مقالات رأي

الجمعة,13 مايو, 2016
تونس ومرحلة انحطاط الكوع على البوع

الشاهد_يحق للمرء أن يقول براحة ضمير إن بلادنا باتت لا تفرق جيدا للأسف الشديد بين كوعها وبوعها. ويحق له أيضا أن يتحدث دون حرج عن تدخرجنا السريع ومن دون فرامل نحو مرحلة متقدمة من الانحطاط.

كنت كعادتي كل صباح أتنقل بين الإذاعات، وأنا أنقل أبنائي للمدرسة، أهرب من هذه الإذاعة لأسقط في أخرى.. قلت الإذاعة الوطنية قد تكون أفضل من غيرها.. فهي إذاعة وطنية تمول من جيب دافع الضرائب وأنا أحدهم، ولابد لي أن أجد فيها شيئا يشبهني ولو قليلا، فأنا مواطن ومثلي ملايين يشبهونني نمولها ولابد لنا من حظ ولو قليل فيها.

أصغيت بانتباه كاف، بما تسمح به طاقتي في الجمع بين السياقة في غابة طرقات تونس والاستماع للمذياع.. وجدت المذيع يتحدث عن أخبار العالم الافتراضي.. قلت لا بأس فالفروق بين الواقعي والافتراضي لم يعد لها وجود.. تحدث المذيع برصانة حتى وصل إلى خبر عن الشقيقة الكبرى مصر.. قال إن جائزة هناك استحدثت هذا العام لتعطى للمسلسل الرمضاني الذي لا تظهر فيه لقطات لمدخنين أو متعاطي خمر في الشهر الفضيل.

والحديث يجري سلسا مفيدا إذ اندفع فجأة “كرونيكور” الحصة السيد خالد بوميزة (بو معيزة في الأصل ولو ترك الإذاعة وذهب لرعي الماعز لكان خير له) يتساءل متهكما بطريقة قميئة تشبه القيء: وهل الدخان حرام؟ وهل سيقع تحريم الدخان في رمضان القادم؟ والمذيع يحاول إرجاعه للصواب، مشددا على أن هذه بادرة من المجتمع المدني تستحق الاحترام، وصاحب المعزة في ضلاله مقيم.

ليس هذا أول تعليق يشبه القيء يقع فيه السيد خالد بومعزة، الذي يتحدث كمخمور.. فله من هذا النوع الكثير. وما حيرني أنه بدلا من النظر للبادرة المصرية من زاوية صحية واجتماعية، فالتدخين يفتك بالملايين سنويا من البشر، وإدمان الخمر يدمر مئات آلاف العائلات كل عام في مصر وفي تونس. ذهب صاحب المعزة للحرام والحلال، لا اقتناعا بأهمية البعد الديني، في قيادة سلوك الناس، ولكن بحثا عن مشكل يجعل منه بطلا وهميا.

ضعفت الدولة بعد الثورة وتلاشى بعدها الزجري. واستغلت فئات منفلتة ضعف الدولة للدفع بتونس لأتون الانحطاط دفعا.. فصار الخمر والتدخين والمخدرات وألوان الجنس بما في ذلك الشذوذ الجنسي، لازمة من لوازم العديد من المسلسلات مثل مسلسل أولاد مفيدة وغيره ولازمة من لوازم الراب وبعض الألوان الفنية الأخرى وكأن الفن والتمثيل لا يكون إلا مقرونا بالدعارة والانحطاط.

وكنت البارحة بالمصادفة في حوار مع فنان راب تونسي معروف. وكان سؤالي لماذا الراب التونسي مقرون عند كثيرين بالزطلة والخمر والكلام البذيء المنحط. ودخلت معه الشيخ غوغل وأريته نموذجا من الراب المغربي، وتحديدا فرقة فناير الشهيرة، وكيف وظفت الراب للتوعية من مخاطر السيدا(الايدز) وكيف غنت للحنة المغربية وللأم المكافحة في تربية ابنائها وكيف غنت عن الخيل وعن طاجين اللغات وعن جامع الفناء في مراكش، وعن أهمية العمل والإبداع والإتقان في الصنعة.. ووجد صاحبي الرابور فنا راقيا جذابا مع روح بناءة للمجتمع.

الجائزة المصرية ضد التدخين والخمر وفرقة فناير للراب المغربي مقابل حالة العفن السائدة في بلادنا يكشفان إلى أي حد يلعب الفن دورا هداما في الكثير من حالاته في تونس، في حين يوظف الفن لبناء مجتمع نظيف واقتصاد مزدهر في المغرب.

نسبة النمو الاقتصادي التي تقترب من 7 في المائة في المغرب لم تولد صدفة وكذلك نسبة النمو الصفرية في تونس لم تولد هي الأخرى صدفة.. ففنهم يحرض على العمل والبناء والإتقان وفننا مشغول بالزاكا طاكا وهات بلاكة.. والمخمور المزطول الغارق في نصفه الأسفل لا يمكن أن تكون ثمرته الاقتصادية إلا صفرية.

 

نورالدين العويديدي



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.