كتّاب

الأحد,3 يناير, 2016
تهنئة أهل الكتاب بأعيادهم واجب كفائي

الشاهد_

ـ 1 ـ

التأصيل تأصيلان لا بد منهما (التأصيل الشرعي والتأصيل الواقعي). فكم من عمل يكون حكمه الشرعي الوجوب ونعدل عنه لأن أصله الواقعي ليس له محل يقطنه. أبرز مثال على ذلك قوله عليه السلام لعائشة (لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة وأقمتها على قواعد إبراهيم). كلامه هذا وحي يوحى وليس رأي شخصي. فهو حكم شرعي ثابت إذن. حجزه عنه تأصيل واقعي عنوانه أن ذلك الفعل يبث فتنة في الناس لتعلقه بالكعبة المقدسة عند المشركين وعند المسلمين في تلك الأيام سواء بسواء. حضر التأصيل الشرعي إذن وتغيب التأصيل الواقعي فرحّلت المسألة لتظل معلقة حتى تلفى لها محلا يحضنها.

 

ـ 2 ـ

 

الإسلام مساحتان تتكافلان : مساحة دينية شرعية موقوفة فهي محرمة مصونة أو هي حمى لا يرتع فيه راتع إلا وهو متبع للنبي عليه السلام ـ متبع وليس مقلد ـ. هذه المساحة تشمل أصول العقيدة (الإيمان) الستة الكبرى المعروفة وليس فروعها التي توسع فيها علم الكلام إلى فرق ومدارس. كما تشمل أصول العبادات الركنية الأربعة المعروفة سيما في هيئاتها وصورها وأقوالها وتآقيتها الزمانية والمكانية ومكيلاتها وموازينها. كما تشمل جزءا من النظام الأسري من الخطبة حتى توزيع التركات وكذا بعض الأحكام القطعية في بعض المعاملات الأخرى مما سمي في القديم معلوما من الدين بالضرورة. هذه المساحة ضيقة جدا في الحياة ولكنها مسؤولة على بناء الشخصية الإسلامية المتوازنة. المساحة الأخرى هي مساحة الدنيا لا الدين أو العادة لا العبادة أي الأحكام المعللة المقصدة المفهومة المعقولة التي يطرح فيها هذا السؤال المقاصدي الإستصلاحي المهم جدا : لم أحل هذا ولم حرم ذاك؟ لأي علة ولأي مقصد؟ ومن ذا ينشأ القياس والإستصلاح أي فريضة الإجتهاد التي أمر بها عليه السلام في حديثه (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها).

 

ـ 3 ـ

 

التأصيل الشرعي إذن يكون في المساحة الأولى شرطا من شروط صحة العبادة من بعد كسب شرط الإخلاص. أما المساحة الثانية فهي تشترط التأصيل الواقعي بسبب أن النصوص الشرعية فيها نادرة جدا إذ تعمرها الكليات العامة والمقاصد والمبادئ وبذا يكون الإسلام فعلا صالحا لكل زمان ولكل مكان ويكون الإجتهاد من أهله في محله كفيلا بغشيان فريضة التجديد التي غشيها الصحابة الكرام سيما في الخلافة الراشدة وخاصة في العهد الفاروقي الممتد زهاء عقد ونصف. ما هو التأصيل الشرعي الذي ظفر به الفاروق وهو يجمع الناس لصلاة التراويح في المسجد وهي العبادة التي لم يفعلها عليه السلام سوى ليلة أو ليلتين ثم تركها جماعة في المسجد؟ التأصيل الشرعي هنا يعلن تركها ولكن التأصيل الواقعي يعلن إستئنافها. لم؟ لأنها ليست عبادة موقوفة بل محل نظر. ما الذي جعله هو أو ذي النورين يستأنف على فعله عليه السلام في إفراد الآذان مرة واحدة لصلاة الجمعة ليكون منذ ذلك اليوم حتى يومنا هذا ثلاثيا؟ التأصيل الشرعي يقتضي عدم المخالفة والتأصيل الواقعي يقتضي غير ذلك.

