تحاليل سياسية

الأربعاء,30 سبتمبر, 2015
ثلاث قرارات مصيريّة أنقذت التجربة التونسيّة

الشاهد_بعد نحو خمس سنوات على الثورات العربيّة فروقات كبيرة و هامش أوسع من التحليل و معطيات أكبر و أدقّ للنقد و القراءة في تجارب تباينت حدّ التناقض من تونس إلى مصر و ليبيا و اليمن و سوريا، و الملاحظة الأبرز و ليست إستنتاجا لأنها واقع ملموس أن ثمّة مسألة ما على غاية من الأهميّة وقعت في تونس جعلت تجربتها هي الأكثر نجاحا في الوصول إلى برّ الأمان.

من باب المنطق و الواقع لا يمكن أن نقارن بين واقع الأحداث التي تلت ثورات الشعوب العربيّة لا فقط لإختلاف النتائج بل لإختلاف وسائل الثورة و التعاطي معها مباشرة بعد إسقاط رموز الحكم المتسلّطة لإختلاف المفاعيل الرئيسية في المشهد أولا و الفاعلين السياسيين و المدنيين ثانيا و هذا ربّما كان السمة الأبرز للتجربة التونسيّة التي كانت التعدديّة و التشاركيّة في التسيير الديمقراطي صفتها المميّزة.

بالعودة إلى مسارات ما بعد الثورات يمكن القول أنه ثمّة ثلاث قرارات مصيريّة قد جعلت التجربة التونسيّة أحسن حالا من غيرها يتمثّل الأوّل في مخرجات نتائج صناديق 23 أكتوبر 2011 التي أفرزت ترويكا حاكمة من حزب إسلامي و حزبين علمانيين و قد كانت الأغلبية التي تحصلت عليها حركة النهضة تمكنها من خوض مغامرة الحكم لوحدها لكنّها أبت فكان هذا إستثناء لم تنحى على نحوه التيارات التي فازت بالأغلبية في الإنتخابات الأولى بعد الثورة في مصر و ليبيا مثلا.

ثانيا، عندما إشتدّت الأزمة بسبب التجاذبات و التطاحن الإيديولوجي السياسي في سنة 2013 و تنامي خطابات الحقد المنادية علنا بخيار العنف ضدّ الترويكا التي لا تعكس في الواقع الأحجام الشعبيّة و الإنتخابية أين كان متاحا لمن نزلوا للشارع مساندين “للشرعيّة” أن “يغزوا” ساحة باردو و إعتصام “الروز بالفاكهة” حتّى عدديا، لكن زعيم حركة النهضة راشد الغنّوشي إمتص الصدمة و حوّلها إلى مطلب للحوار و المصالحة و قد كان القرار حكيما جنّب البلاد لحظة الفوضى صدام الشارع الذي لا يخدم سوى الدفع بها في نفق اللاّدولة.

ثالثا، خيار الإمضاء على خارطة طريق الحوار الوطني التي مثلت تحوّلا جوهريّا في المشهد السياسي بدخول مطلب التوافق حيّز القبول و السند لا بصفته ملبّيا لطموحات الجميع بل بإعتباره ضرورة سياسيّة فرضتها المرحلة لحماية مسار تأسيسي مهدّد و لحماية تجربة يترصّد بها كثيرون حينها، و هذا الخيار في الواقع هو الذي أفضى في النهاية إلى تنظيم إنتخابات و إلى تداول سلمي على السلطة فيما بعد إنتهى إلى توافق آخر بأوسع سند سياسي في سدّة الحكم حاليّا.

ثلاث قرارات مصيريّة غيّرت مسارا كاملا كان أغلب من يتابعون المشهد السياسي في تونس لا يصدّقونها من قبل و لا حتّى جزء من المعنيين بهذه الخيارات أنفسهم و الواقع الملموس أنها عمق الفروق بين تونس و بقيّة تجارب الشعوب التي ثارت ضدّ نظم الفساد و الإستبداد.

مجول بن علي



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.