شرشرة