الرئيسية الأولى

الإثنين,16 نوفمبر, 2015
تونس…حركة طلاّبيّة عائدة من الموت

الشاهد _شأنها كشأن باقي دول المنطقة العربية فإنّ الجامعات التونسيّة تعتبر حديثة فقد نشأت في أوائل القرن العشرين و أعتبرت الخزّان الرئيسي و الأساسي الذي يعتمد عليه في توفير اليد العاملة المختصّة من جهة و في توفير الكفاءات القادرة على تسيير الدولة من جهة أخرى و لكنّ سياسات تلك الدولة نفسها كان لها تأثير قد يختلف الباحثون في توصيفه بين الإيجاب و السلب على الجامعة و على الحركة الطلاّبية و فئة الشباب و المجتمع عموما.

في تونس كانت الجامعة و لاتزال تموّل الحركة الوطنيّة بالنخب و القيادات السياسيّة البارزة فحزب التجمّع المنحلّ على سبيل المثال قد أرسى أكاديميّة سياسيّة برمّتها لشبابه تتّجه على وجه الخصوص إلى إستقطاب الطلبة الناشطين و المتميزين و تنجح الآلة كذلك في جلب بعض الوجوه النقابيّة الطلابية المؤثرة معهم بغاية تدجينهم و إعدادهم لمباركة سياسات النظام أوّلا وتقديم الولاء لزعيم البلاد ثانيا و من ثمّة إقحامهم في المشهد و على الجهة المقابلة إمّا صمت مطبق ولامبلاة مثيرة للجدل يمكن تفسيره بأشكال و بطرق مختلفة أو حراك مرتهن لآلة حزبيّة أخرى غير التجمع المنحلّ و قد بقيت “دار لقمان على حالها” رغم هامش الحريّة الواسع و عودة النقابة الطلاّبيّة المحسوبة على الإسلاميين إلى النشاط بعد سنوات من الحضر أو بعض المنظمات الفتيّة الأخرى الناشئة حديثا و في جميع الأحوال لا يمكن إنتظار تجديد كبير و تطوّر بشكل واضح في الحركة الطلاّبيّة في وقت وجيز أولا و في ظلّ التجاذبات و ما تعيش على وقعه البلاد من صراعات ثانيا.

 

الغرق في الإيديولوجيا و الإنضباط للمواقف والتوجيهات الحزبيّة إلى جانب غياب شروط حياة طلاّبية سليمة مثّلت كلّها هواجسا و عوائق كبيرة تقف حجر عثرة لتطوّر الحركة الطلاّبيّة في الإتّجاه الصحيح و على الرغم من ذلك و من قناعة عدد من الفاعلين في المشهد الطلاّبي بحقيقة الأزمة التي تعيشها الجامعة يمكن القول بأنّ إنتخابات المجالس العلميّة قد إكتسبت مع مشهد الحرية و التعددية صبغة خاصّة بعد الثورة وهي تكاد تكون الحدث الطلابيّ الوحيد الذي يستحق المتابعة و الإهتمام تفكيكا و تحليلا رغم أنّه يشهد تمثّلا حقيقيّا قد يصل إلى مستوايات كارثية للصراعات السياسيّة و الإيديولوجيّة فقد سجلت عدّة فروع جامعيّة أحداث عنف متبادل و محاولات لإيقاف عمليّة التصويت و عدّة من أشياء أخرى.

 

ضعف درجات الوعي و الإنخراط في المعارك الحزبية السياسيّة لعدد من الفاعلين في الحركة الطلابيّة إلى جانب الأزمة التي تعاني منها البلاد برمّتها من جرّاء تركة سنوات القحط و الحيف و الفساد و الإستبداد هي أسباب مباشرة لركود الحركة الطلاّبيّة التي تشهد محاولات إنعاش متواصلة من هنا و هناك و لكنّ الثابت أيضا أنّ تقهقر الجامعات التونسيّة في ترتيب أحسن الجامعات في العالم و في المنطقة و طبيعة تشكلّ النخب الجامعيّة في السنوات الأخيرة إلى جانب أزمة البرامج التعليميّة إذا أضفنا إليها طبيعة الفئة العمريّة للمتواجدين داخل الحرم الجامعي التي تتّصف عادة بالتوتّر و المزاجيّة و التذبذب في خياراتها تصبح مؤشرات تدفع نحو تفكير جدّي و عميق في أزمة و إن بدت حاليا داخل أسوار الجامعات فستصدّر قريبا إلى المشهد العام في البلاد برمّتها.

 

يوم 13 نوفمبر 2015 أجريت إنتخابات المجالس العلمية لهذه السنة و تمّ فرز الأصوات ليتحصّل الاتحاد العام التونسي للطلبة على نسبة 42.35 % من المقاعد في المرتبة الأولى يليه الإتحاد العام لطلبة تونس المتحصل على نسبة 20.8 % من المقاعد في حين تحصل المستقلون و مترشحون عن منظمة صوت الطالب التونسي و نداء الطلبة على نسب ضعيفة أمّا المثير للإنتباه فهو وجود 21.5 % من المقاعد لم يترشّح أيّ طالب لها و لم يقع التنافس عليها من أساسه، نسب قد تبدو من البعيد جيّدة و تحيل على وجود دماء و حركية داخل الجسم الجامعي في البلاد ولكنّ المنتظر عمليا و فعليا من الحركة الطلاّبيّة أو المردوديّة الحقيقيّة ما تزال غائبة غيابا شبه تام بسبب سطوة الإنخراط في معارك أخرى أكثر من ردّ الإعتبار للحركة الطلابية نفسها و للجامعات التونسيّة كقلاع للمعرفة و الإبستيمولوجيا.

بعد غرق لسنوات لأسباب كثيرة مرتبطة أساسا بطبيعة السياسات و تأخر وصول الثورة إلى عدّة مؤسسات من بينها الجامعات التونسيّة تبدو الحركة الطلاّبية التونسيّة متحسّسة ببطء كبير لطريقها أو لعودة بمثابة قارب نجاة من وحل بألوان و أشكال مختلفة.