علوم و تكنولوجيا

الجمعة,7 أغسطس, 2015
«تويتر» خط المواجهة..وبقية المواقع معسكرات تجنيد رقمية

الشاهد_هناك أكثر من مائة تعريف للإرهاب بحسب باحثين متخصصين وهو يعكس تعقيد الظاهرة وخطورتها أكثر من صعوبة تحديد ملامحها، لكن الظاهرة تتلخص في كل عمل عنيف غير مشروع يهدف إلى بث الرعب والفزع داخل المجتمع أو الإخلال بالأمن بهدف إحراج الأنظمة السياسية. وتشير التقارير الصادرة في التسعينات ما قبل الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) إلى أن ضحايا الإرهاب والعنف المسلح في الشرق الأوسط منذ منتصف السبعينات وحتى الآن يزيد على مائة ألف ضحية وكان عام 1987 أكثر الأعوام من حيث الحوادث الإرهابية حيث بلغ عددها 666 حادثًا، في حين بلغ عدد الضحايا في 1985 أكثر من 635 حادثًا كان أشهرها خطف السفينة الإيطالية أكيلا لاوروا في المياه المصرية.

 

 

آليات التجنيد والاستقطاب

أزمتنا في فهم «القاعدة»، هي النظر إليها فقط من زاوية سياسية، باعتبار أن ثمة مغررا بهم يجري استغلالهم من قبل منظمات مرتبطة بجهات خارجية ودول معادية، وهذا رغم صوابيته باعترافات القاعديين أنفسهم – (على مدى شهور، كانت هناك سلسلة مراجعات في التلفزيون السعودي، حملت اعترافات مهمة جدا تساهم في فهم المرحلة الجديدة لـ«القاعدة» والاستخبارات) – يخفي الجانب الأهم من الحقيقة، وهو البناء التحتي لفكرة العنف، وهو أمر ثابت وليس التمظهر السياسي المتغير والمتحول.

 

 

فهم كيف يتبنى الشباب، ليس فقط أفكار «القاعدة» العامة، وإنما قناعات وخيارات «جبهة النصرة» أو «داعش» التفصيلية – هذا لا يمكن الوصول إليه لمن لم يعش التجربة ويعرف آليات التجنيد والاستقطاب والعزلة التي تفصل هذه الكوادر في الميدان عن الواقع بملابساته المختلفة، وهو الأمر الذي يؤكده مقتل عدد من الشباب في «النصرة» على يد كوادر «داعش» الذين ذهبوا بدافع واحد فضفاض ودعائي «نصرة المسلمين»، لينتهي بهم المطاف إلى أن يبادر كل منهم إلى قتل الآخر، وربما من يقرأ تفاصيل مقتل نشطاء «القاعدة» لبعضهم البعض، والمحاكمات الشرعية التي تصدر أحكامًا بقتلهم يدرك حقيقة أن «القاعدة الفكرية» أخطر بما لا يقاس بـ«القاعدة العسكرية»، فأكبر التقديرات لا تؤكد وجود أكثر من 30 ألف مقاتل ينتسبون إلى أكثر من 80 دولة، في تأكيد لولادة تنظيم عالمي معولم على الأرض بعد أن وجد في مخيلة قادة التنظيم بن لادن والظواهري وأبو مصعب السوري المنظر الفكري الأهم على مدى عقود، الذي كان يردد دائما أن «(القاعدة) ليست منظمة ولا ينبغي لها أن تغدو منظمة»، وإنما هي «دعوة ومرجعية ونهج»، وإذا كان هذا حجم الإرهاب لتنظيم واحد، فيمكن تخيّل حجم وقدرة تنظيمات أخرى جديدة أكثر انتشارًا ونموًا من «القاعدة» مثل تنظيم داعش.

 

 

أهم سلاح تمتلكه «القاعدة»

هذه النخب المعولمة المقاتلة هي أهم سلاح تمتلكه «القاعدة»، بسبب قدرتهم على استقطاب المزيد عبر آلة الدعاية القاعدية، المتفوقة على كل التنظيمات الأخرى لأسباب تتعلق بشعاراتها وقدرتها على النفاذ إلى قلوب الشباب في أوقات الأزمات الكبرى والإخفاقات النفسية، وأيضا في ظل غياب أي مقاومة فكرية منهجية رغم النجاحات الأمنية.
منذ بداية السبعينات، والإرهاب يشق طريقه ليصبح التهديد الأكبر في العالم بعد أن أصبحت كل المصالح الغربية تحت مرمى نيران الجماعات المسلحة إلى أن جاءت مرحلة التسعينات ليبلغ في 1995 أعلى معدل.

