كتّاب

الجمعة,23 سبتمبر, 2016
تونس وتركيا الأردوغانية

كثر الحديث في الأيام الاخيرة عن نية النهضة وقادتها في استنساخ تجربة العدالة والتنمية في تركيا، ومن ثم فرض الأردوغانية على تونس وذلك من خلال بناء نظام رئاسي تسيطر عليه زعامة النهضة، هذا ما صرح به الكاتب يوسف الصديق وتناقلته الكثير من وسائل الاعلام التونسية.


الى وقت قريب كانت تتهم النهضة بأنّها ترغب في بناء نظام برلماني مُصادِم لثقافة التونسيين الرئاسية، وقد تم التشنيع على النظام البرلماني وتحميله مسؤولية كل الاخلال السياسية ، وقبل ذلك كانت النهضة متهمة بمحاولة فرض نموذج إيراني على طريقة الخميني او افغاني على الطريقة الطلبانية، بما يدل على ان هذه التهم شديدة التقلب تناسبا مع سوق العرض والطلب، وهي تدخل ضمن التجاذبات السياسية ومحاولة تسجيل نقاط، ان لم نقل تسجيل لكمات في وجه الخصم السياسي، ورغم ان الحديث عن الأردوغانية ليس بالتهمة الخطيرة التي تستوجب الدحض والرد الا انه من المناسب هنا ابداء بعض الملاحظات في سياق هذا السجال الايديولوجي الساخن.

