الرئيسية الأولى

الأحد,19 يونيو, 2016
تونس… العدالة الانتقالية والذاكرة الجماعية

الشاهد_ أنهت يوم الأربعاء الفارط هيئة الحقيقة والكرامة، في تونس، تلقي الملفات المتعلقة بالانتهاكات التي تعرّض لها التونسيون على امتداد أكثر من ستة عقود من تاريخ دولة ما بعد الاستقلال.

وشهدت الأيام الأخيرة إقبالاً منقطع النظير، ما استوجب فتح الهيئة مقرّاتها المركزية والجهوية ليلاً أمام طوابير عديدة، كما استنجدت بفرق متنقلة، توجهت إلى المناطق الداخلية لجمع تلك الملفات.

وربما شكّل هذا إحدى النقاط المضيئة التي تُحسَب للهيئة التي ظلت تحت القصف الإعلامي الذي لم ينقطع منذ تأسيسها في ديسمبر2013، بموجب قانونها الأساسي، المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها.

كانت الأيام الأخيرة من تلك الآجال التي عيّنت سلفاً لتلقي الملفات متميزةً بكل معاني الكلمة، حيث تضاعفت في أيام قليلة الملفات المودعة، كما سجلت أيضاً قدوم المنظمات الوطنية والجمعيات والأحزاب وعدة نشطاء قضايا حقوق الإنسان والسياسيين لإيداع الملفات.

أودع الاتحاد العام التونسي للشغل وجمعية القضاة وحزب العمال وحركة النهضة وغيرها من المنظمات ملفاتهم. وظلت الأنفاس محبوسةً، حول ملفات الدولة التونسية، باعتبارها متضرّرة، والتي لم تقدّم إلا في ساعاتٍ قليلةٍ، قبل غلق الآجال، وقدّرت بحوالى 680 ملفاً باعتبارها متضرّرة.

كانت الحصيلة مهمةً، فعدد الملفات المودعة كان قد ناهز 65 ألف ملف. حدث هذا الإقبال المهم في مناخٍ غير مواتٍ ظاهرياً، إذ يخشى عديدون أن تكون حكومة الوحدة الوطنية التي عبر عنها رئيس الجمهورية، الباجي السبسي، في مبادرته أخيراً، والتي تجري بشأنها مفاوضات شاقة، المظلة التي تحتها قد يعود رموز النظام السابق إلى الحكم، خصوصاً وقد قاموا “ببروفات” ناجحة، لعل أهمها كان الاحتفال بمناسبة مرور 60 سنة على ذكرى بعث وزارة الخارجية، حيث استقبل رئيس الجمهورية، على هامشها، أكثر وجوه النظام السابق تصلباً، ناهيك عن تردّدهم على قصر قرطاج، بمناسبة المشاورات الحالية التي تدور بشأن حكومة الوحدة الوطنية.

كانت الأيام الأخيرة من أعمال هيئة الحقيقة والكرامة مهمةً على جميع المقاييس، خصوصاً وقد مسّت صورة الهيئة، سواء من خلال الصراعات الداخلية التي تشقها، أو الشيطنة المستمرة التي لاحقتها منذ تأسيسها، كما ذكرنا من عدة أطراف، لعل أخطرها الدولة العميقة وحتى بعض أجهزة الدولة الرسمية التي إما أعاقت عمل الهيئة، أو لم تبدِ التعاون الكافي معها.

تلقت الهيئة ذلك الكم الهائل من الملفات ممن تضرّروا، أفراداً وهيئات وهياكل، ما يؤكد رغبة

