إقتصاد

الثلاثاء,2 أغسطس, 2016
تونس في انتظار “الجوكر”

الشاهد _كم هو صعبٌ ومعقّدٌ السعي إلى بناء نظام ديمقراطي فاعل، وقابل للصمود والحياة، في دولة عربية، فعلى الرغم من أن ما حدث في تونس، أخيراً، يعتبر من الناحية الرمزية حدثاً فريداً من نوعه، إذ لأول مرة يسحب برلمانٌ منتخبٌ الثقة من حكومةٍ، لكن، مع ذلك، فإن سؤالا مزعجا أصبح يطرح بشكل استفزازي: من يحكم في تونس حالياً: الأحزاب، أم رئيس الجمهورية، أم البرلمان، أم المافيات التي كثر الحديث عنها، أخيراً، أم الدول الغربية ذات المصالح الحيوية في هذه المنطقة الاستراتيجية؟.

يعكس طرح هذا السؤال، إلى حدٍّ كبير، درجة الضبابية التي تسود حالياً في البلاد، فعدم الشعور بالاستقرار والتقدّم يولّد، في حد ذاته، إحساساً قوياً بفقدان الجاذبية لدى المواطنين. وبعد أن كان النظام السياسي ممسوكاً من هرمه، يحكمه فردٌ قويٌّ يلقى الدعم من المستفيدين، بشكل مباشر أو غير مباشر، من أوضاع المرحلة السابقة، انتقلت الحالة اليوم إلى نظامٍ في حالة تشكّل، تؤثر فيه عوامل متعدّدة، وتتدخل في إدارته قوى مختلفة، ذات مصالح متعارضة. وعلى الرغم من أن هذه القوى غير متساوية، لكنها جميعها تتمتع بقدراتٍ متفاوتةٍ وفرصٍ للتأثير في السياسات والاختيارات.

يحتاج هذا الانتقال من السلطة المغلقة إلى النظام المفتوح فترةً طويلةً، حتى يستقر ويصبح محكوماً بقواعد صلبةٍ ومحترمةٍ من جميع الفاعلين. وفي هذه الفترة بالذات، يحدث صراع إرادات، حيث يعمل كل طرفٍ على الإمساك بمفاصل أساسية من الدولة والأسواق والمجتمع، بهدف حماية أهدافه ومصالحه، ما يولّد مناخاً ملائماً لنشوء تجاذباتٍ حادّة بين قوى الدفع نحو الأمام وقوى الجذب نحو الخلف. ولهذا السبب بالذات، يكثر الجدل حالياً في تونس عن شبكات الفساد التي توسعت وتشعبت، بشكل غير مسبوق، وأصبحت تمثل تهديداً جدياً للمكاسب الديمقراطية التي تحققت، خلال السنوات القليلة الماضية. ولهذا السبب أيضاً، تستمر حالة القلق لدى عموم التونسيين، خوفاً من المستقبل، ومن تكرار الفشل وحصول انتكاسةٍ عنيفة. وبناء عليه، يتساءل كثيرون عما ستفضي إليه المشاورات التي يقوم بها حاليا رئيس الجمهورية مع الأحزاب والكتل البرلمانية، والتي يجب أن تؤدي، بعد عشرة أيام من تاريخ انطلاقها، إلى تعيين رئيس حكومةٍ جديد، يفترض فيه أن يكون مختلفاً عن سابقه، من حيث أسلوب إدارته الشأن العام، وأن يكون قادراً على الالتزام بالأولويات التي وقعت عليها معظم الأحزاب والمنظمات الاجتماعية.


طويت صفحة الحبيب الصيد الذي، على الرغم من دفاعه عن أداء حكومته، إلا أن الذين منحوه الثقة في البرلمان لم يتجاوزوا ثلاثة أصوات. وبقطع النظر عن تقييم أداء حكومته، فالمهم ألا يكون هذا التغيير قد تم من أجل التغيير، أو لخدمة أجنداتٍ خفيةٍ أو فئوية. فاستبدال رئيس حكومة بآخر ليس هدفاً في حد ذاته، إذا لم تترتب عنه نتائج ملموسة وإيجابية، وهو ما يقتضي نضجاً كثيراً لدى الأطراف التي ستشارك في هذه المشاورات، من أحزابٍ ومنظماتٍ وشخصيات مستقلة.

الجميع محشورون داخل الغرفة نفسها، موالاة ومعارضة، سياسيين ومثقفين وناشطين. لم يعد مسموحاً تكرار الأخطاء السابقة، والأخطر من ذلك المشاركة، بوعي أو بغير وعي، في مزيدٍ من إضعاف الدولة في مقابل تقوية درجات الإحساس بالشك لدى التونسيين في الجدوى من الديمقراطية. هذا ما تريده بعض القوى الإقليمية، وهذا ما تسعى إليه شبكات الفساد والثورة المضادّة، فهذه الأطراف تعتقد أن تعميق الفوضى يمكّنها من تحقيق اختراقاتٍ واسعةٍ، تجعلها أقدر على التحكم في مصير المجتمع، وفي تركيع الدولة.

صلاح الدين الجورشي – العربي الجديد