الرئيسية الأولى

الإثنين,4 أبريل, 2016
تونس والوعود الدولية

الشاهد _ خلال الأسبوع الماضي، وفي التوقيت نفسه تقريباً، زار ثلاث مسؤولين كبار تونس. رافق الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، رئيس مجموعة البنك الدولي، جيم يونغ كيم، في حين قدم الأمين العام لمنظمة العمل الدولية منفرداً. هل هي المصادفات أم الرغبة الجماعية في إنقاذ مسار التحول الديموقراطي وإسناد التجربة التونسية دوليا؟

شارك الثلاثة، على هامش زيارتهم، في مؤتمر الحوار الوطني حول التشغيل، ولم ينسوا تأكيد وقوفهم مع تجربة تونس الاستثنائية والفريدة في التحول الديموقراطي.لا شك في أن لهم معرفة، ولو عامة، بما يهدّد هذه التجربة، خصوصا مسألة الإرهاب والبطالة.

يعلم الجميع أن التحديات التي تواجه البلاد، والتي قد تعصف بهذه التجربة، هما بشكل خاص التشغيل والإرهاب، وأن العجز عن حل الأولى يدعم استفحال الثانية. تسحق البطالة ما يناهز ثمانمائة ألف شاب، ثلثهم من حاملي شهادات جامعية عليا، وأي تأخير في معالجة الأمر سيدفع آلافاً منهم إلى الالتحاق، بشكل أو بآخر، بتلك الخلايا النائمة للجماعات الإرهابية التي فوجئنا، في الأشهر الأخيرة، بحجمها المخيف. إنها تستقطب من هؤلاء العاطلين الذين عصفت بهم الخيبات العديدة مما آلت إليه أوضاع البلاد بعد الثورة، يداً عاملة صالحة للقتال. يراهن الإرهابيون على ذلك المزاج المتبرّم واليائس الذي ينخر الشباب، حتى يتم انتدابهم، فلقد رأينا كيف نجح هؤلاء في استقطاب حاملي شهادات عليا في الهندسة والصيدلة والكيمياء والرياضة وحتى الطب عاطلين عن العمل. لا يتدرّب الإرهابيون على استعمال السلاح للقتل فحسب، بل يتدربون، أيضاً، على استثمار خيبات البطالة بشكل خاص.

بعيداً عن الجانب البروتوكولي لزيارة الأمين العام للأمم المتحدة، والتي قد تكون حدثت لغايات أخرى غير المعلنة (تزامن مع دخول حكومة فائز السراج الليبية طرابلس، متجهة إليها من تونس)، أو بقية المسؤولين الآخرين، فإن التونسيين انتظروا من الزيارة مردوديةً عملية أكبر، قد تساعد البلاد على تجاوز أزمتها الحادّة، فالوعود التي تم إعلانها لم ترتق إلى تلك الانتظارات، على غرار منحة البنك الدولي التي حددت بخمسة مليارات دولار سنوياً، من أجل النهوض بالتشغيل والجهات الداخلية.

كانت حزمة الإجراءات/ الوعود التي أعلن عنها هؤلاء المسؤولون مخيبة لبعض التونسيين، فهي تذهب إلى مزيدٍ من رهن مقدّرات البلاد، وربما على امتداد أجيال، للدائنين، إذ ترزح البلاد تحت اقتراضٍ مجنون، يذهب جله إلى نفقات التأجير وغيرها من المصاريف التي لا صلة لها بإيجاد الثروة وفرص التشغيل.

لا يمكن لتونس أن تصون تجربتها الناجحة من السقوط في الفوضى والعنف، إلا إذا أسندتها الدول الديموقراطية، وخصوصاً الأوروبية، مالياً، فيما يشبه صندوق دعم التحولات الديموقراطية. رأينا ما يقابل هذا تماماً، حين تم دعم الانقلابات على الديموقراطية، تحت مسميات مؤتمرات الدول المانحة، بحثاً عن ترسيخ الاستبداد، وطي صفحة جاذبية التحولات الديموقراطية إلى الأبد.

 

لكن، علينا ألا نفرط في التفاؤل، فقد عبّر سابقاً مسؤولون، في مناسباتٍ عديدة، على غرار قمة مجموعة الثماني ومنتدى دافوس وغيرها، فضلا عن زعماء دول، عن دعم تونس في عدة مشاريع، حتى خلناهم بصدد إنشاء صندوق “مارشال للتحول الديموقراطي”، لتظل كل تلك المسائل مجرد وعودٍ، أو جزءاً من التسويق السياسي، ضمن ثقافة العلاقات العامة في مثل تلك المناسبات. نخشى أن يساهم هذا التعامي الذي تمارسه الدول الأوروبية، كما ورد في جريدة لوموند الفرنسية، عندما كتبت، إثر أحداث بنقردان أخيراً، أن أصحاب القرار السياسي والمالي يتعامون عن دعم هذه التجربة الفريدة، وهم بذلك يدعمون التطرف والإرهاب، وقد يدفعون الثمن باهظاً ذات يوم، إذا ظلت تونس التي تمثل جبهةً متقدمة تدافع بمفردها عن قيم الأوروبيين أنفسهم، أي الديموقراطية وحقوق الإنسان والفكرة الدستورية والدولة المدنية. ربما تنكفئ أوروبا على نفسها مجدداً، بدعوى التصدّي الفعال الموضوعي للإرهاب، وتفكيك الشبكات النائمة داخلها أو العابرة لها. ولكن هذه مجرد إجراءات عاجلة وضرورية، لكنها لن تحل المشكلة على المستوى الاستراتيجي. دعم الانتقال الديموقراطي من أجل حكم رشيد ودولة مدنية قائمة على احترام القانون والعدالة هي الاستثمار المستديم الذي يقي منطقة المتوسط من مخاطر الإرهاب. ولكن، نظل على يقين أن الحلول تبقى، في نهاية المطاف، بأيدي التونسيين، من خلال مشاريع الحكم التي تقود البلاد، فهذه المسائل من مشمولات الطبقة السياسية الحاكمة بشكل خاص.

قديماً قيل ما حكّ جلدك إلا ظفرك، لكن المصيبة أن هذه الأظافر تُفرط في الحكّ، حتى تخالها مخالب مغروسة في جسدك، وهي التي تدميه.

تقدم تونس للعالم اختباراً حقيقياً، لكنه فاضح في الوقت نفسه، عن مدى رغبة المجتمع الدولي في دعم الديموقراطية. ذلك أن للديموقراطية هذه كلفتها، وهي أقل بكثير في كل الحالات من كلفة دعم الاستبداد، لو كانوا يعلمون.

المهدي المبروك



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.