هؤلاء التونسيين في صياغة ذاكرة جماعية، تستعيض عن أعمال الانتقام أو التشفي الممكنة، برغبةٍ ملحةٍ، في تجاوز تلك الآلام من خلال توثيقها واستخلاص العبر منها، حتى لا تتكرّر، قادماً تحت أي ذريعة ممكنة. كان التونسيون مباشرةً بعد الثورة، وحينما ضعفت أجهزة الدولة، وخصوصاً المؤسسة الأمنية والعسكرية، أمام خيارين ممكنين: الاستسلام إلى مشاعر الحقد والكراهية والانتقام أو التدبر الطوعي لبدائل أخرى غير العنف، فكان لهم ذلك، واهتدوا، بعد تجاذبات عسيرة وشاقة، إلى تطوير صيغةٍ من صيغ العدالة الانتقالية، استلهاماً من تجارب مماثلة. لم يكن هذا الخيار سهلاً، بل كان، ولا زال، محل انتقادٍ كبير، خصوصاً، في ظل البطء الذي أصاب مراحله، وحالة التطبيع المفروضة أحياناً مع رموز تلك الانتهاكات الأشد فظاعةً، فحتى الأحكام التي صدرت كانت أحياناً مستفزة ومهينة في حق الضحايا وشهداء التعذيب.

انتصار التونسيين لكتابة ذاكرتهم الموجوعة والمكلومة، في سياقٍ يعود فيه الجلادون حالياً، في تبجح مثيرٍ، إلى احتلال المشهد السياسي والإعلامي، هو أيضاً أحد وجوه الاستثناء الذي صنعوه، وفيه أكثر من معنى، وربما تكون الرسالة “أننا إذا عجزنا عن صدكم وأنتم تعودون إلى تصدّر المشهد الحالي، فإن التاريخ الذي سيكتب عنكم لاحقاً سيذكركم بصفتكم جلادين. وإذا كان التاريخ يكتبه المنتصرون، فإننا، هنا، نحن الضحايا المنتصرون للحقيقة والإنصاف، الأجيال القادمة المتخلصة من قبضتكم، ستقرأ تاريخ حقيقتكم”.

تودّع الشعوب عادة بعد الثورات جزءاً من ذاكرتها وأحلامها وانتظاراتها، في مؤسساتٍ، على أمل أن تصبح جزءاً من ذاكرة مشتركة. لذلك ابتكرت متاحف الذاكرة والأرشيفات والأعمال الفنية الكبرى التي تخلد تلك المشاعر الجماعية العميقة، وأعتقد أن هيئة الحقيقة والكرامة ركنٌ متينٌ للتونسيين لحفظ ذاكرتهم تلك. لذلك، خصّصت الهيئة لجنةً خاصة، صلب هياكلها لحفظ الذاكرة، بالتعاون مع مختصين في التاريخ والعلوم الاجتماعية وغيرها.

لا أحد ينكر أن هذا المسار محفوفٌ بالمخاطر، والمصالحة المشبوهة التي ارتطمت، في المرات السابقة، برفضٍ شعبيٍّ، أنصفه القضاء الدستوري لاحقاً، حين أرادت مؤسسة رئاسة الجمهورية تمرير مشروع المصالحة الاقتصادية، مثلاً، تحتاج إلى أن تكون أكثر إنصافاً بالمعنى الأخلاقي والقانوني. فمسار العدالة الانتقالية فيه خطواتٌ عديدةٌ، على غرار كشف الحقيقة والمساءلة والمحاسبة وضمان ألا تتكرّر الانتهاكات. ولكن ما علينا ألا نخسره أبداً، حتى وإن تعثرنا في تحقيق ما سبق من أهداف هو حفظ الذاكرة، حتى لا تذهب تلك التضحيات هدراً.

تطوي هيئة الحقيقة والكرامة مرحلة مهمة من عملها، لتبدأ مرحلة أعسر، تتمثل في الاشتغال على آلاف الملفات، دراسةً وتحليلاً وتقصياً، حتى يعرف التونسيون كل الحقيقة حول ما جرى في تاريخهم القريب هذا من انتهاكات. لن تكون المهمة صعبةً، خصوصاً وأن جزءاً كبيراً من هذا “الصندوق الأسود” ما زال بأيدي الدولة العميقة، بل يقال إنه تم إتلاف بعضه. ولكن، سيكون من المفيد لتلك الجراح حتى تندمل أن نكشف عن الحقيقة كاملة.

الهادي مبروك – العربي الجديد