وطني و عربي و سياسي

الأربعاء,10 يونيو, 2015
تونس تنسف وجود المؤامرة!

الشاهد_تتوهج تجربة تونس الديمقراطية بشكل واضح منذ ثورتها التي أشعلها الشاب محمد البوعزيزي في 17 ديسمبر 2010، وأطاحت بنظام “بن علي” القمعي الديكتاتوري الفاسد، ومع نضوج التجربة ستزداد عمقًا وتأثيرًا وتصبح خيارًا لا غنى عنه مستقبلًا، وهذا ينفي تمامًا ما يتواتر هنا وهناك وتتناقله وسائل إعلام مصرية خاصة وعربية عامة، أن الربيع العربي مؤامرة أمريكية صهيونية غربية فارسية… إلخ، يراد بها تفتيت الدول العربية لدويلات صغيرة ليسهل السيطرة عليها.

وبصرف النظر عن صحة هذا الكلام من عدمه، فالسيطرة على الدول العربية موجودة على أرض الواقع منذ استقلالها بداية من منتصف القرن الماضي، لكن بشكل آخر، فهي جميعها لا تملك قرارها، ولو أن هناك مؤامرة بالفعل لماذا هدأت الأمور في تونس الشقيقة بإقامة انتخابات حرة نزيهة دون تعرض طرف للآخر، لتبقى تونس دون غيرها على الثوابت الديمقراطية والعملية الانتخابية والحقوق السياسية الفردية والجماعية للفرد والأفراد، في زمن قياسي لم يتعد السنوات الخمس، بانتخاب رئيسين هما المنصف المرزوقي والباجي قايد السبسي وسيطرة حزب “نداء تونس” على 85 مقعدًا مقابل 69 مقعدًا لحركة “النهضة” وحزب “الاتحاد الوطني” الحر 16 مقعدًا ثم “الجبهة الشعبية” بـ15 مقعدًا، ثم حزب “آفاق تونس” 8 مقاعد، وحصلت أحزاب صغيرة وقوائم مستقلة على 24 مقعدًا، وهي الانتخابات التي أجريت أكتوبر العام الماضي، وأقرت حركة “النهضة”، بهزيمتها، رغم سيطرتها المطلقة في برلمان ما بعد الثورة، وهنأت خصمها على الفوز، وسط إشادة عالمية بنزاهتها وشفافيتها.

تعريف المؤامرة

المؤامرة لا بد من تعريفها أولًا، فهو مصطلح يشير (كما يقول المؤمنون بالتشكيك بالأحداث العالمية) لمحاولة شرح السبب النهائي لحدث أو سلسلة من الأحداث (السياسية والاجتماعية أو أحداث تاريخية)على أنها أكاذيب، وغالبًا ما يحال الأمر إلى الحكومات على أنها متآمرة بشكل منظم وهي وراء تلفيق الأكاذيب “لدولة ما أو شعب ما”، يتطلع للانعتاق وتحرير أرضه من غزو عسكري أو اقتصادي أو ثقافي… إلخ.

كثير من مؤمني نظريات المؤامرة يدّعون أن الأحداث الكبرى في التاريخ قد هيمن عليها الكاذبون وأداروا الأحداث السياسية من وراء الكواليس، ليصلوا إلى هدفهم سواء التآمري لتدمير حضارة أو ثقافة منافسة تمثل خطرًا على المتآمر، “وهو ما يروج له الإعلام العربي المناهض للحريات والمؤيد للنظم القمعية العربية”.

إلى هنا يبدو الأمر عاديًا، لكن لماذا لم تصل المؤامرة لتونس؟، وهي من أعطت إشارة البدء لثورة الشعوب العربية؟، الإجابة أسهل مما يتصور البعض وهي: “تونس رغم اختلاف الأيديولوجيات بين أطياف الشعب والأحزاب والنخب السياسية وهو أمر صحي” إلا أن هناك إجماعًا على ضرورة ترسيخ المفهوم والتجربة الديمقراطية لتكون محور حكم الدولة مع تداول دائم للسلطة، وترك الخيار للشعب في النهاية ليقرر مصيره وهو المسؤول الأول والأخير عن اختياراته، ورأينا الدول التي يتهمها الإعلام المصري مثلًا بالتآمر على مصر تشيد بالتجربة الديمقراطية وآخرها إشادة أوباما رئيس أكبر دولة في العالم بالتجربة والثناء عليها كثيرًا، وهل يوجد متآمر يشيد بتجربة هو متهم بالتآمر عليها.

عقلية إقصائية بالأساس

لكن لماذا تبدو تجربة تونس هي الوحيدة التي نجحت في الاختبار، وفشلت في مصر وليبيا واليمن والعراق وسوريا للآن، النجاح التونسي لم يكن صدفة بل هذا عائد لثقافة شعب ويقظته الدائمة وعدم إنجراره لثورة مضادة من قبل رموز الدولة العميقة، كما جرى في مصر وانسياق قطاع كبير من الشعب خلف فئة هي من جلاديه في الأساس، ليقضي على ثورة 25 يناير وقتلها في مهدها، غير عابئ بما يفعله، لتضح بعد ذلك الأهداف من الثورة المضادة في 30 يونيو، وعودة مصر لنقطة الصفر التي بدأت منها في صبيحة 23 يوليو 1952، لتبدو العقلية الإقصائية التي حكمت في ما قبل 25 يناير في أوجهها الآن بعدم الاعتراف بأي فصيل آخر وترك الأمر للجيش ليقرر مصير الوطن، واعتلى سدة الحكم الرجل الأول في الجيش، وغابت الانتخابات البرلمانية لحين تشكيلها بشكل ديكوري يكون لعبة في يد الرئيس الحاكم بتمرير كل قرارته التي يريد بها إحكام قبضته على الدولة.

وما جرى في مصر يدور رحاه الآن في ليبيا واليمن وسوريا والعراق، للوصول لصيغة حكم قمعية، وهذا عائد لعقلية وثقافة هذه الشعوب وتأقلمها على نمط حكم معين، ولا وجود للمؤامرة هنا، وكل ما يدور في هذا البلدان هو صراع على السيطرة على مقدرات الدولة وليس الوصول للديمقراطية الحقة التي تنشدها الشعوب المتطلعة لها في المستقبل القريب وثارت لأجلها.

الأمل باق ولم يتبدد

وثمة سؤال يطرح نفسه بقوة على الساحة العربية وهو “هل هناك أمل في تحول الدول العربية التي تعاني الصراعات إلى الديمقراطية نهاية المطاف؟” نعم الأمل قائم شرط الاستفادة من تجربة تونس التي نما بستانها رغم الشوائب التي لحقت به في البداية وأوقفت نموه، لكنه تغلب عليها بنجاح، وتسير في طريقها الصحيح مرسخة وجودها في الأرض ليصعب العودة إلى ما قبل ثورة البوعزيزي، وهو ما يعطينا كثيرًا من الأمل بأن تحقيقها في مصر والدول العربية الأخرى ممكن بقوة خلال السنوات المقبلة، على أن يكون المدخل الأساسي للديمقراطية بالمصالحة المجتمعية الشاملة في هذه البلدان، وأن تعي كل الأطراف أن ممارسة مزيد من الإقصاء بات أمرًا مستحيلًا، ولا بد من جلوس الجميع لمائدة المفاوضات للتصالح، ومن ثم اللجوء لصندوق الاقتراع فهو من يحدد اختيارات الشعب ويشكل هوية الدولة وطرق حكمها بشكل صحيح يعكس بقوة دولة المؤسسات وطريقها إلى التقدم والنجاح.

سمير البحيري