أهم الأخبار العالمية : عربي و دولي - سياسة - فيديو - كتّاب

الأحد,26 يوليو, 2015

جدال حول اللغز المفسر لصعود “داعش”


الشاهد_إذا كنت تراقب رد الفعل الدولي تجاه تنظيم الدولة الإسلامية بشعور من الفزع في ظل هذا الجهد الضعيف، ثمة مقال جديد مثير للاهتمام يقدم تفسيرًا جديدًا عن سبب عدم نجاح تلك الحملة: المسؤولون في دول حلف الناتو أصابهم ذهول تام بسبب صعود هذا التنظيم.

جاء المقال بعنوان “لغز داعش”، ونُشر في صحيفة نيويورك ريفيو أوف بوكس، التي لم تذكر اسم المؤلف، وهو شخص صاحب “خبرة واسعة في الشرق الأوسط، وهو مسؤول سابق في إحدى دول حلف الناتو” ويستعرض مجموعة من الكتب الحديثة عن الدولة الإسلامية وصعودها إلى السلطة في العراق وسوريا.

الأطروحة المركزية في هذا المقال هي أنه في حين أنّ كل كتاب من تلك الكتب يحتوي على رؤية خاصة عن التنظيم، وتاريخه، والعمليات، لكنّ أيًا من النظريات المطروحة لتفسير صعود الدولة الإسلامية تقدم تفسيرات مقنعة عن كيف كانت هذه المجموعة قادرة على جمع ذلك القدر الكبير من القوة، بهذه السرعة.

وكتب المؤلف: “منذ انتصار الوندال في شمال إفريقيا الرومانية آنذاك، لم يبدو أي شيء مفاجئًا، وغير مفهوم، ويصعب تغييره مثل صعود داعش. وحتى الآن، لم ينتج أي من المحللين والجنود والدبلوماسيين وضباط المخابرات، والسياسيين، والصحفيين، تفسيرًا ثريًا بدرجة كافية -حتى في إدراكه المتأخر- يتوقع صعود هذا التنظيم“. ويعتقد المؤلف أنّ عدم القدرة على الفهم الكافي للمجموعة هو الذي عرقل الجهود الرامية إلى إلحاق الهزيمة بها.

في حين أنه من الصعب التكهن بشأن هوية المؤلف، إلّا أنها وثيقة صريحة بشكل ملحوظ تتحدث عن الفجوات الهائلة في معرفتنا عن تنظيم الدولة الإسلامية. زعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي، على سبيل المثال، هو مجموع من الشفرات بحد ذاته، سيرته الذاتية لا ترقى عن مستوى الشائعات. إذن؛ ثمة لغز حول كيفية تفوق تنظيم الدولة الإسلامية مقارنة بالجماعات المتطرفة الأخرى:

“في بعض الأحيان، تعزو الجماعات المتمردة الأخرى انهيارها وعدم نجاحها وصعود داعش، إلى نقص الموارد. الجيش السوري الحر، على سبيل المثال، لطالما أصر أنه يمكن أن يحل محل داعش إذا تلقى قادته المزيد من المال والسلاح من الدول الأجنبية.

ويقول قادة الصحوة السُنية في العراق إنّهم فقدوا السيطرة على مجتمعاتهم لأنّ الحكومة العراقية توقفت عن دفع رواتبهم. ولكن ليس هناك دليل على أن داعش تتلقى المزيد من الأموال أو الأسلحة أكثر من هذه الجماعات؛ بل العكس هو الصحيح“.

وفي الوقت نفسه، أنهى التنظيم عقودًا من التنظير حول حرب المتمردين -التي تعود إلى ماو ولورانس العرب- التي ترى بأنّ المقاتلين يجب أن ينسجموا بين السكّان المحليين وتجنب الاستيلاء على الأراضي، حيث يمكن ضربهم من قِبل القوة النارية الساحقة لعدوهم. ويقول المؤلف: “الدراسات العسكرية الأمريكية لأكثر من 40 حركة من حركات التمرد التاريخية ” التي ” تشير مرارًا وتكرارًا إلى أن الاستيلاء على الأرض، والقتال في المعارك المنظمة، وتنفير الحساسيات الثقافية والدينية للسكّان المحليين، كلها أمور كارثية “، وبالرغم من تبني تكتيكات تؤدي إلى الفشل، إلّا أنّ تنظيم الدولة الإسلامية هو أبعد ما يكون عن الهزيمة. وهذا لغز آخر.

