مقالات مختارة

الجمعة,19 يونيو, 2015
ثورة يناير: الإعدام شنقا!

الشاهد_لم يكن المستشار “شعبان الشامي”، بحاجة لبذل الجهد الجهيد، لتضخيم كلمة “شنقا”، لحظة خروجها من “عتبة فمه”، ومع ذلك فعل، مع أنها مفردة “ضخمة”، وإن خرجت محشورة، من معدة مثقلة، ليس فيها مكان لنفس أو لكلمة!

علميا، فإن من المستقر عليه، أن الرجل يتكلم من بطنه، في حين أن المرأة يخرج الكلام من حنجرتها، وذلك حتى لا يكون الكلام بالنسبة لها في فترات الحمل، أمرا رهقا. وعندما قرأت هذه النظرية العلمية قبل سنوات، كتبت أن الوحيدة التي تمثل الاستثناء في ذلك هي “منى الشاذلي”، التي تبذل جهدا خارقا عندما تتكلم، فتخرج الكلمة من فمها مرهقة، لحرصها على تناول طعامها قبل الظهور على الهواء مباشرة!.

“شنقا” مفردة ضخمة، وزاد من ضخامتها حرص القاضي رئيس المحكمة على أن تكون كذلك، فجاءت متجاوزة لأشخاص المتهمين لتستهدف “ثورة يناير”، وبدا لي أن الحكم بـ “الإعدام شنقا” قد صدر في مواجهة هذه الثورة، التي يحرص قائد الانقلاب على أن يتخلص منها ومن كل مكوناتها، ويتعامل معها على أنها فعل مجرّم، بعد الدعاية التي راجت عن “الجيش الذي حمى الثورة”!

الجيوش لا تحمي الثورات، فهي تقود انقلابات، وتدافع عن أنظمة القمع والاستبداد، فهذه هي وظيفتها، وما عدا ذلك هو الاستثناء، وفي التاريخ المعاصر فإن المرة الوحيدة التي تدخل فيها الجيش ليحمي ثورة شعبية، كانت في السودان، عندما انحاز القائد العسكري “سوار الذهب” لثورة الشعب السوداني في مواجهة الرئيس جعفر النميري، وقد انتهى المطاف بهذا القائد، ليكون أحد الرعاة لانقلاب عسكري حدث بعد ذلك ولا يزال الحكم بقبضته إلى الآن!

لم يكن الإعدام شنقا لثورة يناير، لأن الحكم بالإعدام قد صدر ضد فصيل كان له قدم صدق في هذه الثورة وشارك فيها منذ يومها الأول، وحماها عندما التقى الجمعان في موقعة الجمل، ولا لأن الرئيس محمد مرسي هو ثمرة هذه الثورة، عندما تم الاحتكام للشعب المصري ليكون صاحب العصمة، فالحكم جاء ليوحي بأن هذه الثورة هي عمل فوضوي، استهدف تقويض الدولة المصرية.

لقد لفت انتباهي في قضية التخابر، والقاضي شعبان يتلو علينا تقرير المفتي الذي ردد ما جاء في الدعوى، من أن الحرس الثوري الإيراني، قد شارك الجناة، بقيادة الرئيس محمد مرسي في إسقاط النظام، وتعطيل العمل بالدستور!

ولنا أن نعلم أن قضية التخابر، كانت وقائعها عن أمور جرت والدكتور محمد مرسي في الحكم، وليس عن وقائع تالية بعد الانقلاب العسكري في 3 يوليو، والمعنى أن إسقاط النظام لا يعني إسقاط حكم عبد الفتاح السيسي وتابعه إياه، أو تعطيل دستور سنة 2014، فوقائع القضية سابقة على ذلك، وليس لنا والحال كذلك إلا أن نفك الطلاسم ونضع النقاط فوق الحروف.. فلا نجد أمامنا سوى خيارين:

الأول: أن يكون الرئيس محمد مرسي ومن معه، بمن فيهم “عناصر الحرس الثوري الإيراني” قد حاولوا “إسقاط النظام”، نظام الرئيس محمد مرسي، وتعطيل الدستور، أي الدستور الذي وضعته لجنة المائة وتم استفتاء الشعب عليه في سنة 2013، وهو الدستور الشهير بدستور مرسي. وهو أمر لو صح لكان من الطبيعي أن يكون من بين المتهمين عبد الفتاح السيسي، لأنه هو الذي أسقط هذا النظام وعطل العمل بالدستور في بيانه الشهير في 3 يوليو، الذي كتبه محمد حسنين هيكل باعتراف كليمه “عبد الله السناوي”!

الثاني: ولعدم منطقية الخيار الأول، فليس أمامنا إلا أن نسلم بأن “عناصر الحرس الثوري الإيراني”، قد ورد أمرهم في قضية التخابر على سبيل الخطأ، وأنهم متهمون في قضية اقتحام السجون، وهي القضية التي جرت وقائعها إبان ثورة يناير، ومن هنا فإن من المنطقي أن يكون الاتهام بمحاولة “قلب نظام الحكم”، والعمل على “تعطيل الدستور”، المستهدف به إدانة ثورة يناير التي كان شعارها “الشعب يريد إسقاط النظام”، أي نظام مبارك، ومن هنا يكون الاتهام بتعطيل الدستور المقصود به هو دستور مبارك!