اولا ان الرغبة في الاستفادة من التجربة التركية عامة ومن خبرة حزب العدالة والتنمية في إدارة الملفات الاقتصادية خصوصا، إنما تعبر عن وجهة حميدة تستوجب الشكر وليس الذم ، فقد سجلت تركيا في عهد العدالة والتنمية الذي يحكم منذ ما يزيد عن أربعة عشر سنة، نجاحات اقتصادية ملموسة لا ينكرها الا جاحد او مكابر، حيث باتت تحتل الموقع 16 في ترتيب الاقتصاديات العالمية ، بعدما كانت تعاني لعقود متتالية من الركود وتقلب أسعار الليرة وارتفاع التضخم واتساع البطالة وسيطرة الجيش على مقاليد الأمور، كما وصل معدل الدخل القومي في عهد أردوغان الى ما يقرب من 900 مليار دولار، وحقق الاقتصاد التركي في عهد أردوغان نسبة نمو زادت على 6% سنوياً‪.‬
وارتفع دخل الفرد التركي بنسبة 350% من 3000 دولار إلى 11000 دولار خلال فترة حكم أردوغان ، أي بمعدل 35% سنويا، الطيب اردوغان من بين القادة المميزين في تاريخ تركيا الحديث باعتباره الأب المؤسس للجمهورية الثانية مثلما كان اتاتورك الزعيم المؤسس للجمهورية الأولى.
ثانيا: نجح حزب العدالة والتنمية في توجيه طاقة الأتراك نحو البناء والتعمير والتخفيف من حدة الاستقطاب الايديولوجي في إطار حزب وطني مفتوح يضرب بجذوره في الميراث التركي ولكنه منفتح في ذات الوقت على روح العصر، هذا الى جانب سعي هذا الحزب الى اعادة الوحدة المفقودة في الوعي والوجدان التركيين الممزقين بين القبعة الأوروبية والطربوش العثماني ، ورغم ان تونس لا تعاني من مخلفات تمزق هوياتي عميق على المنوال التركي الا ان هذا النجاح الذي سجله حزب العدالة في الانفتاح على مختلف الفئات التركية جدير بالاستفادة والاستلهام.
ثالثا. يحسب لحزب العدالة التركي رغم جذوره الاسلامية نجاحه في الحفاظ على طابع التنوع والتعدد في المجتمع التركي بعيدا عن المنهج التدخلي للدولة، حيث تتعايش المرأة المحجبة مع غير المحجبة وتوجد المساجد المفتوحة والعامرةً مثلما توجد الحانات في اجواء من الليبرالية الاسلامية المتفتحة، وقد فهم قادة حزب العدالة ان مهمة الدولة تتمثل في تنظيم حالة التعدد والاختلاف وليس في فرض اعتقادات او خيارات معينة على المجتمع سواء باسم الدين او العلمانية بعدما عانت تركيا لعقود طويلة من علمانية تدخلية، وهكذا اصبح حزب العدالة، ذو الجذور الاسلامية، رافعة أساسية للتحول الديمقراطي في هذا البلد. كما يحسب لحزب العدالة والتنميةً هنا التحول من علمانية تدخلية وتسلطية في الكثير من المناحي باتجاه علمانية اكثر انفتاحا وتعددا.
كنت ذكرت في مرات سابقة بان هناك تجربتان فاشلتان في العالم الاسلامي يتوجب تجنبهما ما أمكن أولهما تجربة العلمنة التدخلية والفوقية على طريقة اتاتورك وثانيهما الأسلمة الفوقية والتدخلية على الطريقة الإيرانيةً، وإذا كان للعالم الاسلامي من أفق مستقبلي فهو ان يشق طريقا وسطا بين هذين الخيارين الخاطئين. اي ان البديل عن ذلك دولة تحترم ثقافة المجتمع وقيمه العامة ولكنها لا تتدخل في خيارات الأفراد والجماعات سواء باسم الدين او باسم الحداثة.
رابعا رغم ثقل الأزمات المحيطة بتركيا من كل جانب الا انها نجحت نسبيا في الاستفادة من موقعها الجغرافي وثقلها السياسي كقوة إقليمية تطل على فضاءات جغرافية وثقافية متعددة من البلقان والقوقاز والشرق الأوسط وأوروبا وغيرها. كان ينظر الى تركيا على امتداد الحرب الباردة بانها مجرد حاجز امام الامتداد الشيوعي في الشرق الأوسط، الا ان الأتراك رفضوا ان يكونوا مجرد حاجز جغرافي او مجرد جسر عبور بين أوروبا وآسيا وراهنوا على ان يكونوا بدلا من ذلك قطبا فاعلا في المنطقة وفي الساحة الدولية.
ولعل ما هو جدير بالاعتبار هنا وعي الأتراك باهمية موقعهم الجغرافي المميز ورصيدهم التاريخي الثري، ولعلنا في أمس الحاجة في تونس الى بناء رؤية استراتيجية كبرى تستفيد من الموقع الجغرافي الحساس لتونس، هذا الموقع الذي يربط بين افريقيا وأوروبا والعالم العربي، ثم الاستثمار فيما تتمتع به من مزايا اجتماعية ورأسمال بشري، فضلا عن رصيدها التاريخي والثقافي المتنوع.
بقي ان نشير في نهاية هذا المقال الى انه مهما كان للتجربة التركية من ايجابيات ومزايا، الا انه يتوجب الانتباه الى ان التجارب السياسية هي منتج البيئة والثقافة السياسية وامكانيات وموارد البلد وليست موضعا للتطلعات الخيالية والوهمية، وما يسع تركيا لا يسع بالضرورة تونس، ورغم وجود أوجه الشبه في بعض المناحي بين البلدين خصوصا من ناحية الموقع الجغرافي المميز ومن جهة تجربة التحديث الاجتماعي والسياسي في كلا البلدين، الا ان هذا لا ينفي مساحات الاختلاف من جهة الوزن السكاني والديمغرافي وسياقات التجربة التاريخية وغيرها.
الرغبة في الاستفادة التجربة التركية امر مهم، ولكن يجب ان نحذر من افة التكرار والاجترار، وعليه يتوجب ان تنفتح قلوبنا وعقولنا على كل ما هو مفيد ونافع في بقية التجارب العالمية مثل ماليزيا وسنتغافورة واندونيسيا التي تعد اكبر البلدان الاسلامية، فضلا عن التجربة المغربية القريبة منا والتي باتت تسجل نجاحات اقتصادية معتبرة خلال العشرية الاخيرة، ولعلنا في أمس الحاجة اليوم الى اعادة قراءة أقوم المسالك لخير الدين بهدف استئناف مشروعه الاصلاحي المجهض علنا نضع تونس على سكة النهوض مجددا.