حواء

السبت,27 فبراير, 2016
جواري ووصيفات دخلن التاريخ بجلوسهن على العرش

الشاهد_يحفل التاريخ الإنساني بقصص حكام فقدوا سلطانهم وجاههم ليتحولوا إلى أبسط حتى من بسطاء عوام شعوبهم، كما يحفل في المقابل بقصص نساء دخلن القصور الملكية مجرد جواري أو وصيفات لا يحلمن بأكثر مما في تلك القصور من عيشةِ مريحةِ رغدة  في حين أن القدر كان يعِدَّهن ليصبحن هن سيدات تلك القصور؛ فمنهن من استطعن الحفاظ على سيادتهن حتى الممات وأخريات كانت السلطة بالنسبة لهن هي بداية حظهن العسر.

في هذا المقال نتعرف على أشهر جواري ووصيفات استطعن الجلوس على العرش والأخذ بزمام الحكم، ونستكشف معاً كيف كانت نهايتهن بعد سلوكهن طريق السلطة المليء بالمصاعب كما الهبات …

 

الملكة آن بولين

 

 

لم يستقر المؤرخون على العام الذي ولدت فيه آن تحديداً، لكن يرجح أنها ولدت ما بين عامي 1501 و1507 بإنجلترا لأسرة عريقة، وتميزت آن بذكائها ولباقتها وجمال ملامحها خاصةً عينيها.

 

وفي عام 1522 كان التحول الاستثنائي في مسار حياة آن .. حيث عُينَت وصيفة للملكة كاثرين زوجة الملك هنري الثامن ملك إنجلترا (يذكر أن منصب الوصيفة في أوروبا كان يُعد شرفاً للفتاة وعائلتها)، ومن هنا لاحظها الملك هنري ووقع في غرامها، لكنها صدت كل محاولاته للتقرب منها متعللة بأنها ليست زوجته.

 

دفع ذلك الملك هنري إلى أن يطلب من البابا كليمنت السابع إبطال زواجه من الملكة كاثرين، فلما رفض أعلن هنري استقلال بلاده عن الكنيسة الكاثوليكية، كما أعلن نفسه رئيساً للكنيسة الإنجليزية، ثم صرح بزواجه من آن وتم تتويجها ملكة على عرش إنجلترا في حفل ضخم في يونيو من عام 1533 رغم تدني شعبيتها لدى الإنجليز.

 

لكن سرعان ما تدهورت العلاقة بين الزوجين، حيث لم تستطع آن إنجاب وريث ذكر للعرش وأنجبت فقط الملكة إليزابيث الأولى، كما أعجب هنري بإحدى وصيفاتها وقرر الزواج منها؛ فدبَّر للتخلص من آن كي يستطيع إتمام هذا الزواج.

 

ومن ثم تم القبض على آن في مايو من عام 1536 بتهمة الزنا بخمسة رجال، كما تم اتهامها بممارسة السحر والتخطيط لقتل الملك؛ وبناءً عليه تم إعدامها علانيةً بقطع رأسها لتصبح بذلك أول ملكة انجليزية تُعدم علناً.

 

السلطانة هُرِم

 

2

 

وهي بالأساس الجارية المُفضلة ثم لاحقاً الزوجة الشرعية للسلطان العثماني سليمان القانوني،  وأم لستة من أبنائه منهم ابنه السلطان سليم الثاني.

 

ولدت عام 1502 في أوكرانيا لقسيس أرثوذوكسي وكانت تُدعى ألكساندرا، وفي عمر الخامسة عشر تقريباً تم اختطافها بواسطة بعض تتار القرم، ثم بيعت كجارية وانضمت لحريم السلطان سليمان الذي غير اسمها إلى’هُرِم‘ أي “الفتاة المرحة”.

