كتّاب

الإثنين,11 أبريل, 2016
ثلاث عائلات سياسية وثلاث إعاقات كبرى لهذا فشل اليسار الى حد الآن..

محمد الحمروني

علينا أن نقرّ، أن هناك أزمة سياسية في بلادنا، ولكنّا قد نختلف في توصيف أسبابها وعلل وجودها.. وعندما نتحدث عن أزمة، فليس المقصود بها الظاهر من الأمر، وهي الخلافات التي تلتهب حينا وتخبو أحيانا أخرى، نحن نتحدث عن أزمة أعمق من مجرد الخلاف حول الحكومة وأدائها، مثلما هي أعمق من مجرد المزايدات التي تَرفَعُ بين الحين والآخر شعار التهميش والبطالة وتحقيق أهداف الثورة..

ما أراه أن هذه الخلافات ما هي إلا مظاهر لأزمة عميقة وانعكاسات لما يُعاني منه المنتظم السياسي من علل، وتتمثل هذه الأزمة في إعاقات ثلاث شلّت إلى حد كبير فاعلية العائلات السياسية الكبرى في بلادنا بدءا بالإسلاميين فالدساترة وانتهاء باليساريين. العائلات السياسية الكبرى الثلاث، تعاني اعطابا بعضها كان ملتبسا بظروف النشاة والتطور، وبعضها الاخر نتيجة التجربة السياسية المريرة، ما جعل بعضها يستند على البعض الآخر في محاولة لتجاوز الإعاقة التي تكبّله..

الإسلاميون الذين قضوا جزءا كبيرا من تاريخهم يتنقلون ما بين سجون ومناف، وكانوا في السنوات الثلاثين الأخيرة على الأقل، عنوانا للمعارضة الراديكالية ضد النظام سواء، زمن بورقيبة أو في فترة حكم المخلوع، وجدوا انفسهم بعد أن فازوا في انتخابات 2012، وجها لوجه مع الإدارة بكل مستوياتها، وفي مواجهة استحقاقات الحكم، وتبيّنوا أنهم غرباء عن الإدارة، وعن الدولة، وكان ذلك واحدا من الأسباب التي يمكن أن تفسّر عدم توفّقهم في إدارة تجربة الحكم بالطريقة التي كانوا هم أنفسهم يحلمون بها. اليساريون من جانبهم، وبعد أن وضعت الثورة أوزارها أو كادت، وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع استحقاقات انتخابية فشلوا خلالها في تحقيق ما كان يتوقّعون من نتائج.. ولعلّهم صدموا بضعف شعبيّتهم وبالهوّة السحيقة التي تفصلهم عن الغالبية العظمى من التونسيين. صحيح أّنّ لليسار نفوذا كبيرا في مؤسسات المجتمع المدني وفي النقابات ووسائل الإعلام..

إضافة إلى السند الخارجي القويّ، ممثلا أساسا في منظمات المجتمع المدني الغربية والفرنسية تحديدا، وعلى رأسها المنظمات الحقوقية. ولكن ذلك لم يشفع له، وخرج من تلك الانتخابات بنسبة ضعيفة للغاية، لا تتوافق كما يرى مناضلوه مع الدور الكبير الذي يلعبه اليسار في الحياة السياسية. الدساترة، هم ايضا وجدوا أنفسهم بعد الثورة، شبه مطاردين، ومتهمين بقيادة البلاد إلى الإفلاس، وحُمّلوا أوزار نحو 60 سنة من الحكم، بما فيها من مظالم سياسية، وحيف اجتماعي، وتفقير وجهل ومحسوبية وجهويات مقيتة. وعاشوا وإن بشكل مصغّر جدا نفس الصعوبات الّتي عاشها الإسلاميون، فعرفت بعض قياداتهم السجن، وباتوا عنوانا للنظام القديم بفساده وطغيانه، وهم إلى اليوم رمز لدى الكثيرين لكل ما يقابل الثورة.. أي ثورة مضادة.

إذن فالعائلات السياسية الثلاث تعاني من إعاقات كبيرة، الإسلاميون يعانون من إعاقة التطبيع مع الدولة، واليسار التطبيع مع المجتمع والدساترة التطبيع مع الثورة. ولتجاوز هذه الإعاقات حاول كل طرف أن يستند إلى خصومه إمّا للاستقواء أو لكسب شرعية ما أو لتجاوز الإعاقة التي يعانيها. فالدساترة، وبهدف التطبيع مع الثورة، تحالفوا بعد انتخابات 2012 مع اليسار وباقي المكونات التي أعلنت الحرب على الترويكا.. والإسلاميون لتجاوز عقبة التطبيع مع الدولة كانوا مضطرّين إلى الدخول في نوع من الشراكة في الحكم مع الحزب الذي يمثل التعبيرة الأبرز عن النظام القديم بمفهومه الواسع الذي يمتد على 60 سنة من دولة الاستقلال..

