أهم المقالات في الشاهد

الخميس,18 فبراير, 2016
جولة في عقل القذافي

الشاهد_هو “رجل ليبيا المجنون”، و”ملك الدراما” كما وصفته صحيفة “ديلى مونيتور” الأوغنديَّة، أو “كلب الشرق الأوسط المسعور” كما أسماه الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان.

 

هو زعيم سبعيني يستمتع برقص الفلامينكو وسباق الخيل، ويخشى المرتفعات والتحليق فوق الماء، ويفضِّل البقاء على الأرض، ولا يسافر إلا برفقة ممرضته الأوكرانيَّة الشقراء المثيرة “جالينا كولوتنيسكا”، بحسب تسريبات ويكيليكس.

 

هو رجل يستمتع بتسليط الأضواء عليه، ويحاول طيلة الوقت أن يبدو مختلفًا، متفاخرًا بملابسه الغريبة، وخيمته مترامية الأطراف، وخطاباته ونظرياته مثيرة الجدل والضحك في آن، وكتابه الأخضر، وطاقم حراسته النسائي، وحاشيته ضخمة العدد، وموكب السيارات الضخم الذي يرافقه في جميع أسفاره ويتسبب في اختناقات مروريَّة جمَّة لمضيفيه.

 

هو طاغية مجنون تجوَّل “إنجولي فرانسيس” في أروقة عقله، فخرج ليعترف على صفحات موقع شبكة (إي بي سي)، بصدق تشخيص الأطباء الذين أكَّدوا أنه يعاني من اضطراب عقلي يجعله منفصلا عن الواقع، يلقي خطاباته باللغة السرياليَّة، كما يقول ديفيد دريك، الأستاذ المساعد بجامعة دارتماوث.

 

حينما خطب أمام الجمعيَّة العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر 2010 ، لأكثر من ساعة ونصف، متحدثًا حول أنفلونزا الخنازير واضطراب الرحلات الجويَّة الطويلة، واصفًا مجلس الأمن بالهيئة الإرهابيَّة، ناصحًا وزارة العدل الأمريكيَّة بإعادة فتح ملف اغتيال جون كنيدي، استنكرت الوفود المذهولة خطابه باعتباره، كقائله، غريبَ الأطوار، ومثيرًا للضحك الخافت في أفضل الأحوال.

 

لكن الخطاب الاول الذي القاه ضد شعبه الثائر حمل بصمة مختلفة، فلم يكن مثيرًا للسخرية بقدر إثارته للقلق العميق، فالرجل وصف معارضيه بأنهم جبناء وخونة وجرذان وصراصير، يتناولون المخدرات والكحول، ودعا أنصاره بملاحقتهم واحدًا واحدًا وإخراجهم من أوكارهم، وادَّعى أنه “جلب المجد لليبيا” طيلة حكمه، مهددًا من تجرَّأوا على هذا الإرث بأنهم سيدفعون ثمنًا باهظًا، متجاهلا أن الكثيرين فعلا قد قُتلوا وجرحوا تحت القصف الجوي، وفي الشوارع على أيدي المرتزقة في تلك الفترة.

 

وبعد يوم واحد من تعهُّده بـ “سحق كل الأعداء”، أعرب البيت الأبيض عن خشيته من أن يكون دخل في مرحلة عدم استقرار عقلي، ومن ثَمَّ قد يقدم على إحراق البلد بأكلمه، ولم يمرّ وقتٌ طويل حتى أكَّد الرجل هذا الحدس في خطابه الثاني حين قال إنه سيفتح مخازن الأسلحة كي يتمكَّن مؤيدوه من مواجهة المتظاهرين الذين يتناولون حبوبًا مهلوسة قدَّمها لهم أسامة بن لادن، مشيرًا إلى أن “الحياة بدون كرامة لا قيمة لها” وشرع في خطابه الأخير ينثر القبلات على جموع مؤيِّديه في طرابلس، بعدما أطلقت قواته النار على المتظاهرين المطالبين برحيله.

 

هو مريضٌ باضطراب نفسي يجعله يفقد الإحساس بالواقع في أوقات الضغط، يتحدث بلغة يفيض منها جنون العظمة واليأس، في آنٍ، أثناء محاولته إيجاد تفسير كيف يمكن لشعبه الذي أحبَّه أن يتحوَّل ضده… وتحت هذه الواجهة غريبة الأطوار -التي طالما اتسمت بالتهريج- يختفي رجل شديد الخطورة”، كما يقول جيرولد بوست، الطبيب النفسي، الذي عمل في وكالة الاستخبارات الأمريكية لـ 21 عامًا، من أجل ذلك يتعامل الجميع معه بحذرٍ كما لو كانوا يفاوضون مجنونًا يحتجز رهائن، حتى أن أوباما لم يذكر اسمه في أول خطاباته حتى لا يغذِّي شعوره بالعظمة.

 

هو طاغية فهمُه للواقع مروِّع، لذا يبدو مقتنعًا بإمكانيَّة الحفاظ على السلطة ولو على أشلاء العباد وأنقاض البلاد، كما أشار “فواز تركي” و تركيبة تجمع بين الكاريزما وجنون العظمة، وبين الإيحاءات المنمَّقة والقمع الدموي، وتنتمي إلى سلالة من الطغاة المبهرجين في طريقها للانقراض، ويمكنك التعرف على خريجي هذه المدرسة في لحن قولهم، وحديثهم المستمرّ عن أمجادهم الثورية، ومن صورهم الضخمة المتناثرة في أنحاء البلاد، كما أشار مقال نشرته صحيفة كريستيان ساينس مونيتور، للكاتب “جون يما”.

 

إن القائد الحكيم هو الذي يعرف متى تنتهي الخدعة، فيصعد على متن سفينته، ويرفع مرساتها، ويبحر بعيدًا، موقنًا بأنه لا جدوى من مناطحة المريخ، أو تحدي التاريخ… وحتى النظامين المصري والتونسي، كانا يعرفان أن هناك خطًّا أحمر لا يمكن تجاوزه، لكن لأن رجلنا مختلف، تعهَّد بقتال شعبه حتى آخر نقطة دم، وتعهَّد ابنه بمساندته حتى آخر رصاصة.. إنها الحماقة -عافاكم الله- التي أعيت من يداويها!