 

وعُرِفت هُرِم بجمالها وذكائها؛ فتخطت شراكتها للسلطان سليمان الشراكة الزوجية لتصبح أيضاً شراكة سياسية، حيث كانت مُنصِحَته فيما يخص إدارة شؤون البلاد، كذلك لعبت دوراً هاماً على مستوى العلاقات الخارجية للدولة العثمانية، ويظهر ذلك في مراسلاتها مع ملك بولندا آنذاك، ولعل أكبر دليل على قوة نفوذ هُرِم أنها الوحيدة التي ُسمِح لها بمغادرة القصر القديم المخصص للحريم والانتقال للعيش بقصر توبكابي حيث مقر إقامة السلطان سليمان.

 

وعلى صعيدٍ آخر كان للسلطانة هُرِم نشاط خيري بارز، فقد أسست مشفى كبيراً للسيدات باسطنبول، كما افتتحت مطعماً خيرياً بالقدس وآخر بمكة لتقديم الطعام للفقراء والمحتاجين، هذا بخلاف مساجد ومدارس قرآنية أسستها كلها من مالها الخاص.

 

وتوفيت هُرِم عام 1558 بعد حياة حافلة بالمجد والحب والرعاية من جانب زوجها السلطان سليمان ودفنت في مقبرة مزينة بنقوش تصور حدائق الجنة في ساحة المسجد الذي يحمل اسم زوجها.

 

الملكة بُو أوك

 

3

 

ولدت عام 1659 واسمها الحقيقي هو جانج أوك جنج  Jang Ok Jeong .. عُدَّت واحدة من أجمل نساء مملكة جوسون الكورية، وعُرِفَت بمكرها وحبها للسلطة.

 

كان تعيينها وصيفة للملكة الأرملة جانج نيول Jangnyeol هو أولى خطواتها في الطريق إلى العرش؛ حيث رآها الملك سوك جونج Sukjong في إحدى زياراته إلى الملكة الأرملة وجعلها رفيقته المفضلة.

 

وفي عام 1688 أنجبت جانج للملك سوك جونج ابناً (لاحقاً الملك جيونج جونج Gyeongjong)، وفي سبيل تنصيبه ولياً للعهد قرر الملك نفي زوجته الملكة إنهيون Inhyeon والتخلص من معظم قيادات الحزب الغربي الذي تنتمي إليه زوجته، وفي المقابل أعطى جانج منصب الملكة وصاحب ذلك سطوع نجم الحزب الجنوبي الذي تنتمي إليه جانج.

 

لكن انقلبت الأحوال عام 1694 بعد إعجاب الملك بوصيفة أخرى تنتمي للحزب الغربي بالإضافة إلى استيائه من الأداء الضعيف للحزب الجنوبي في الحكومة، فدفعه كل ذلك إلى إزاحة جانج عن العرش واستدعاء الملكة إنهيون مرة أخرى كي تسترد منصبها كملكة.

 

ولم تكن تلك الضربة سوى بداية النهاية بالنسبة لجانج، فبعد فترة توفيت الملكة إنهيون بمرض مجهول، واتُهِمَت جانج بالتسبب في وفاة الملكة عن طريق ممارسة السحر الأسود، حيث يقال أنها أحضرت مشعوذة إلى غرفتها بالقصر وقاما بصب اللعنات على الملكة إنهيون حتى ماتت! وبناءً على ذلك تم إعدام جانج بالسم في نوفمبر عام 1701.

 

وقد مثلت شخصية جانج وسيرتها مادة خصبة للأعمال الأدبية والفنية الكورية؛ فتم تناول قصتها بأكثر من وجهة نظر في عدة أعمال سينمائية وتليفزيونية.

 

السلطانة شجر الدر

 

4

 

 

وهي الجارية المُقربة للسلطان الصالح نجم الدين أيوب –سلطان مصر- ثم زوجته الشرعية وأم ابنه الخليل .. اختلف المؤرخون في تحديد جنسيتها، لكنهم لم يختلفوا على جمالها وحنكتها السياسية، فقد شاركت شجر الدر زوجها السلطان الصالح رحلته للوصول إلى العرش، كما شاركته الحكم فكانت نائبته عندما يكون خارج مصر.

