الرئيسية الأولى

الأحد,15 مايو, 2016
تونس ومعضلة الاحتجاجات الاجتماعية

الشاهد_ اندلعت مجدداً الاحتجاجات الاجتماعية في مدينة بنقردان التونسية الحدودية، وهي لم تتعاف بعد من أثر العمليات الإرهابية التي جدّت قبل شهرين تقريباً.

ربما أصاب ذلك المتابعين ببعض الخيبة، خصوصاً بعد الاستقبال المهيب الذي حظي به رئيس الجمهورية قبل أسابيع.

في اعتقادنا لا يشكل غلق المعبر الحدودي أمام أوجه أشكال التجارة الموازية العديدة السبب الأوحد في ذلك، فهناك أسباب أخرى عديدة، حتى وإن أقررنا أن ذلك المعبر يظل شريان الحياة فيها، فعلى غرار بقية المدن الأخرى، ظلت الحكومات التي تتالت بعد الثورة إلى الآن عاجزة عن التعاطي مع الاحتجاجات الاجتماعية التي ظلت تتصاعد فيها من وقت إلى آخر. ربما جدّدت تلك الاحتجاجات من تعبيراتها.

ولكن، ظلت محافظةً على عناوينها الكبرى، التنمية والتشغيل والتلوث أخيراً.

يظل التقرير السنوي الذي أصدره المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن التحركات الاجتماعية، وعلى الرغم من مآخذ منهجية مهمة في هذا الصدد، وقد ذكر أن السنة المنقضية شهدت ما يقارب خمسة آلاف تحرك احتجاجي اتخذت أشكالاً مختلفة، تتراوح بين الاعتصام والتظاهر تارة وإتلاف الممتلكات العمومية والتهديد بالانتحار أو الإقدام على تنفيذه تارة أخرى.

استناداً إلى المعطيات نفسها، أصبحت لدينا خارطة وطنية للاحتجاجات، تقسم البلاد إلى ثلاث مناطق كبرى: منطقة خضراء تختفي فيها، أو تكاد، الاحتجاجات بشكل واضح، مقتصرةً على تحركات محدودة وسلمية، على غرار احتجاجات المواطنين على التلوث، كما وقع أخيراً في مدينة القلعة الصغرى (محافظة سوسة) أو منزل بورقيبة (محافظة بنزرت) أو حتى مدينة صفاقس. المنطقة الثانية برتقالية، تنتشر فيها التحركات الاحتجاجية بحجم معتدل، لم يربك الحياة الاقتصادية أو السياسية. المنطقة الثالثة والأخيرة حمراء، تتسع تدريجياً وتصدر “عدواها” مضامين وأشكالاً إلى غيرها من المناطق، حيث تتسم التحركات الاجتماعية، هنا
“أصبحت في تونس خارطة وطنية للاحتجاجات، تقسم البلاد إلى ثلاث مناطق كبرى” بالذات، بالكثافة والعنف.

هذه المنطقة بالذات تلتهم وسط البلاد وجنوبها الغربيين تحديداً: على غرار القصرين وسيدي بوزيد والقيروان وقفصة، حيث أصبح مسلسل الحوض المنجمي من أطول مسلسلات الاحتجاجات الاجتماعية في العالم.

فمنذ سنة 2008 وإيقاع الاحتجاجات الهادر بهذه المنطقة لم يهدأ، وربما أعطته الثورة، بما وفرّت من حرية التعبير وضعف الدولة مناخاً مناسباً لتنساب التحركات الاجتماعية فيه بشكل وحشي ومدمر أحياناً. لقد تمت محاولة ذبح الدجاجة التي تبيض ذهباً “للدولة” أكثر من مرة. تم تعطيل الإنتاج وإتلاف بعض ممتلكات الدولة، من دون أن تبدي هذه الدولة قدراً أدنى من الجدية والصرامة.

يحدث ذلك والمجتمع المدني، قناعةً أو خوفاً، يصمت عما يحدث ويدعمه أحياناً. رأينا كيف تم إعلان تلك المنطقة محرّرة، ورأينا كيف تم التحرش بالدولة ووعدها بتلقي هزيمة قاسية، لو فكرت في التدخل، لضمان حرية العمل وفرض هيبتها، كما نص الدستور والقانون أيضاً.