 

 

علاقة الإرهاب بالتكنولوجيات علاقة تاريخية ومعقدة، لكنه ارتبط بالمنظمات الإرهابية الغربية قبل أن تتحول «القاعدة» لطورها الثاني نحو العالمية بعد تحالف الظواهري وبن لادن، وتاريخيًا استخدمت منظمة إرهابية أيرلندية للقنابل بهدف الهروب من السجن، وتتابعت الأشكال التقليدية مثل استخدام البراميل المتفجرة عبر وضعها على عربات تجرّها الخيول وصولاً إلى الزمن الحالي حيث برامج ومنصات إلكترونية وأسلحة كيميائية متطورة. وكما يؤكد فرنسوا يهبرج مدير معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن أن آلات الدمار الشامل أصبحت في متناول أي إرهابي بإمكانه تصنيع أسلحة بيولوجية متطورة وساهم تفكك الاتحاد السوفياتي إلى زيادة زخم سوق السلاح في العالم، وكل مسارات البنية التحتية للعنف التقني بداية من محطات البث التلفزيوني إلى شبكات الإنترنت والهواتف الجوالة غير المراقبة المتصلة بالأقمار الصناعية.

 

 

من جهتها، أتاح التطور التقني الذي يعيشه العالم في تطوير قدرات الإرهابيين، فعلى سبيل المثال طورت «القاعدة في اليمن» من أدواتها الهجومية فلجأت إلى استخدام الزوارق المصنوعة من مواد لا يمكن اكتشافها بأجهزة الرادار، إضافة إلى استخدامهم أحدث التقنيات في تزوير الجوازات والعملات وبطاقات الائتمان.

التطور التقني للإرهابيين قابله أيضا قيام وحدات مكافحة الإرهاب في مختلف الدول المتقدمة على تطوير قدراتها الدفاعية، ومن ذلك: أجهزة كشف الرسائل المفخخة، وأجهزة الكشف عن المواد الغازية والمعدنية.

 

 

ما بعد «داعش»

الإرهابيون الآن ما بعد «داعش» لديهم طاقم من الكوادر المؤهلة تكنولوجيًا، فأغلبهم من أصحاب التعليم العالي وكثير منهم يحمل شهادة جامعية في الهندسة والطب والإعلام والتسويق، وأغلبهم لديه قدرة فائقة على التعامل مع منصات التواصل الاجتماعي التي تقوم منظمات العنف ومنها «داعش» باستغلالها بطريقة غير مسبوقة بهدف نشر الرعب وتوثيق الجرائم الميدانية عبر مقاطع فيديو ممنتجة كسلاح فعال في تجنيد المزيد من الكوادر الإرهابية.
التفوق التقني أيضا من شأنه إمداد المنظمات الإرهابية بالتمويل المادي، فسرقة بطاقات الائتمان والسطو على البنوك المركزية والشبكات المصرفية.

 

 

نشر مقاطع الميديا ذات الطابع العنفي ساهم في انتشار التنظيمات وبسط نفوذها على الأرض، فـ«داعش» في العراق كانت تتعمد نشر مقاطع وحشية في القتل والتعذيب بهدف حث الأهالي الذين لا يشعرون بالأمان في ظل ضعف حضور الجانب الأمني من قبل الدولة إلى النزوح خارج مناطقهم مما يجعلها صيدًا سهلاً بيد المتطرفين.

في تقرير إحصائي، قام به أحد الباحثين في قضايا الإرهاب تتبع الباحث ما يفوق أربعة ملايين تغريدة يحركها ما يفوق 8000 حساب في «تويتر» ينشط جزء منها بينما ينشط الباقي في حال توقف الحسابات أو حجبها على «تويتر».
ترافق التطور التقني لـ«داعش» مع حضورها الإعلامي غير المسبوق بعدد من المنتجات بلغات عالمية أبرزها مجلة «دابق» تطبع بعدة لغات ورسوم وصور معالجة وخطاب إعلامي متناسق للتأثير على شرائح مختلفة من الجمهور ومنهم الأطباء والمهندسون والإداريون ومشغلو الأجهزة والمصارف التي يحتلها التنظيم.

