مقالات مختارة

الخميس,10 مارس, 2016
توضيحات لا بد منها لمواجهة التزييف الإعلامي

الشاهد_1. إنّ الطاعون التكفيري لم تنتجه فترة حكم الترويكا ولا أي حكومة انتقالية بعد 14 جانفي 2011، بل أنتجته سياسات النظام النوفمبري ومنظريه من اليسار الاستئصالي ومن القوى التحديثية الفرنكفونية المهيمنة على مفاصل أجهزة القمع الايديولوجي والأمني، فالإرهاب هو الثمرة المسمومة لسياسات التفقير والتجهيل والتنمية الجهوية اللامتكافئة، وهو نتيجة حتمية لسياسات تجفيف المنابع (كانت لتجفيف منابع الإرهاب نظريا ولكنها عمليا كانت لتجفيف منابع التدين ذاته مما أفقد الشباب أية قدرة على مواجهة الخطابات التكفيرية المسيطرة على الفضائيات وعلى مواقع الانترنيت خاصةً)، والذي ينظر في معدل أعمار المنتمين للتيار التكفير الإرهابي يلاحظ أنهم جميعا ينتمون إلى ثقافة “التحول” التي أنتجها العقل “التقدمي” المتحالف مع الرجعية البرجوازية (لجان التفكير التجمعية كانت متشكلة اساسا من قوى يسارية، وكذلك كانت أغلب القيادات الأمنية التي أشرفت على محرقة الإسلاميين في أوائل التسعينات، وكذلك كانت أيضا أغلب “الكفاءات” التي أشرفت على الإعلام والثقافة)

.
2. استهداف النهضويين بعد كل عملية (أو حتى استهداف السلفيين العلميين الذين لا يؤمنون بالعنف او بالخروج على الحاكم) هو سياسة لا محصول لها إلا تفكيك الجبهة الداخلية وخدمة استراتيجيات الإرهاب القائلة باستحالة التعايش بين الاسلاميين والعلمانيين. كما أن هذا الاستهداف الممنهج لجميع الإسلاميين يمكن أن يدفع ببعض المتدينين إلى اليأس من التجربة الديمقراطية بحيث يشكلون خزانا احتياطيا استراتيجيا للقوى الإرهابية، ولا يمكن لأي عاقل أن ينتج خطابا يعلم أنه يلتقي موضوعيا مع استراتيجيات الارهاب، اللهم ان كانت له أجندات لاوطنية وانقلابية لا يهمها الاحتراب الأهلي ولا تدمير البلاد كلها إن لزم الأمر.

.
3. محاولة شيطنة فنرة الترويكا (والنهضة تحديدا) هي في النهاية استراتجية تهدف إلى”تبييض” فترة الحكم التجمعي، وإلى إخراج المنتمين إليها من دائرة المساءلة السياسية والأخلاقية (والقانونية إن لزم الأمر). فرغم أنه لا يمكن لأي مراقب محايد أن ينفي مسؤولية الترويكا عن تفشي ظاهرة الإرهاب (مثل مسؤولية كل الحكومات الانتقالية المتعاقبة التي عانت من ضعف بنيوي جعلها تعجز عن بناء استراتيجيات وطنية فعالة لاستباق الخطر الإرهابي)، رغم مسؤولية الترويكا جزئيا عن الإهراب، فإن القول بأن الإرهاب بدأ بعد حكم الترويكا هو مغالطة تاريخية من اليسير نسفها بوقائع تاريخية موثقة ، كما أن حصر المسؤولية السياسية عن تفشي ظاهرة الإرهاب في فترة الترويكا هو محاولة فاشلة بنفي المسؤولية عن طرفين آخرين:

.
– أولا، مسؤولية الحكم التجمعي (وحلفائه في اليسار الثقافي الفرنكفوني الاستئصالي) عن تصحير الحقل الديني في تونس وعجزه عن بناء خطاب ديني معتدل يستطيع مواجهة الخطابات الوهابية المهيمنة على الفضائيات وعلى شبكة الانترنيت. وهو ما دفع بالكثير من الشباب إلى البحث عن مصادر للتدين بعيدا عن أئمة” النمط المجتمعي” ومثقفي “المعجزة التونسية”، وهي المصادر التي تم تفعيلها بعد الثورة بحكم ضعف الدولة (منذ فترة حكم الغنوشي والسبسي وليس بدءا من فترة الترويكا كما تحاول الكثير من الخطابات المؤدلجة إقناعنا به).

