كتّاب

الإثنين,9 مايو, 2016
تونس الثورة و خريف العرب :فتنة التسوية أم حكمة التأسيس؟

HABIB BOUAJILA

بقلم الحبيب بوعجيلة

الشاهد_المآلات الدراماتيكية و ارتفاع ضريبة المسارات الثورية في بلدان ما سُمي بالربيع العربي تمنح التونسيين بلا شك احساسا عاما بالارتياح و مزيد التوجس من مصائر الاحتراب كلما ارتفع منسوب الاحتقان الاجتماعي و التجاذب السياسي بين الفرقاء .

و رغم هذا “الاعتزاز” الذي تبديه بعض أطياف المشهد السياسي في تونس و عدد من دول و منظمات و شخصيات العالم بما أُطلق عليه بالنموذج التونسي إلا أن ما يخشاه الصادقون هو أن يكون هذا النموذج مجرد “هيولى” بسيقان من طين ما يجعل استقرار مسار الانتقال مجرد رماد تسووي ( بلا مكاسب اجتماعية و بضرائب وطنية و اخلاقية باهضة ) بين طرفين رئيسيين من الطبقة السياسية (النهضة و النداء) يتجاهلان لهيبا كامنا يتغذى من تربص الأطراف السياسية المقصية من “الصفقة” و من الاحباطات الاجتماعية للناس و ربما من اقحام تونس في محاور المعاداة أصلا لطموحات أمتها و وطنها العربي.

الاحتقان الاجتماعي و انقسام النخبة التونسية في سياق الزلازل الاستراتيجية التي تجتاح الآن وطننا العربي و التي لن تكون تونس بمعزل عن ارتداداتها… كل ذلك يقتضي وعيا مسؤولا من كل الطيف السياسي و الثقافي بالبلاد تحصينا لهذه الرقعة الصغيرة التي لا يبدو انها قادرة على تحمل “براكين الخراب” التي لا يمكن أن نطلب الصبر عليها من شعب يعاني هشاشة حقيقية موروثة من سنوات الاستبداد و الفساد و التخريب الرمزي و المادي ما يجعله مهيئا الى التحول الى ابشع مراتب التيه و التشتت القاتل و قابلية الخضوع لو طالت معاناته .

لذلك فان كل توافق سياسي تونسي في هذه المرحلة يبقى محمودا و تحصينا لثورتها و انتقالها و كل دعوة لمزيد الاحتراب و التنافي ستصب موضوعيا عن قصد أو دونه في التآمر على مصير مسارنا الفريد و لكن كل توافق لا تؤصله مشتركات و قناعات يصبح مجرد تكتيكات مخاتلة لا تحصن بناء .

 

ثورة أم انتقال ؟ …فليكن تاسيسا وطنيا ….

 

يصر الخائفون من “سردية الثورة” على مخاتلة استراتيجية في رواية حقيقة ما وقع بين 17 ديسمبر و 14جانفي 2011 عبر الاصرار على أن الأمر لم يكن أكثر من انقلاب داخل المنظومة القديمة التي تصدعت الى أجنحة و تيارات تحت ضغط انتفاض “حشود” مصطنع بتدخل و توجيه من قوى “خارجية” .

تنتهي هذه الرواية الى مجرد قراءة تآمرية تستريح الى “أسطورة الربيع العبري” و “مؤامرة الشرق الأوسط الجديد” بالاستناد الى خرافة “الغزو القطري التركي” تارة و فوبيا “الوهابية السعودية” تارة أخرى لتبرر بذلك نزوع الانقلاب على المسار و استعادة منظومة “الامن و الأمان”.

سوء الاداء الذي ابدته الترويكا في فترة حكمها اضافة الى استعصاء الدولة العميقة و لوبيات الفساد عن القبول بحقيقة التغيير و دخول الارهاب الظلامي على الخط بدعم غامض من قوى دولية و محلية في سياق واقع اقليمي و عربي متوجس حول رواية التشكيك في “الثورة” الى رصيد غذى انقسام الطبقة السياسية التي عارضت الاستبداد موحدة لتتقابل منذ خمس سنوات في منصات ايديولوجية متقابلة.

 

رواية التشكيك في “الثورة” منحت بالتالي بقايا النظام القديم هامشا معتبرا للمناورة و العودة من جديد طرفا اساسيا في تسوية لم يكن منها بد تحصينا للبلاد من مخاطر حرب أهلية سالت اولى قطرات الدم فيها قبل ان تتدارك الامر طاولة حوار “وطني” برعاية دولية لا ينكرها احد .

لكن انخفاض مسار التغيير في تونس من سقوف الثورة الى أرض الانتقال الديمقراطي بعد الوصول الى انتخابات 2014 و مخرجاتها يوحي بميل غريب الى استسهال سبيل “التسويات” عبر تجاهل فاقع لمنتوج أساسي يبدو لحد الآن الوثيقة المكتوبة الوحيدة التي “توافقت” عليها “الطبقة السياسية” التي تولت أمر “ثورة الحشود ” و نعني بها دستور 27 جانفي 2014 الذي تمت كتابته (برغم الصعوبات) في أفق “تأسيسي” يعترف بشرعية “الثورة” و يقر ضمنا بسقوط منظومة سابقة أطلق عليها الجميع صفتي “الفساد و الاستبداد” مما يجعل كل ايحاء بالتردد في تفكيكها و توهم امكانية استعادتها و رسكلتها مثيرا لمشاعر الناس و معيدا لشبح المواجهات و تكرارا للفشل .