 

ـ 4 ـ

 

التأصيل الشرعي إذن قاعدته أن يكون لنا في المصدرين الأساسين الأوليين (الكتاب والسنة) دليل جزئي ( نص أو سياق) يأمر بشيء أو ينهى عنه. أما إذا سكت المصدران وهذا هو الأعم الأغلب فيما يخرج عن المساحة المغلقة الأولى وخاصة في دائرة النهي فيها فإنه إعلان إلينا بالإباحة وكل إباحة مقيدة فإذا أسرف فيها بالفعل قيدت أن تصبح إسرافا محرما وإذا قدرت (أي ضيقت) بالإنتهاء قيدت أن تضحى غلوا محرما. هذا حديث مركزي لحسن فقه المسألة (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها). التأصيل الشرعي إذن لا مكان له في المسكوت عنه أي في دائرة الإباحة العامة أي التي ليس لنا فيها لا ما يفيد الوجوب ـ وليس الندب ـ ولا ما يفيد التحريم ـ وليس التكريه ـ. تلك هي الهندسة الشرعية التي فقهها الأصحاب فنشأ الخلاف الأصولي الفقهي بينهم وهو بين ظهرانيهم عليه السلام ثم نشأ الخلاف السياسي والإداري في الخلافة الراشدة من بعد موته. (حادثة صلاة العصر في الطريق إلى بني قريظة خير مثال).

 

ـ 5 ـ

 

التأصيل الشرعي عندما نغالي في تحريه يعدم دائرة شرعية أخرى منها قوله عليه السلام( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) وكذا قوله عليه السلام (إذا إجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا إجتهد فلم يصب فله أجر واحد). ألم يمدح عليه السلام يوما أحدهما قائلا (أصبت السنة) وذلك لأنه بخلاف رفيقه لم يعد وضوءه ولا صلاته عندما وجد الماء وإكتفى بتصحيح الآخر قائلا (أجزأتك صلاتك). ما الذي أوحى إلى بعض أصحابه من غير سابق قول أن يجعلوا من فاتحة الكتاب بلسما للديغ حتى قال لهم مشجعا (أين نصيبي). ألم يغضب غضبا شديدا عليه السلام على بعض أصحابه الذين أفتوا أميرهم بالإغتسال من جنابة وكانت به جراحة فمات قائلا (قتلوه قتلهم الله).

 

ـ 6 ـ

التكييف الفقهي أو الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

 

() ـ أين هو محل ( تهنئة أهل الكتاب بأعيادهم)؟ ذلك هو السؤال المفتاحي. هي مسألة حادثة جديدة. ليس لها حكم سابق فتلحق بنظائرها وأشباهها لا قياسا بالمعنى الأصولي لأنها ليست من دائرة العبادة بل هي من دائرة العادة ولكن تلحق بها قياسا إستصلاحيا بتعبير إبن عاشور. هي مسكوت عنها فهي مباح إذن وكل مباح مقيد. هي تنتمي إلى عائلة العلاقة بأهل الكتاب بصفة خاصة وبالناس بصفة عامة فهي جزء من كل تأخذ حكم ذلك الكل إلا إذا قام دليل يستثنيها. تقييدها يكون درءا لمفاسد وإعمالها يكون طلبا لمصالح. ذلك هو التكييف الفقهي الأولي لهذه المسألة.

 

() ـ المرجع في طلب الحكم هو القرآن الكريم أولا ( ليس كل القرآن متساويا هنا ولذا يقدم النص ثم الظاهر). لا وجود لنص هنا لأن المسألة فرعية لا أصلية ولأنها متغيرة لا ثابتة. أغلب القرآن الكريم ظاهر وكلها تعبيرات أصولية لا غنى لطالب العلم عنها فما بالك بالمفتي الذي يتحرى حكما شرعيا. فإذا عدم القرآن ذلك نفيئ إلى السنة مقدمين القول على العمل. ثم نتدرج مع مصادر التشريع الأخرى بدءا من الإجماع والقياس إلى الإستصلاح والإستحسان دون إهمال الأعراف أو النظر في الذرائع لفتحها أو سدها بحسب المصلحة والمفسدة غلبة وهي أعظم قاعدة تشريعية ناهيك أن الخمر والميسر (وهما كبيرتان) إنما مرجع الحكم فيهما إليها ولا شك أن تهنئة غير المسلم بعيده أهون من معاقرة أم الخبائث وأكل أموال الناس بالباطل أي الميسر.