.
– ثانيا، لا يمكننا نفي المسؤولية السياسية والأخلاقية عن كل الحكومات المتعاقبة على حكم تونس بعد الثورة، ولا عن الأطراف الاجتماعية التي ساهمت في استضعافها (بدءا من المواطن، مرورا بالنقابات، وانتهاء بسيطرة الفكر التكفيري على المنابر الدينية وعجز الحكومات عن مواجهتهم في مستوى بناء خطابات دينية بديلة، مما جعلهم يحصرون البدائل في رسكلة الأئمة التجمعيين، ويحصرون المواجهة في البعد الأمني الصرف).
.

4. يجب عل اليسار الاستئصالي وعلى الكثير من النخب التحديثية ألا تنسى أنّ مسوليتها المباشرة عن دماء النهضويين وغيرهم ممن يتهمونهم بالإرهاب أعظم ألف مرة مما يريدون الاعتراف به (خوفا من الصورة المثالية التي يروجون لها والتي لا تعكس أوهامهم الذاتية أكثر مما تعكس حقيقة أدوارهم التاريخية)، فالنهضويون لم يكونوا يوما جزءا من سلطة بن علي بل كانوا ضحيتها الأساسية، ولم يكن النهضويون يوما منظرين لسياسات تجفيف المنابع المولدة للتصحر الديني والمفضية إلى البحث عن مصادر تدين جديدة، كما أن الإسلاميين لم يشرفوا على وزارة الداخلية ولم يتورطوا في قتل عشرات النهضويين وغيرهم، ولم يكونوا وراء تشريد الالاف خارج حدود الوطن وحرمان عشرات الالاف من أبسط حقوقهم المدنية بدعوى محاربة التطرف والدفاع عن النمط المجتمعي. ولذلك فإنّ محاولة اليسار الاستئصالي وبعض النخب “البورقيبة-النوفمبرية” حشر الإسلاميين في زاوية الاتهام وتبرير الذات، هي محاولة منهم لإبعاد النقاش العام عن مسؤولية تلك الأطراف (بيسارييهم وتجمعييهم) عن خلق الظروف الموضوعية لظهور الإرهاب ودورهم المؤكد في تصحير الحياة الدينية، بل في قتل الحياة السياسية ذاتها زمن بن علي.
.

5. إذا لم يتجاوز اليسار الاستئصالي وكل قوى الردة نحو مربع 13 جانفي 2011، منطق الصراع الوجودي مع الإسلاميين، وإذا لم يخرج من منطق الصراع الثقافوي البائس، وإذا لم يقم بمراجعات جذرية في مستوى دوره في تأسيس منظومة الاستبداد أو إعادة التوازن لها عبر بوابة نداء تونس، وإذا ما أصر على المقاربة البائسة نفسها لمعنى الإصلاح الديني والإصلاح التربوي، فإنه لن ينتج إلا مزيدا من “التوحّش” الذي يلتقي موضوعيا مع مقاصد التوحش التكفيري الإرهابي. ولذلك ينبغي علينا جميعا أن نتجاوز منطق شيطنة Diabolisation الخصم الايديولوجي و”أمثلة الذات” Idéalisation du soi بصورة لا تعكس حقيقتنا ولا حقيقة”خصومنا”، كما ينبغي علينا أن نبحث عما يجمعنا لا عما يفرقنا، خاصة وأن التهديد لا يستثني أحدا، فخصمنا الإرهابي التكفيري لا يفرّق في حربه على الدولة والمجتمع بين نهضوي ولا جبهوي ولا ندائي ولا مرزوقي، فكلهم عنده كفّار أو مرتدون بحكم أخذهم بالديمقراطية وبالقوانين الوضعية.
.

6. ينبغي على النهضة أن تحسم موقفها الفكري بصورة لا لبس فيها من الفكر السلفي الوهابي، وان تعلن اصطفافها المطلق مع القوى الوطنية ضد هذا الوباء التكفيري، مع تأكيد النهضة وكل الفاعلين السياسيين على أن الحرب ليست على الإسلام ولا على مظاهر التدين وإنما هي حرب على الفكر التكفيري المهدد لكيان الدولة وأسس التعايش بين الاهالي، ويجب على قواعد حركة النهضة أن يفهموا أن الاصطفاف الحقيقي ليس بين اسلاميين وعلمانيين، وأن عدوهم الحقيقي ليس العلماني في المطلق، بل إن عدوهم وعدو كل التونسيين هو كل من لا يؤمن بحق الاختلاف وبثقافة المواطنة سواء أكان هذا الشخص إسلاميا تكفيريا أم علمانيا متطرفا من اليسار الاستئصالي ومن القوى “البورقيبية” على المذهب النوفمبري البائس.

 

عادل بن عبد الله



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.