كتّاب

الخميس,13 أكتوبر, 2016
تونس “المتوافقة” : تحديات الواقع و “نزوات” السياسيين …

تحمل حكومة الشاهد الحالية صفة حكومة “الوحدة الوطنية” و يُصر زعيم الحزب الثاني بالبلاد على شعار “التوافق” خيارا استراتيجيا لحركة النهضة في علاقتها مع خصومها السابقين و شركائها الحاليين في الحكم  و هو ما لم يعبر رئيس الدولة و مؤسس الحزب الأول على  عكسه الى حدود هذه اللحظة رغم ما يبدو أحيانا في نبرات خطابه من “تعال” و “ابتزاز” لشريكه “الاسلامي” .

رغم  هذا الاستخلاص لا يُخفي الملاحظون للمشهد التونسي ما  يكتنف الحياة السياسية من غموض و عدم يقين و احتقان  يمكن أن يهدد تجربة “الشراكة الهشة” و يفتح  الصراع على استقطابات قد تمس من روح “الوفاق” و “الحوار” و “التسويات” التي يعتمدها المتابعون في الداخل و الخارج مؤشرا لتثمين التجربة التونسية  التي نجت الى حد الآن من الضريبة المرتفعة  للدماء و الآلام التي تعيشها البلدان العربية الاخرى التي شهدت تحولات ما سمي بالربيع العربي .

مخاوف مكتومة في محيط “الشيخين” …

لم يتوقف رئيس الدولة و مؤسس نداء تونس منذ التحاقه بقرطاج بعد انتخابات 2014 عن بعض التصريحات و الاجراءات  التي فهم منها البعض تلميحا لإمكانية التراجع المفاجئ عن الشراكة و التوافق و “السلام”  مع  شريكه النهضاوي منذ ما سمي بلقاء “الشيخين” في  باريس وصولا الى الانتخابات الرئاسية التي لم يخف فيها “الغنوشي” مساندته للرئيس الحالي حتى تشكيل حكومة الحبيب الصيد .

ظل الباجي قايد السبسي يتكلم من موقع “التعالي” على تجربة “التوافق” فاعتبرها “اكراها انتخابيا” و ظل يُذكر بأن استمرارها  مشروط   بحسن “سلوك” شريكه و لم يتردد في اعلان “مجاني” بأنه ليس “مدينا” في شيء للنهضة و رئيسها و في آخر حوار له مع صحيفة “القدس العربي” أكد  اعتماده  على  منهج “التدرج” و “الحذر” في تشريك النهضة في الحكم  حين ذكر بأنه هو الذي اختار مرشح النهضة لمنصب نائب رئيس البرلمان بعد رفض مقترح أول لشريكه و أنه  مكن ضمنيا النهضة من “وزير واحد” في حكومة الصيد قبل أن يسمح بنيلها لأكثر من حقيبة في حكومة يوسف  الشاهد الحالية .

و في سياق متصل أشار الباجي قايد السبسي في حواره الأخير هذا الى “توجسه” من “صمت” الرافضين للتوافق داخل النهضة مؤكدا أنه “لن يتقدم أكثر قبل أن يكون متأكدا من أنه يسير على أرضية صلبة” .

ملاحظون عديدون للمشهد السياسي التونسي  يؤكدون أن هذه التصريحات “المتعالية” للرئيس الباجي قايد السبسي هي مجرد تصريحات للاستهلاك الداخلي وسط أنصاره الذين لم يهضموا  الى حد الآن هذه الشراكة مع “عدو” الأمس .في حين يذهب آخرون الى اعتبارها جزء من المناورات السياسية  للعجوز “البورقيبي” الذي يدرك جيدا أن لا نجاح  له إلا باستمرار هذا “التوافق” و لكنه يريد تسجيل بعض نقاط  التقدم النفسي على حزب منافس حافظ على تماسكه التنظيمي رغم الظروف الدولية التي يمر بها “الاسلام السياسي” في العالم العربي و رغم  التباينات العميقة داخله بفعل   المراجعات الموجعة التي أقدم عليها في مقابل التشظي الدراماتيكي  لحزبه نداء تونس.

و يذهب متابعون آخرون الى اعتبار تصريحات الباجي و “لمزه” لشريكه يندرج في اطار  رغبته الدائمة في المسك بسلطة تقرير المصير السياسي للبلاد بعده  و ضمان  استمرار من يرضى عليه من “فريقه” في قيادة المشهد و لعل السرعة في اقالة الحبيب  الصيد  و اعلان مبادرة حكومة الوحدة الوطنية و تعيين يوسف الشاهد دون تنسيق واضح مع النهضة دليل على هذه الرغبة في “قطع الطريق” أمام النهضة حتى لا تتحول الى الحزب الرئيسي مستفيدة من تشظي حزب الباجي و ان كانت هذه الرغبة لا يمكن أن تصل الى حدود “الطلاق” و انهاء تجربة التوافق أو الدخول في “مواجهات”  لن يقدر عليها و لا تتحملها البلاد و لن يقبل بها أحد من “المعنيين بالاستقرار التونسي” فضلا عن كونها خيارا لم يعد له مكان بعد الثورة و الانتقال الجذري الذي شهدته البلاد و استحالة العودة الى استعمال اجهزة الدولة لحسم الصراعات كما كان الأمر في التسعينات .