وفي تقرير لموقع «bustle» عن «داعش» وصف التنظيم بأنه واحد من أكثر المنظمات الإرهابية حضورًا على وسائل التواصل الاجتماعي واستخدامها للتقنية مما ساهم في التسويق لها وتراجع جماعات لا تقل عنها حضورًا على الأرض كـ«جبهة النصرة» ومجموعات «القاعدة» في الشام والعراق.

 

 

الأجيال الجديدة غير مرصودة بسبب عدم انتظامها في سلك فكري أو سياسي محدد، ولكن هذه الفئة هي محور التغيير في العالم العربي سواء بمعناه المفاهيمي، حيث تجاوزت الأجيال الجديدة ثنائيات التغريب والهويّة الوطنية، أو حدود الانتماء بسبب انخراطها في هويّة كبرى جامعة باعتبار أنهم نتاج «العولمة» بما فرضته من هويّات سائلة إلى الحد الذي نجد فيه شبانا من دول محافظة يتابعون آخر صيحات الموضة وما تقذفه الميديا الغربية من منتجات، وفي ذات الوقت نجد شبانا في أقاصي الدنيا يعرفون كل تفاصيل أزماتنا، بل وينخرطون في تنظيمات إرهابية كـ«داعش» و«القاعدة» قادمين من بلدان أوروبية كضحايا لمسألة الاندماج
ويشير باحثون مختصون بتحليل خطاب الإرهاب على الإنترنت إلى أسباب كثيرة لإقبال الشباب لا سيما في فئات سنية مبكرة على نصوص «داعش» ومتنها العنفي ومن ذلك تفرغ عناصر «داعش» للتفاعل والتجاوب مع المشاركين والرد عليهم في وقت قصير، وسهولة التغرير بالشباب عبر فهم تكنيكاتهم النفسية ودوافعهم للتغيير، إضافة إلى وجود منتجات متعددة في شكل كتب وملفات رقمية وميديا عن كل ما يلزم الكادر الإرهابي، وربما كانت حقيبة المجاهد التي تضم أكثر من ألف عنوان في مختلف المجالات من أكثر الملفات تحميلاً على الشبكة وبأكثر من لغة، إضافة إلى أن كتابة تجارب المقاتلين منذ لحظة التجنيد وحتى ما بعد العمليات الانتحارية يساهم في الدعاية لفكرة التنظيم الذي يلعب على مختلف الجبهات فهناك استغلال للداخل عبر توزيع تسجيلات وأقراص مدمجة تحتوي على أهم الكتب والخطب والمرئيات، إضافة إلى وجود مصورين متخصصين في كل أقاليم تنظيم الدولة لتوثيق الأحداث والحديث عن تجربة القتال إضافة إلى تسجيلات تحمل تصريحات للأهالي عن دعمهم لـ«داعش»، بينما ينشط أعضاء التنظيم المختصون بالتواصل الاجتماعي على الهاشتاغات الرياضية والدعائية وهاشتاغات المواسم التي يحضر فيها الشباب بكثافة.

 

 

شبكة «السكينة» السعودية

الجانب الأمني أيضا لا يقل أهمية بالنسبة للتنظيمات الإرهابية فهناك دورات حماية متخصصة تعطى لأفراد التنظيم لتعليمهم كيفية تجنب مراقبتهم على الإنترنت، وذلك وفق دراسة قام بها «مركز مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة» الذي أكد أن المجموعات الإرهابية والمتعاطفين معها يستخدمون الإنترنت لتنظيم حركة المقاتلين الأجانب حول العالم وكذلك لتعليمهم تقنيات تجنيد عناصر جديدة في التنظيم ومنها ما يسمى السلاح الإلكتروني.