ويذكر التقرير أنّ سردية حسن حسن ومايكل فايس توحي بأن الكثير من الدعم المبكر لتنظيم داعش كان محدودًا بسبب أن التنظيم مستوحى من المنظرين الذين يحتقرون الزرقاوي وأتباعه.

أموال تنظيم القاعدة التي أطلقت سراح الزرقاوي في عام 1999، على سبيل المثال، كانت “مبلغًا زهيدًا مقارنة بما كان يمكن أن ينفقه تنظيم القاعدة حينها“. وحقيقة أن التنظيم لم يعطه الكثير عكس رعب بن لادن من قتل الزرقاوي للشيعة.

على الرغم من أن الإيرانيين قدموا مساعدات طبية وملاذًا آمنًا للزرقاوي عندما كان هاربًا في عام 2002، لكنه سرعان ما فقد تعاطفهم من خلال إرسال والد زوجته بسترة ناسفة لقتل آية الله محمد باقر الحكيم، الممثل السياسي الإيراني البارز في العراق، وتفجير أحد المزارات الشيعية المقدسة.

وبالرغم من أن تنظيم داعش اعتمد لأكثر من عقد من الزمان على المهارات التقنية من البعثيين ومن الجنرال العراقي الصوفي عزت الدوري الذي سيطر على الميليشيا السرية لحزب البعث بعد سقوط صدام، إلّا أنّ تلك العلاقة توترت. (ولم تخفِ الحركة احتقارها للتصوف، وتدميرها للأضرحة الصوفية، واشمئزازها من كل ما يتبناه القوميون البعثيون والعلمانيون العرب).

وكذلك لم تكن قيادة داعش جذابة ولا رفيعة المستوى ولا حتى تتمتع بالكفاءة. في مقال بصحيفة “أتلانتيك” عام 2006، تصف ماري آن ويفر الزرقاوي بأنه “جاهل”، “فتوة وسفاح، ومروّج للخمور وسكّير، وتزعم أنه قوّاد.” يصفه فايس وحسن بأنّه “مثقف ضعيف.” وتقول جيسيكا ستيرن وجي. إم بيرغر في كتاب بعنوان “داعش: دولة الإرهاب “إنّ هذا السفاح الذي تحول إلى إرهابي”و”الطالب المتوسط المستوى وصل إلى أفغانستان بلا أي قيمة”، ويصف ويفر عملياته الفاشلة في الأردن، واستخدامه “لانتحارين عديمي الشأن، وتوضح ستيرن وبيرغر أن بن لادن وأتباعه لم يحبوه لأنهم “كانوا أعضاء في النخبة الفكرية المثقفة، في حين أن الزرقاوي كان جاهلًا بربريًا“.

إذا كان لدى الكتّاب القليل ليقولوه عن الزعيم الحالي لتنظيم داعش، أبو بكر البغدادي، فذلك لأنّ سيرته الذاتية، كما اعترف فايس وحسن “لا تزال تحوم فوق مستوى الشائعات والتكهنات، وبعضها مدفوعة من خلال الدعاة الجهاديين المتنافسين“.

لا يُعدّ نهج داعش المختلف عن التمرد -من الاستيلاء على الأرض إلى محاربة الجيوش النظامية- ميزة واضحة. نصح لورانس العرب أنّ المتمردين يجب أن يكونوا مثل الضباب -في كل مكان وليس في أي مكان- وألّا يحالوا الاستيلاء على الأرض أو إهدار الأرواح في معارك مع الجيوش النظامية.

وأصر الرئيس ماو أنّ مقاتلي العصابات يجب أن يكونوا مثل السمك الذي يسبح في بحر من السكّان المحليين. وجهات النظر هذه هي النتائج الطبيعية المنطقية “للحرب غير المتماثلة“، التي تواجه فيها الجماعات الضعيفة، مثل داعش، خصومًا أقوياء مثل الولايات المتحدة والقوات المسلحة العراقية.

ولكن مثل هذه الأساليب هي جزء من استراتيجية داعش الصريحة. فقد الزرقاوي الآلاف من المقاتلين في محاولة للاستيلاء على الفلوجة في عام 2004. وإهدار حياة الانتحاريين في هجمات صغيرة مستمرة من خلال فرض عقوبات أكثر وحشية وقواعد اجتماعية ظلامية، مما أغضب المجتمعات السُنية التي ادّعى تمثيلها.

يتم الآن اجتذاب مقاتلي داعش نظرًا لقدرة التنظيم على السيطرة على الأراضي في أماكن مثل الموصل، مثلما تؤكد مقابلة مع يلدا حكيم حول الفيلم الوثائقي الأخير بعنوان الموصل: التعايش مع الدولة الإسلامية. ولكن ليس من الواضح أن هذا التكتيك أصبح أقل مخاطرة على الرغم من أنه مغري واحتمالية نجاحه كبيرة.