 

وحشة التأسيس خير من أكاذيب التسوية …لو يعلمون

 

أن تكون المنظومة قد تصدعت من داخلها و أن يكون رأسها قد هرب أو أطرده أعوانه بمباركة من هذه القوة الدولية أو تلك فهذا لا ينفي أن انتفاض الحشود قد كشف سريعا ترهل منظومة لم تعد قادرة على الاستمرار رغم أنها تمكنت على امتداد عقدين من “الانتصار” على معارضة نخبوية ظلت عاجزة على اسقاط هذه المنظومة رغم ما عانته منها من قمع و ملاحقة و استئصال دموي .

أجنحة المنظومة التي أسقطت الرأس و القوى الدولية التي سهلت التفكك و الطبقة السياسية التي استثمرت في انتفاضة الحشود يجب أن يدرك هؤلاء جميعا أن منظومة الفساد و الاستبداد لم تعد قادرة على الاستمرار بحيث يكون من العبث الاطمئنان على مصير البلاد بمجرد اعادة رسكلة شخوص هذه المنظومة و آليات عملها و أن الحشود التي لم تتحرك برؤية و لا تنظيم قائد ذهبت مع ذلك بانتفاضها الى تخوم “التأسيس” و ان لم تذهب بطبيعة الحال الى بشاعة الاجتثاث و لعلها فرادة الشخصية القاعدية التونسية التي تقبل بكل من وضع نفسه في سياق التاريخ تخفيفا لوجع الضريبة .

 

محاولات السياسيين رد هذا الانتفاض الى مجرد “تسويات” نخبة لا تأخذ بالاعتبار حاجة الناس الى رؤية شيء “جديد” يتجسد على الارض اقتصاديا و اجتماعيا وتربويا و ثقافيا ستكون محاولات مهددة بالفشل و الانفجار في أي لحظة .

 

لاشك أن كل اتجاه نحو راب الصدع بين “النخب” العلمانية و الاسلامية و لاشك أن كل محاولة لبناء التوافقات بين فرقاء الطبقة السياسية لتوسيع قاعدة المستفيدين من “المشهد الجديد” أمر مهم و لكن كل أشكال التوافقات النخبوية بعيدا عن انتظارات الناس المادية الاجتماعية و حتى الرمزية (نقصد أمنهم العقائدي و القيمي) ستجعل هذه التوافقات مجرد قشرة رقيقة ستزول سريعا لتكشف حجم التناقضات الرهيبة بين المركز و الهامش و بين الدولة و المجتمع و بين الطبقات الاجتماعية و الجهات و هي تناقضات تحتاج سريعا الى حلها “سلميا” حتى لا تعود من جديد في شكل احتراب مأساوي .

 

طبقة سياسية للتأسيس أم للتكرير ؟…

 

يحتاج النطق بطموح الحشود في بناء المستقبل لا تكرار القديم الى عقول “تأسيسية” تدرك أنه قد وقعت ثورة و الى طبقة سياسية جديدة تقطع مع صورة “السياسي الانتهازي” المغرق في حساباته البراغماتية الايديولوجية أو الفئوية .

 

كما يحتاج “التأسيس” الى شجاعة مواجهة اصل البلاء وهو الفساد و الاستبداد الذي انتجته “الدولة الوطنية ما بعد الكولونيالية” التي نخرتها فردانية الزعيم و المستبد لتفرخ اقتصاد المافيوز و سياسة البوليس و الحزب الاوحد و النظام الزبائني .

 

الذهاب الى تأسيس يحصن البلاد و يطمئن الناس لن يكون ببقايا نظام لم يفهموا الدرس فكان أبدع ما اخترعوه استعادة خطاب “بورقيبي” باهت و فج ليصبح “مشروعهم” المستقبلي مجرد أعناق ملوية الى ماض يصعب التوافق على سلامة مخرجاته في وقته فضلا عن صلوحيته الحالية و المستقبلية .

 

و في الاطار نفسه لا يبدو التأسيس ممكنا بطبقة سياسية معارضة سابقا أحيت بعد الثورة صراعاتها الايديولوجية البائسة أو تسابقت في حفلة تكاذب حول مراجعات لا تتجاوز التسابق التكتيكي للارتماء في احضان اللوبيات المالية و السياسية و الاعلامية و الثقافية التي خلفها راس المنظومة الهارب لتستثمر في شبكاتها المتشتتة .

 

وطنية الطبقة السياسية ..خط الأمة أم ابتزاز المحاور…

 

سيصعب التأسيس للناس ايضا في اجواء من الاطمئنان و حصانة القرار الوطني ما لم تتوافق القوى المتصارعة أو المتحالفة على قراءة مشتركة لطبيعة المخاطر و التحديات القومية التي يواجهها وطننا العربي و عالمنا الاسلامي في ظل ارتفاع منسوب الاختراقات الصهيونية و الاستعمارية لنخبنا و اقطارنا و مجتمعاتنا و نظمنا السياسية و في ظل اشتداد خطر استهداف المقاومة .

 

تحول الكيان الصهيوني و مؤسسات “تنمية الديمقراطية” باشراف غربي الى لاعبين رئيسييين في منطقتنا بل و في قلب مسار ثورات العرب و دخول نظم عربية “قديمة” على خط “التدبير” و “التوجيه” لثوراتنا و انتقالاتنا الى الديمقراطية يقتضي التأسيس بين النخب التونسية لمفردات ارضية الفرز الوطني بين القوى و الشخصيات و الاحزاب بما يحفظ هوية تونس العربية بمعزل عن كل أشكال الابتزاز و مقايضة استقرارنا المحلي بارتهان قرارنا الوطني و خيانة الامة .



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.