تحاليل سياسية

الجمعة,1 أبريل, 2016
توتّر جديد بين الهياكل القضائيّة و مجلس الشعب و وزير العدل بسبب قانون المجلس الأعلى للقضاء

الشاهد_صادق مجلس نوّاب الشعب التونسي قبل أسبوعين على مشروع القانون المتعلّق بالمجلس الأعلى للقضاء بعد أن أقرّت الهيئة الوقتية لمراقبة دستوريّة القوانين عدم دستوريّة الإجراءات و عدد من الفصول سابقا، غير أن المصادقة رافقها كالعادة نفس الجدل المتعلّق بالدستوريّة خاصّة بعد الإنتقادات اللاذعة للصيغة الجديدة و الإجراءات المتبعة من طرف المجلس من قبل كلّ من جمعيّة القضاة و مرصد إستقلال القضاء.

 

الهيئة الوقتية للقضاء العدلي إنخرطت بدورها في الجدل و إعتبرت ان مجلس نواب الشعب اتجه نحو الانحراف بإجراءات المصادقة على مشروع القانون المتعلق بالمجلس الاعلى للقضاء ، معتبرا ذالك مخالفة لمقتضيات الفصول 85 و121 و122 من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب، بعدم الالتزام بواجب نشر التعديلات المقترحة على مشروع القانون الأساسي على الموقع الالكتروني للمجلس وفتح الآجال للنواب لتقديم طلبات التدخل ضد أي مقترح تعديل وفقا لما تقتضيه أحكام الفصل 121 من النظام الداخلي حتى يمكن ترتيب النتائج على انقضاء أجل تقديم مقترحات التعديل، وهي أساسا عدم جواز تقديم مقترح تعديل إلا من ممثل جهة المبادرة وفق نفس الفصل بعد فوات هذا الأجل.

 

و اشارت الهيئة الى أن المجلس توخى طريقة التصويت مباشرة على الفصول ومقترحات التعديل دون مداولات أو نقاش، بما يتنافى وطبيعة عمل المجالس النيابية القائمة على المداولة والنقاش العام الذي يعتمد مرجعا في تأويل القوانين وتفسير مضامينها في تعارض مع أحكام الفصل 122 من النظام الداخلي الذي يقتضي أن التصويت يعقب مناقشة فصول مشروع القانون.

 

و أكدت الهيئة الوقتية للقضاء العدلي ان مجلس النواب تبنى تصور مخالف لتصور الحكومة الذي انبنى عليه مشروع القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء المعروض على الجلسة العامة بما أدى إلى إسقاط ما يقارب ثلاثين فصلا منه في مخالفة صريحة لمقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 121 من النظام الداخلي الذي يعتبر مقترحات حذف الفصول مرفوضة شكلا.

 

اما من حيث مضمون مشروع القانون المصادق عليه من قبل الجلسة العامة فقد لاحظت الهيئة الوقتية للقضاء العدلي أن مجلس نواب الشعب توجه نحو المحافظة على الاختلاف البين في تصور المجلس الأعلى للقضاء بين ما قدمته الحكومة في مشروعها، وما انتهى إليه المجلس سواء من حيث عدد الفصول، أو تركيبة الهياكل والمهام والصلاحيات الموكولة إليها، وتعديل المشروع خارج مقتضيات الصياغة والملاءمة الدستورية واستهداف توجهات الحكومة وخياراتها في إرساء المجلس الأعلى للقضاء كما عاينته الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين في قرارها عدد 02/2015 المؤرخ في 8 جوان 2015،اضافة الى تمسك مجلس نواب الشعب بقصر العضوية بالمجلس الأعلى للقضاء، بالنسبة للمستقلين من ذوي الاختصاص على فئات مهنية مضبوطة حصرا بمشروع القانون المصادق عليه، في مخالفة صريحة لقرار الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين عدد 02/2015 المؤرخ في 8 جوان 2015، الذي أقر أنه “لا وجه للتخصيص في القاعدة الدستورية حيث لم يخصص المشرع الدستوري، ومجافاة ذلك لمبدأ أخذ النص على إطلاقه”، إضافة إلى تناقض ذلك الخيار مع ما تضمنه الفصل 2 من مشروع القانون الأساسي ذاته كما تمت المصادقة عليه، والذي اعتمد معيارا موضوعيا في تعريف المستقلين من ذوي الاختصاص.