هذه التحاليل المُقللة من مخاطر انفراط التوافق لم تمنع  اشارات من هنا و هناك ترفع من منسوب الخوف على “التجربة التونسية بقيادة الشيخين” فلم يتردد “خالد شوكات” القيادي في نداء تونس و الوزير السابق في تحذير الرئيس  من  بعض المحيطين به في قصر قرطاج ممن يحنون الى عهود المواجهات و التشنج و الانفراد بالحكم  و ثقافة “الاستئصال” و هي نفس التهمة التي وجهها  لطفي زيتون المستشار السياسي للغنوشي  للمتوترين من الجهتين سواء كانوا من “الثورجيين” الذين يدفعون النهضة الى القطع مع التوافق أو من “الاستئصاليين” الذين يحرضون رئيس الدولة على فك الشراكة معها . و لعل نائب النهضة في البرلمان ماهر المذيوب قد كان حاسما في تدوينة له نادى “هتف”  بحياة الباجي و الغنوشي”  الذين قارنهما بزعيمي جنوب افريقيا “مانديلا” و “دي كليرك” مهاجما من وصفهم بقبائل “الزولو انكاتا ” من دعاة “المواجهة” بين الشيخين  .

في سياق قريب يتوقف ملاحظون عند استمرار نبرة العداء و التحريض على مرحلة الترويكا و النهضة في وسائل الاعلام العمومية و الخاصة و التي يتواصل فيها “التعيين” على قاعدة مجازاة  المعادين للنهضة و حكم الترويكا . أما أهم  المؤشرات المعمقة للتخوف على مصير التوافق ما يروج حول امكانية تشكيل جديد للمشهد السياسي على قاعدة كتلة واسعة يسميها البعض “جمهورية” و يصفها آخرون “بالديمقراطية” تبدو محكومة مرة أخرى بعقلية الاستقطاب مع النهضة و التخويف منها و يبدو أن  من وراء هذه المحاولات هم على العموم ممن لا يرتاحون كثيرا لحكم شراكة  توجد فيه النهضة حاليا .

الاحتقان و الملفات الملغومة و صناديق السياسة السوداء …

قامت وثيقة قرطاج التي أسست لفكرة “حكومة الوطنية” على تشخيص حقيقي للتصدعات التي تعيق الاستقرار اللازم للتنمية و مواجهة تحديات السنة القادمة . و لا شك ان وعيا باختلال التوازنات المالية و انكماش الاستثمار و استمرار المنسوب المرتفع للبطالة و التهميش دفع الى اعتبار الحرب على الفساد و الارهاب و بداية الاصلاحات الجذرية في مجالات الجباية و الادارة و قوانين الاستثمار أولويات مهمة . و لكن بعد ما يفوق الشهر من تسلم يوسف الشاهد للحقيبة يثبت للجميع أن صعوبات جمة تواجه قطار “السياسة الاصلاحية” المحققة لمطالب البلاد و العباد . لم تتمكن حكومة الشاهد من اقحام كل الاطراف السياسية  و لم تنل “الحماس و الانخراط الكامل” للمنظمتين الكبريين و استمرت وضعية التجاذب و التأويل المتباين للوثيقة و آخرها أزمة الزيادة في الأجور و امكانية تأجيلها ما قد يفتح البلاد على أزمة اجتماعية .

تبدو الحرب على الفساد و الاقتصاد الموازي و التهريب و تعديل الوضع الجبائي عمليات خطيرة في مشهد سياسي حكمته منذ سنوات الثورة “اللوبيات” المالية التي تقف وراء تمويل عدد من القوى السياسية و الاعلامية ما يجعلها عائقا أمام  دخول فعلي في اصلاحات قد تهدد مصالح عديدة تُمسك علنا أو سرا بمسارات السياسة و الفاعلين فيها بعد أن انفتح الميدان أمام المستثمرين فيه ممن هب و دب و في وضع من ضعف الدولة و غياب تعبئة شعبية على “مشروع وطني” و حول “طبقة سياسية” تهتز ثقة الناس فيها و لا تبدو الطبقات الشعبية مستعدة للتضحية معها في اجراءات تريد أن تكون موجعة للمسحوقين اكثر من ايلام الحيتان الكبيرة .

من جهة أخرى يبدو منسوب الفساد المرتفع الذي نخر الادارة و مؤسسات الدولة  و الاحزاب و الساحة الاعلامية و الذي تسرب حتى الى مسام المجتمع  و جمعياته و قوى الضغط داخله عائقا أمام تحول “الوحدة الوطنية” في مواجهة الفساد و “معركة التنمية” عنوانا موحدا للجميع . بالإضافة الى ذلك يبدو انقسام الطبقة السياسية  و استمرار تشظيها الايديولوجي و الثقافي  و ضعف ثقافة “التوافق الوطني” لدى زعاماتها و قواعدها عائقا أمام  تحصين مضمون لوضعية “الاستقرار التوافقي” الهش . كما  ان تعمق الاحساس بالضيم و التهميش لدى الطبقات الشعبية و احساسها بالقطيعة بينها و بين الطبقة السياسية بمختلف تلويناتها يمكن أن يفتح على مظاهر احتقان يعصف بما تبقى من مظاهر “تسوية” بين المتصارعين . و لا شك أيضا ان الوضع الامني يبقى في مهب الريح في سياق اقليمي و دولي عاصف .

لا بديل للتونسيين اليوم من استمرار التسوية على علاتها و الاحتكام الى التوافقات و المقايضات و المساومات الضرورية  للاحتفاظ بالاستقرار اللازم وسط وضع عالمي غامض لن تتمكن البلاد من ضمان سلامتها فيه ما لم تملك طبقتها السياسية شجاعة القبول بالأدنى في تحقيق مصالحها الحزبية مقابل ضمان الأقصى في مصلحة البلاد و لكن ذلك لن يكون مجديا دون سياسة جريئة في مقاومة الفساد و انصاف المحرومين و القطع مع عقلية الغنيمة و الاقصاء السياسي او الاجتماعي .