وظل اليسار حائرا يتخبط، ولم يجد السبل الأنجع للتطبيع مع المجتمع، ورغم أنه رفع شعارات اجتماعية المفروض أن تقرّبه من البسطاء و”الزواولة” وقفة خالتي مباركة، ورغم أن الحزب الأبرز في اليسار (حزب العمال) غيّر اسمه حتى يتخفف من صفة “الشيوعي” التي عادة ما ترتبط في أفهام التونسيين وعامة الناس بالإلحاد بل وبالكفر..

رغم ذلك ظلت هذه الصفات تلاحقه، ولم يستطع منها فكاكا، فما رسخ من أفكار لدى الرأي العام يتحوّل إلى ما يشبه الحقائق البديهية أو المبادئ الأولية الحَدْسية، التي تعتبر صحيحة بالبديهة، ولا تتطلب لأثبات صدقيتها النقاش أو البرهنة..

في المقابل نجح الإسلاميون في التطبيع نسبيا مع الدولة من خلال جملة التنازلات التي قدّموها، سواء السياسية منها أو التشريعية، أو من خلال المراجعات الكبرى التي قاموا بها وخاصة تلك المتعلقة بتاريخ الدولة الوطنية ورموزها، ونخص بالذكر منها الموقف من بورقيبة..

فالتطبيع مع الدولة يبدو مستحيلا، إن أصرّت النهضة على مواقفها الحدية من تاريخ هذه الدولة ورموزها. بينما نجح الدساترة، هم أيضا في إدراك أهمية أن يتصالحوا مع الثورة، سواء من خلال خطابهم الذي لم يتحول إلى خطاب معاد للثورة حتى بعد انتخابات 2014، أو من خلال حرصهم، كلهم او جزء منهم، على إنجاح التجربة التونسية في الانتقال الديمقراطي وهي أهم مخرجات الثورة على الإطلاق، وخاصة من خلال رفضهم لكل المغريات التي عرضت عليهم من أجل الانقلاب على المسار الانتقالي والعودة إلى بالبلاد إلى أجواء القمع والاستبداد. ..

الأكيد أنّ ظروفا حكمت كل طرف، وفرضت عليه تعديل مواقفه، كتلك التي دفعت بالإسلاميين إلى مراجعة موقفهم من الدولة ورموزها، أو التي دفعت بالدساترة إلى عدم الانجرار وراء بعض المقامرين سياسيا وبعض الأجندات الإقليمية التي اشتغلت وتشتغل على الإرباك والفوضى، فهذه المواقف والمراجعات ليست فكرية بحتة، بل هي نتاج معاركة ومعاجنة كل طرف للواقع الذي يعيشه وهو واقع يفرض من الإكراهات ويؤثر على السياسيين أكثر مما يمكن للسياسيين أن يؤثروا فيه..

بقيت معضلة اليسار، ولذلك ظل يتخبط، فلا هو بقادر على التنازل والدخول في توافقات مع بقية الشركاء بما يمكن أن يساعده على تجاوز الإعاقة البنيوية في فكره وسياسته التي تجعله في قطيعة مع المجتمع.. ولا هو قادر على مراجعة مواقفه العدائية بشكل مقيت لكل ما هو إسلامي حزبا كان أو فكرا أو ممارسة شعائرية، مما يزيد في تنفير الناس من حوله ويعمق قطيعته مع مجتمعه..

فلا يجد لذلك حلا غير الإمعان والإصرار على تلك المواقف والأفكار، والإمعان في استفزاز مشاعر التونسيين، وكلما امعن في الافتزاز ازدادت غربته في بيئته، وكلما ازداد غربة ازدادا ارتباطا واعتمادا على الاجندات الخارجية، وتلك حلقة مفرغة، لعلّها أبرز إعاقة يعاني منها اليسار في بلادنا. الحياة السياسية في بلادنا لن تستقر ما لم تتجاوز العائلات الثلاث إعاقتها المستديمة، بأن يتصالح الإسلاميون مع الدولة والدساترة مع الثورة واليساريون مع المجتمع.

 

 



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.