ومع ذلك، لم يصبح سلوك التنظيم أقل تهورًا أو غريبًا من الناحية التكتيكية منذ مقتل الزرقاوي. أشار تقرير أمريكي كتبه لاري شويكارت أن 4 آلاف من المتمردين قد قُتلوا، وأصيب ما يقرب من 200 ألف آخرين، وتم اعتقال 20 آلف قبل أن تشنّ الولايات المتحدة هجماتها في عام 2006.

وبحلول يونيو عام 2010، ادّعى الجنرال راي أوديرنو أن 80% من كبار قادة التنظيم الاثنين والأربعين قد قُتلوا أو أُسروا، مع تبقي ثمانية فقط منهم. ولكن بعد أن غادرت الولايات المتحدة في عام 2011، وبدلًا من إعادة بناء شبكاتها في العراق، اختارت القلة المتبقية غزو سوريا، وأجهزت ليس فقط على النظام، ولكن الجيش السوري الحر أيضًا.

كما هاجم جبهة النصرة عندما انشقت عن التنظيم. وأثار غضب تنظيم القاعدة في عام 2014 بعد قتل مبعوث تنظيم القاعدة في المنطقة. وأثار عمدًا عشرات الآلاف من رجال الميليشيات الشيعية للانضمام إلى القتال إلى جانب النظام السوري، ومن ثم مواجهة تقدم قوة فيلق القدس الإيراني نحو بغداد.

لذلك؛ ركّز بعض المحللين تفسيراتهم ليس على الاستراتيجية العسكرية عبر هزيمة الذات، ولكن على الحكم، والإيرادات، والدعم من السكّان، واعتماده على عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب. أيمن جواد التميمي، وهو زميل في منتدى الشرق الأوسط، أوضح في بعض من منشوراته الأخيرة كيف أنّه في بعض المدن المحتلة مثل الرقة في سوريا، أنشأ التنظيم هياكل خدمة مدنية معقدة، وسيطر على إدارات النفايات المحلية.

ويصف الإيرادات التي تُستمد من الضرائب والدخل المحلي وتأجير مكاتب الدولة العراقية والسورية السابقة للشركات. كما أوضح كيف أعطى كل ذلك داعش قاعدة دخل واسعة ويمكن الاعتماد عليها، والتي تستكمل فقط من خلال تهريب النفط وسرقة التحف الأثرية القديمة.

ما ساعد على تعزيز قوة داعش هي ترسانة الأسلحة المذهلة التي استولى عليها التنظيم من الفارين من الجيش العراقي والسوري، والتي اشتملت على الدبابات ومركبات الهمفي، وقطع من المدفعية الأساسية. وقد أظهرت التقارير الواردة من صحيفة نيويورك تايمز، وصحيفة وول ستريت جورنال، ووكالة رويترز، وصحيفة فايس على مدى الاثني عشر شهرًا الماضية أنّ الكثير من السُنة في العراق وسوريا يشعرون الآن بأن داعش هو الضامن الوحيد للنظام والأمن في الحرب الأهلية، وخط الدفاع الوحيد ضد الانتقام الوحشي من حكومات دمشق وبغداد.

في النهاية، قبل عام، يبدو أنه من المعقول أن نعزي صعود التنظيم إلى الحكومة الكارثية لرئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي في العراق.

لكنّ هذا لم يعد منطقيًا. في العام الماضي، تم تعيين حيدر العبادي، رئيسًا للوزراء في العراق، وتمت إعادة هيكلة الجيش العراقي في عهد وزير دفاع جديد من السُنة، وتمت إقالة الجنرالات السابقين، وتنافست الحكومات الأجنبية لتوفير المعدات والتدريب.

وقد ظهر ما يقرب من ثلاثة آلاف من المستشارين والمدربين الأمريكان في العراق. كما تم تقديم الغارات الجوية الهائلة والمراقبة المفصلة من الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وغيرهما. كما انضم فيلق القدس الإيراني ودول الخليج، والبيشمركة الكردية إلى المعركة على الأرض.