وبحسب دراسة لشبكة «السكينة» السعودية المناهضة للإرهاب فإن هناك تحريضا على التخريب والفتنة موجهة للمملكة بمعدل 90 تغريدة في الدقيقة الواحدة يتقدمها التغريدات المحسوبة على تنظيم داعش والمتعاطفين معه.
الإرهاب لا يستخدم التقنية فقط، لكنه أيضا يعاقبها بالهجمات على منصات التقنية ومنتجاتها وعلى رأسها شبكة الإنترنت نفسها المستهدفة من قبل الإرهابيين، وهناك مخاوف حقيقية أطلقتها عدد من المخابرات الأوروبية حول نية تنظيمات مثل «القاعدة في جزيرة العرب»، و«داعش» إلى القيام باعتداءات إرهابية على شبكات الحاسب بسبب قدرة عناصر التنظيم ومعرفتهم الواسعة بمجال القرصنة الإلكترونية، وبالطبع تتم الاستفادة من جماعات الهاكرز والجييك المنتشرين في دول أوروبا الشرقية وآسيا والمناهضين للتقنية الحديثة عبر الهجوم عليها لأهداف اقتصادية وترويعية وأحيانا بهدف الكسب من خلال تنبيه الشركات الكبرى مثل «غوغل» و«ياهو» على الثغرات الموجودة في أنظمتهم.

الإرهاب الإلكتروني الآن في تصاعد كبير حيث يحظى بجاذبية لدى شبّان القادة و«داعش» بسبب تعدد مجالات التقنية الذي يتطور بشكل يومي.
وفي سياق متصل تعززت مخاوف كبرى لدى بريطانيا خلال السنوات الماضية من قدرة تنظيمات إرهابية مثل «القاعدة» على امتلاك تكنولوجيا نووية من الممكن استخدامها في مهاجمة أهداف غربية نوعية، وأكدت في هذا الشأن أليزا مانينغهام بولر مديرة جهاز المخابرات الداخلي بإنجلترا على أنه تم الكشف عن مخطط لإعداد شباب بريطانيين (تحدث التقرير عن 1700 عنصر) وتحويلهم إلى انتحاريين في داخل أوروبا تم استهدافهم من خلال منصات الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.
وينتشر مفهوم «الإرهاب المعلوماتي» على نطاق واسع الآن بسبب التطور الهائل في تكنولوجيا المعلومات ونظم الاتصالات وغيرها، والذي يرتكز على نمط سائد وهو اختراق نظم المعلومات عبر الشبكة، واختراق الخصوصية، مما يجعل الإرهابيين على اطلاع تام بكل التفاصيل للبيئة المعلوماتية المستهدفة، ويتيح تدفق وانتشار المعلومات إلى حدوث انهيار في أنظمة السيطرة المدنية والعسكرية، بل هناك حديث عن تعطيل للمعدات الدفاعية وأنظمة حركة الطيران والنظم المصرفية.

وتعد صناعة الفيروسات وملفات التجسس أكثر الجرائم الإرهابية على الشبكة انتشارًا وتأثيرًا والذي يتيح للمتجسس الدخول غير المصرح به إلى أجهزة أو شبكات حاسب آلي، وتتم كل عمليات الاختراقات عن بعد، ويتبع هذا جرائم أخرى متصلة كانتحار الشخصية، وتزوير الوثائق، والدخول على حسابات البريد الإلكتروني.
هناك حلقة مفقودة في قراءة الإرهاب التي عادة ما تكون قراءة لاحقة وتالية بعد تورط الكوادر العنفية، لكنها لم تقترب من لحظة التحول وغياب دور الأسرة أو تجاهلها بحجة الخوف والقلق على المصلحة الشخصية للابن ولو بشكل متوهم، كما أن التجنيد الآن انتقل من الطريقة الشبكية التي تحدث عنها خبراء الإرهاب في بداياته إلى التجنيد الفردي حيث لا يتم الالتحاق لمجموعات متطرفة بشكل تنظيمي هيكلي، ولذلك فإن التعرف عليهم يكون عسيرا في الغالب بسبب غياب السمات الشخصية أو العلامات الدالة وحرصهم على السرية والتكتم في خطواتهم التي يقدمون عليها، ومن طبيعة هؤلاء المجندين الصغار غير المرتبطين هيكليا أن يحرصوا على الانضمام السريع إلى العراق أو اليمن أو سوريا عبر وسطاء في دول مجاورة كما تحرص الجماعات المتطرفة على تجنيد هذه النوعية لسهولة التأثير عليها وإقناعها بالقيام بعمليات انتحارية من دون تفكير أو فحص للعواقب.
إرهاب اليوم أنتج لنا متطرفين يحرصون على أخذ «سيلفي» مع الضحية قبل أي شيء آخر، وهي تفاصيل قد تبدو صغيرة، لكنها تعطي مؤشرات واضحة على التحول في ملف الإرهاب بعد فشل الحرب عليه.

يوسف الديني