 

وتجلت عبقرية شجر الدر عندما استطاعت إبقاء خبر وفاة السلطان الصالح في أثناء الحملة الصليبية السابعة على مصر عام 1249 سراً عن الجيش والشعب، وأشرفت بنفسها على الخطة الحربية التي وضعت لصد الاعتداء الصليبي على مصر محققة انتصاراً مظفراً على الملك الفرنسي لويس التاسع قائد الحملة سنة 1250.

 

أهَّلها كل ذلك لتولي عرش مصر خلفاً للسلطان توران شاه -ابن زوجها- بعد مصرعه، لكن حكمها لم يستمر لأكثر من 80 يوماً بسبب رفض الخليفة العباسي لفكرة تولي امرأة العرش؛ فقررت شجر الدر الزواج من الأمير عز الدين أيبك والتنازل له عن العرش ظناً منها أنه ضعيف الشخصية وسيسمح لها بالسيطرة على مقاليد الحكم.

 

لكن أيبك أثبت مكراً وليس ضعفاً؛ حيث استطاع تحجيم نفوذ شجر الدر والانفراد بالسلطة كما خطط للزواج من ابنة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل؛ فكادت له شجر الدر وقتلته، غير أنها لم تسلم من مماليكه الذين ألقوا القبض عليها وسلموها لزوجة أيبك الأولى كي تتولى التخلص منها، وانتهت حياة السلطانة العظيمة شجر الدر بمقتلها في مايو من عام 1257.

 

الامبراطورة تسيشي

 

5

 

ولدت عام 1835 لموظف عادي بالامبراطورية الصينية، وانضمت في مراهقتها لحريم الامبراطور شيان فنغ الذي أنجبت له ولده الوحيد الامبراطور تونغ تشي.

 

 ورغم نجاحها في كسب ثقة زوجها الذي قام باستشارتها في الكثير من أمور الامبراطورية الصينية، إلا أنها عُدَّت السبب الرئيس وراء انهيار سلالة تشينغ الحاكمة وصعود الحركة الجمهورية بالصين؛ وذلك بسبب الأساليب الملتوية التي استخدمتها للسيطرة على العرش بعد وفاة زوجها والسياسة الفاسدة التي انتهجتها في أثناء حكمها للصين.

 

فعندما مات زوجها الامبراطور شيان فنغ عام 1861 تولى ابنه الامبراطور تونغ تشي العرش وهو لا يزال طفلاً، فعملت تسيشي على أن تكون هي الحاكمة الفعلية للبلاد والوحيدة المسيطرة على العرش، حتى أنها دأبت على شغل ابنها بعدما شب بالأفيون والنساء كي تستطيع الاستمرار في سيطرتها على الحكم متسببة في وفاته بمرض تناسلي عام 1875.

 

ولم يقف جشع تسيشي عند هذا الحد، فقامت بتوريث ابن أختها الطفل ذو الثلاث سنوات العرش خلفاً لابنها رغم عدم أحقيته لتستمر هي في إدارتها للبلاد من خلف الستار.

 

لكن تسيشي لم تحرص على مصالح بلدها قدر حرصها على العرش، فيذكر التاريخ أنها وقفت وراء خسارة الصين الحرب أمام اليابان (1895 – 1894) بسبب استغلالها للميزانية المخصصة للبحرية الصينية في تمويل بناء قصرها الصيفي الفخم!

 

وفي عام 1908 توفيت تسيشي بجلطة بعد فترة حكم امتدت لقرابة نصف قرن. وجدير بالذكر أن شخصية تسيشي القوية والشرسة – أحياناً – هي التي أبقت النظام الامبراطوري قائماً بالصين، حيث انهار هذا النظام بعد وفاتها بثلاث سنوات إثر قيام الثورة الصينية عام 1911.

 

وأخيراً من المؤكد أن كل هؤلاء النساء سواء من ماتت وهي على رأس السلطة أو من فقدت قيادتها لشعبها قد حفرن أساميهن في التاريخ بإثباتهن صلابة المرأة وقدرتها على تحقيق طموحها في الحكم والإدارة، ويكفي دليلاً على ذلك أننا حتى الآن نذكرهن ونكتب عن سيرتهن ويقرأ عنهن القراء.