لكل هذه الأسباب كان من المتوقع أن يتراجع التنظيم ويفقد سيطرته على الموصل في عام 2015. وبدلًا من ذلك، وفي مايو من نفس العام، استولى داعش على تدمر في سوريا وفي الوقت نفسه على الرمادي التي تبعُد ثلاث مئة ميل في العراق. في الرمادي، قاتل 300 مقاتل من داعش ضد الآلاف من الجنود العراقيين المدربين والمجهزين بالسلاح. ولاحظ وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر:

“القوات العراقية لم تُظهر أي نية للقتال. لم تكن قوات داعش تفوقهم في العدد. في الواقع، كانت القوات العراقية هي تفوق قوات المعارضة في العدد، ولكنهم فشلوا في القتال“.

أوضح دليل على أننا لا نفهم هذه الظاهرة هو عدم قدرتنا على التنبؤ بهذه التطورات. من توقع أن الزرقاوي سوف يزداد قوة بعد تدمير الولايات المتحدة لمعسكراته التدريبية في عام 2001؟ بيدا أنه من غير المرجح للجميع تقريبًا أن التنظيم سوف يعيد تنظيم نفسه بسرعة بعد موته في عام 2006، أو مرة أخرى بعد الصعود الكبير في عام 2007. نحن نعرف الآن الكثير من الحقائق عن التنظيم وأعضائه، ولكن هذا لم يمنع معظم المحللين من الاعتقاد في الآونة الأخيرة بأن الهزائم في كوباني وتكريت قلبت الموازين ضد التنظيم، وأنه من غير المرجح أن يستولي على الرمادي. نحن نفتقد شيئًا ما.

جزء من المشكلة قد يكون أنّ الخبراء لا زالوا يفضلون التركيز على التفسيرات السياسية والمالية والمادية، مثل التمييز ضد السُنة، والفساد، وانعدام الخدمات الحكومية في الأراضي التي استولى عليها التنظيم، واستخدام العنف. ولذا؛ نادرًا ما يضطر الجمهور الغربي إلى التركيز على الجاذبية الأيديولوجية المحيرة لتنظيم داعش.

لقد فوجئتُ عندما رأيت أنه حتى المعارض السوري لداعش يتأثر بشكل عميق من شريط فيديو يظهر كيف دمر داعش “حدود سايكس بيكو” بين العراق وسوريا، التي أُنشئت منذ عام 1916، وكيف استمر في توحيد القبائل المقسمة.

كنتُ مذهولًا بالإدانة الصادرة من أحمد الطيب، الإمام الأكبر للأزهر بأنّ: “هذه الجماعة الشيطانية، ينبغي أن تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو أن يصلبوا“، لقد ذُهلتُ حقيقة من رثاء بن لادن للزرقاوي، وهو يقول أنّ قصته: “سوف تعيش إلى الأبد مع قصص النبلاء…. ولأن أصبنا بفارس من أعظم فرساننا وأمير من خيرة أمرائنا فقد سرنا أننا وجدنا فيه رمزًا وقدوةً خالدةً لأجيال أمتنا الماجدة“.

ولكن “أيديولوجية” داعش هي الأخرى ليست تفسيرًا كافيًا. لقد فهم تنظيم القاعدة أفضل من أي كيان آخر المزيج الغريب من الآيات القرآنية، والقومية العربية، والتاريخ الصليبي، والإشارة الشعرية، والعاطفة، والرعب الذي يمكنه تحريك ودعم هذه الحركات.

ولكن حتى قاداته يعتقدون أن نهج الزرقاوي كان غير منطقي، وغير مناسب ثقافيًا، وغير جذاب أيضًا. في عام 2005، على سبيل المثال، أرسل قادة القاعدة بعض الرسائل لتقديم المشورة للزرقاوي لوقف نشر الرعب. واستخدموا لغة استراتيجية حديثة، “ أكثرمن نصف هذه المعركة يدور في ساحات الإعلام” و قالوا له إنّ “الدرس” المستفاد من أفغانستان هو أن طالبان ضاعت لأنها كانت تعتمد، مثل الزرقاوي، على قاعدة طائفية ضيقة للغاية.

ولم يكن قادة تنظيم القاعدة الجهاديين السلفيين الوحيدين الذي يفترضون أن أنصارهم الأساسيين فضلوا التعاليم الدينية الجادة عن نشر مقاطع الفيديو الخاصة بجرائم التنظيم المجنونة (تمامًا مثلما ذكر الطيب أنه لا توجد حركة إسلامية تحرق طيار عربي سُني على قيد الحياة في قفص).