 

كما تمسك مجلس نواب الشعب بالإبقاء على صلاحيات تقريرية لرئيس المجلس الأعلى للقضاء خلافا لما تضمنه قرار الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين المشار إليه، وذلك من خلال إسناده صلاحية وضع التنظيم الهيكلي لإدارة المجلس وإمضاء القرارات التأديبية واقتراح تسمية الكاتب العام للمجلس، وهو ما يمثل خرقا لأحكام الفصل 112 من الدستور الذي حدد هياكل المجلس بأربعة ، وأوكل للقانون مهمة ضبط اختصاص كل هيكل منها دون سواه، فضلا على أن تلك الصلاحيات مسندة بمقتضى صريح عبارات مشروع القانون كما تمت المصادقة عليه للجلسة العامة للمجلس الأعلى للقضاء في بعضها ( إعداد النظام الداخلي للمجلس) وللمجالس القضائية القطاعية في البعض الآخر( التأديب طبق أحكام الفصل 114 من الدستور)، وهو ما يعمق تداخل صلاحيات مختلف الهياكل ، ويخالف قرار الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين التي أكدت على وجوب رفع الغموض على النص القانوني ضمن قرارها المشار إليه أعلاه.

 

وواصلت الهيئة استعراض خروقات المجلس حيث أشارت الى انه منح للجلسة العامة كهيكل من هياكل المجلس الأعلى للقضاء صلاحية ترتيبية لا سيما فيما يتعلق بضبط منح أعضائه وهو ما يناقض أحكام الفصل 2 من مشروع القانون كما تمت المصادقة عليه الذي فرق بين المجلس الأعلى للقضاء والجلسة العامة وأحكام الفصل الأول من ذات المشروع الذي منح هذه السلطة الترتيبية للمجلس الأعلى للقضاء بما يبقي غموضا وتداخلا بين صلاحيات كل هيكل من هياكل المجلس .

 

و اعتبرت ذالك توجها اتخذه المجلس لارتهان الاستقلالية الإدارية للمجلس الأعلى للقضاء في مخالفة لأحكام الدستور الذي خص السلطة القضائية بباب مستقل عن باقي السلط ومواز لها، فضلا عن مخالفة أحكام الفصل الأول من مشروع القانون الأساسي كما تمت المصادقة عليه وذلك بإخضاع المجلس للسلطة الترتيبية لرئيس الحكومة من خلال منحه صلاحية تسمية الكاتب العام للمجلس .

 

وحذرت من تداعيات عدم التزام مجلس نواب الشعب بمقتضيات الدستور نصا وروحا، وإصراره على مخالفة قرار الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين وعلى سلامة مسار الانتقال الديمقراطي وخيار بناء “سلطة قضائية مستقلة تضمن إقامة العدل وعلوية الدستور وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات”.

 

كما عبرت الهيئة عن أسفها لانخراط السلطة التنفيذية ممثلة في وزير العدل، في تغطية الخروقات الدستورية والإجرائية، والتزامها الصمت إزاء نسف مشروعها للقانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء روحا ونصا، والذي تم إعداده بطريقة تشاركية بين جميع المهتمين بالشأن القضائي بما فيهم الهيئة الوقتية للقضاء العدلي.

 

و دعت مجلس نواب الشعب إلى احترام الخيارات المقررة دستوريا في بناء أسس “نظام جمهوري ديمقراطي تشاركي … يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات والتواصل بينها” طبق توطئة الدستور.

و نبهت في ختام بيانها الى أنه ليس من وظائف السلطة التشريعية مراجعة الخيارات التأسيسية كما هي ثابتة بمقتضى أحكام الدستور وبضرورة احترامها لها تحت رقابة الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين والالتزام التام بتنفيذ مقتضيات قراراتها الملزمة لكل السلطات.



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.