وقد كان السياق العام للحيثيات، يدور حول أن “ثورة يناير”، فعل مجرم ومؤثم قانونا، وهذا أمر طبيعي عندما تفشل الثورات، فالثورة هي في الأصل والفصل عمل ضد القانون، وهي عندما تنتصر فإنها تحكم بقانونها، وعندما تحتكم للقاضي الطبيعي والقوانين المعمول بها، يحصل قادة الحكم السابق على البراءة، كما حصل عليها مبارك ونجلاه وسدنة عرشه!

الثورات المنتصرة تحكم بمقتضى الشرعية الثورية، وإن كانت محاكمة الرئيس محمد مرسي والذين معه وفي معرض إثبات شرعية محاكمته بوصفه “رئيسا سابقا”، فإن المحكمة قد استدعت الشرعية الثورية وعلى غير طبيعة المحاكم القانونية، لتؤكد اختصاصها بأن تحاكم الرئيس، الذي يرتب الدستور إجراءات أخرى لمحاكمته، لكن القاضي الشامي حكم باعتبار ما جرى في 3 يوليو ثورة شعبية، ومن ثم غطى النقص في الشرعية الدستورية، بالاحتماء بشرعية ثورية ليس لمثله أن يحكم بها، وإلا فإنه يكون قد خرج على مقتضى الواجب الوظيفي، وهو أمر لو كان مقبولا، لما كان هناك عذر للمحاكم التي قضت ببراءة مبارك وعصابته.

اللافت أن ذات القاضي قد برأ مبارك في قضية أخرى ضمن سلسلة البراءات التي حصل عليها، وكان القول دائما أن القضاء لا يلام، لأنه يحكم بالشرعية الدستورية وليس بالشرعية الثورية، وكان على الثورة شأن الثورات كلها أن تنشئ قضاءها الثوري الخاص.

ولنا أن نعلم أن إحدى دوائر المحاكم الابتدائية، قد تحمست بعد تنحي حسني مبارك، وأصدرت حكمها برفع اسمه من محطة المترو المسماة به، لكن المحكمة الأعلى رأت أن المحكمة الأدنى خالفت القانون، فلا يوجد نص قانوني اعتمدته في حكمها برفع اسم “الرئيس السابق” ومن ثم ألغت الحكم، ولم يغضب الثوار لهذا، لأننا كنا نعلم أن المحاكم ملتزمة بالنصوص القانونية وليس لها أن تحكم بمقتضى الشرعية الثورية.

وأذكر أنني حمّلت المجلس العسكري “الحاكم”، السبب في ما جرى، فقد كان الأمر يستدعي قرارا سياسيا بإزالة اسم مبارك، لكن العسكر لم يكونوا ضد قائدهم “المخلوع”، ولم يكونوا مع الثورة، على عكس الدعاية التي تم الترويج لها على نطاق واسع، فصارت عبارة “الجيش الذي حمى الثورة” بديهية لا تقبل النقاش، ومن كثافة الدعاية فقد استقر في وجداننا أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة كان ضد توريث الحكم لجمال مبارك، مع أنه لا توجد رواية ولو بسند ضعيف تشير إلى أن المشير محمد حسين طنطاوي، كان يكلم نفسه ذات يوم، وهو في “التواليت”، فقال إن التوريث مرفوض!

الحكم الثاني، والأخير، الذي استند للشرعية الثورية وخالف القوانين المعمول بها، هو حكم محكمة الأحزاب، بحل الحزب الوطني “الحاكم”، مع أن اختصاص هذه المحكمة ورد في القانون على سبيل الحصر، وليس من بين هذا الاختصاص هذا الإجراء الذي اتخذته.

ودائما كان التعليق على البراءات التي حصل عليها نظام مبارك من القضاء، على أنها أمر طبيعي فالقضاء الطبيعي لا يحكم بالشرعية الثورية، لكن في قضيتي التخابر واقتحام السجون، كانت الشرعية الثورية حاضرة، وكانت وجهة النظر السياسية للقاضي شعبان الشامي، نصوصل قانونية، ولو تم مد الحبل على آخره، لكان رفض الانقلاب العسكري جريمة يعاقب عليها القانون.. قانون القاضي المذكور!

ومن هنا، وما دام من الجائز للمحاكم اعتماد الشرعية الثورية في أحكامها، فإن براءة مبارك تعني أن ثورة يناير عمل استهدف الفوضى، ويصبح كل من هتف بإسقاط النظام، أو شارك في الثورة قد أتى فعلا مجرّما ينبغي أن يحاكم عليه، فيسجن أو تحال أوراقه لفضيلة المفتى ليكون الحكم هو: “الإعدام شنقا”، بتغليظ “شنقا” بما يسمح به حجم من يصدر الحكم، ويراعي عند اختياره أن يكون في ضخامة جسم تسمح له لأن يكون أهلا لتغليظ “شنقا”!

لقد أعادت “30 يونيو” المجيدة، نظام مبارك، في حلة جديدة، وإذا كان “المخلوع” قد فشل في توريث ابنه من صلبه الحكم، فقد ورثه لابنه بالتبني “عبد الفتاح السيسي”، فيصبح من الطبيعي أن تكون “محاولة قلب نظام الحكم” و”تعطيل العمل بالدستور” أعمالا مجرّمة.

إنه السيسي الذي لم يحم الثورة كما قلتم، ولكنه حمى نظام مبارك من السقوط كما قلت أنا!

سليم عزوز