الكثير من الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش تتعارض مع البديهيات والمبادئ الأخلاقية للعديد من مؤيديه. ونشعر من خلال ما ذكره حسن حسن ومايكل فايس أنّ مؤيدي داعش يدركون، على الأقل جزئيًا، لهذا التناقض. مرة أخرى، يمكننا حصر الجماعات الخارجية المختلفة التي قدمت التمويل والدعم لداعش، ولكن لا توجد علاقة منطقية متعلقة بالأيديولوجيا والهوية، أو حتى المصالح تربط بين إيران وطالبان، والبعثيين ببعضهم البعض أو بتنظيم داعش.

وبدلًا من ذلك، تشير كل حالة أن المؤسسات التي تنقسم بشكل صارخ في اللاهوت والسياسة، والثقافة ترتجل على الدوام شراكات قاتلة ومدمرة لذاتها.

المفكرون، وخبراء التكتيك الحربي، والجنود، وقادة التنظيم الذي نعرفه باسم داعش ليسوا بالاستراتيجيين الأعظم في التاريخ. وغالبًا ما تكون سياساتهم عشوائية، ومتهورة، بل ومنافية للعقل.

وبغض النظر عما إذا كانت حكومتهم ماهرة، كما يجادل البعض، أو بائسة كما يعني الآخرون، فإنه لا تحقق أي نمو اقتصادي حقيقي أو عدالة اجتماعية مستدامة. النظام اللاهوتي والمبادئ والأخلاق عند قادة داعش ليست قوية ولا يمكن الدفاع عنها. ولذا؛ فمن السهل أن تعصف أدواتنا التحليلية بقاعدتهم الأساسية.

التقارير المنشورة حول نمط حُكم التنظيم مليئة بالتناقضات. بعضها تعتبره منظمة تعمل بشكل جيد وتجمع بين الكفاءة البيروقراطية والخبرة العسكرية مع استخدام تكنولوجيا معلومات متطورة. وتشير تقارير أخرى إلى أن الدولة الإسلامية غير قادرة على الحكم. ما هي الحُجة الصحيحة؟ هذا أيضًا لغز آخر.

لكنّ الأجزاء الأخرى من المقال تشير إلى محاولة فهم مدى جاذبية العنف المتطرف والفساد للمجندين الجدد في التنظيم. لقد انضم مقاتلين أجانب من مختلف أنحاء العالم إلى داعش، من النرويج، مصر، تونس، فرنسا، اليمن، وكندا.

سواء في الديمقراطيات الاجتماعية الغنية أو الديكتاتوريات الفقيرة، تمكنت الدولة الإسلامية من العثور على مجندين جدد، مما أدى بالمؤلف إلى التشكك في نظريات “الإقصاء الاجتماعي والفقر وعدم المساواة أو” التي تدفع الناس للانضمام إلى التنظيم.

هنا، يبدو أنّ المؤلف لا يريد فهم سبب الجاذبية العدمية العنيفة، كما لو أنه كان يخشى مما قد يكتشفه. كتب المؤلف: “كثيرًا ما أميل إلى القول بأننا ببساطة بحاجة ماسة إلى معلومات أكثر وأفضل. ليس من الواضح ما إذا كانت ثقافتنا يمكن أن تطور المعرفة الكافية والدقة، والخيال، والتواضع لفهم ظاهرة داعش“.

لكنّ الإقصاء الاجتماعي، والفقر، وعدم المساواة هي إشكاليات موجودة في كل من النرويج ومصر، وإن كانت بأعداد مختلفة. وفقًا لأنصار نظرية التجنيد الجهادي، فإنّ ظاهرة المقاتلين الأجانب تتجاوز الحدود بسبب تلك الظروف كذلك. حتى لو أن فهمنا لظاهرة تجنيد المقاتلين الأجانب ليس كاملًا، ما نعرفه يعطينا فكرة عن كيف وصلنا إلى هذه المرحلة في التاريخ.

في الوقت نفسه، هذا هو السبب في أن هذ المقال يُعدّ أحد أفضل التي قد كُتبت مؤخرًا عن تنظيم الدولة الإسلامية: إنه يواجه بصدق محدودية معرفتنا بهذا التنظيم. ومن خلال توثيق ما نعرفه وما لا نعرفه بطريقة شاملة إلى حد ما، يشير المقال إلى نقاط الضعف في الاستجابة الدولية الكامنة في الفشل في فهم كيفية تصرف المجموعة في سياق السياسة المحلية، وكيف أنّ أفعالها دحضت الحكمة التقليدية القائلة بحرب العصابات.

بهذه الطريقة، إذن، ما تم طرحه باعتباره لغز ليس لغزًا؛ بل ربما يكون الوسيلة القادمة من تحقيق يجب اتباعه من قِبل المسؤولين والمحللين.

فورين بوليسي