لسنا بصدد تقييم مدى شرعية تلك الاحتجاجات، فالقانون لو طبق وسرى على الجميع لتكفل بهذه المهمة، لكننا نعلم أيضاً أن الدولة، والحال على ما هي عليه من ضعف وترهل عاجزةً عن تطبيق القانون في هذا الباب بالذات، لعدة أسباب:

حساسية تلك المناطق، فالثورة مدينة لهذا الثالوث: الحوض المنجمي، بنقردان والقصرين، فالأولى كانت قد قادت انتفاضةً شجاعةً، خرقت الصمت المطبق على التحركات الاجتماعية، وعرت عن وجه النظام القاسي منذ سنة 2008. لذلك، يعتبرها بعضهم مقدمات الثورة التونسية، أما منطقة بنقردان فقد قادت تحركات اجتماعية أكثر من أسبوع سنة 2010، أي قبيل سقوط النظام ببضع أسابيع، وأجبر النظام على إطلاق جميع الموقوفين. في حين أطلقت القصرين شرارة الثورة في ديسمبر 2010. تجد الدولة، والحكومة خصوصاً، حرجاً كبيراً حالياً في مواجهة تلك الاحتجاجات، حتى ولو تجاوزت ما يسمح به القانون. لم تشفَ الدولة من تلك الحساسية التي تركها إرث النظام السابق.

عجز الدولة، لأسباب اقتصادية بحتة، عن تقديم أشياء ذات دلالة إلى تلك المناطق التي من شأنها أن تغير واقع التهميش الذي تحياه. فمنذ نشأة الدولة الوطنية، ظلت السياسات التنموية المنتهجة عاجزةً عن إحداث نقلةٍ نوعية. لذلك سيكون من الحمق السياسي أن تتصدّى الدولة لتلك الاحتجاجات بأساليب أمنية أو ما شابهها، وهي التي تشعر بعقدة العجز التي كبلت إرادتها.

السبب الثالث، والأخير، يتعلق بحجم التعاطف والتوظيف الذي يمكن أن تلقاه تلك الاحتجاجات، لو فكرت الدولة في فضها، أو منعها. ويبدو أن ما حدث، في الآونة الأخيرة، وما حظيت به احتجاجات جزيزة قرقنة من تعاطف كبير، على غرار ما سبقها في مدينة القصرين، له دلالة بالغة في هذا الصدد، فحتى الأحزاب الحاكمة ظلت محجمةً عن إبداء موقف صريح مما حدث، بما فيها التجاوزات الخطيرة، على غرار إلقاء عربة أمن في البحر أو حرق سيارات الشرطة، ومقرّاتها أو إتلاف ممتلكاتٍ عمومية أخرى.. إلخ. وظلت تتلعثم، ولم تساند الحكومة أو تدين ما جرى.

تعلم تلك الأطراف أن أي موقفٍ سيكون له كلفته الباهظة، والبلاد تستعد لتنظيم انتخاباتٍ محليةٍ قادمةٍ سيضطر فيها المتنافسون إلى عرض مواقف بعضهم في ما يشبه بالمزاد العلني.

تجد البلد (دولة وحكومة) عاجزةً عن صياغة رؤية متماسكة وفعالة، للتعاطي مع الاحتجاجات الاجتماعية. ولكن، سيكون من العبث أن يستمر تشغيل حرائق الإطفاء المؤقتة، ما لم نتحلَّ بالشجاعة، بما يضمن حق الناس في التظاهر السلمي والتعبير عن مواقفهم. وفي الوقت نفسه، حق الدولة والمجموعة الوطنية على ممتلكاتها ونسق إنتاج منشآتها. أمام النخب الحاكمة والمعارضة والدارسة جهد تربوي وبيداغوجي مهم في تجديد تعبيراتنا الاجتماعية، وأشكال التحركات الاحتجاجية التي يبدو أنها أدمنت على أقراصٍ صنعها الاستبداد، حين ضيق عليها وجرّمها ذات يوم.

سيرتهن ذلك كله طبعاً بما يمكن أن نقدمه لتلك المناطق من بدائل حقيقية (غير تلك الوعود) عما عانته من تهميشٍ خلال عقود طويلة.

المهدي المبروك