 

ـ 7 ـ

 

القرآن الكريم يوجب علينا تهنئة غير المسلمين بأعيادهم.

 

() ـ قال سبحانه في سورة البقرة (وقولوا للناس حسنا). أمر صحيح صريح لنا بالقول للناس كلهم ـ عدا المحاربين في حالة حرب ـ حسنا. أليست التهنئة قولا حسنا؟ إذا لم تقل للناس قولا حسنا بمناسبة عيد فمتى يكون ذلك؟

 

() ـ قال سبحانه في سورة الممتحنة فيما إعتبر دستور العلاقة الخارجية بغير المسلمين(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم). هذا أمر قرآني صحيح صريح يفرض علينا معاملة غير المسلمين ـ عدا المحاربين في حالة حرب ـ بالبر والقسط. البر هو أعلى درجات الإحسان وهو يصرف عادة للوالدين ناهيك أنه سبحانه سمى نفسه البر(إنه هو البر الرحيم). أليس من البر تهنئة غير المسلمين بأعيادهم؟ متى نبرهم إذا لم نبسط لهم ألسنة التهاني بمناسبة عيد؟

 

هب أنك بعل لإمرأة مسيحية ألا تهنئها بعيدها؟ هب أن لك أصهارا مسيحيين. أي تربية تقدمها لولدك الذي لا يبر أجداده المسيحيين؟ لأي غرض أباح لنا نكاح نساء أهل الكتاب؟ أليس للغرض الدعوي بالأساس الأول؟ أي بيت شؤم هذا الذي لا يتبادل التهاني؟

 

الدليل في الفقه يكون بالعبارة وهذا يكاد ينعدم وجوده خارج الدائرة التعبدية التي لا تتطلب تعليلا. كما يكون بالإشارة والإقتضاء وهذا هو شأن أكثر القرآن والسنة معا. هذه الأدلة من القرآن الكريم إقتضائية إذ لا يتطرق القرآن إلى التفاصيل وإنما يقتصر على رسم السياسات العامة والمقاصد العظمى والكليات الكبرى. كليات البر والقسط والقول الحسن هي أدلة إقتضائية كافية تجعلنا نهنئ غير المسلمين بأعيادهم ما لم يكونوا محاربين في حالة حرب. ذلك أن الأحداث لا متناهية والنصوص متناهية ومن ذا جاء القياس إلحاقا للأشباه بأشباهها.

 

ـ 8 ـ

وفي السنة  والسيرة ما يؤكد ذلك.

 

() ـ أيهما أقوى في التعبير : فتحه عليه السلام لأبواب مسجده لنصارى نجران وبعض المشركين من وفود القبائل عام الوفود ليصلوا فيه وهم مسيحيون ومشركون أم تهنئة غير المسلم بعيده؟ هل منحك الله عقلا لتتدبر به أم لتحبسه أم ليؤممه غيرك فيفكر بعقله هو نيابة عنك؟

 

() ـ لما قال لإحدى زوجاته (صلي أمك) وهي مشركة.. ألا تكون الصلة بالترحيب والتهنئة والتعزية؟ ما معنى (صلي أمك)؟. أليس يقتضي الوصل كل ذلك من شؤون الدنيا والتهنئة مفردة دنيوية لا دينية والإسلام يجمعهما ولكن في مساحتين متكاملتين؟ صلي أمك .. ولكن إذا حلت بها قارعة فلا تعزيها؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وإذا أصابها خير فلا تهنئيها؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

 

() ـ عندما نشب خلاف سياسي بين النجاشي ملك الحبشة وبين أخيه جاء في السيرة أن الصحابة المهاجرين هناك ـ بل المواطنين هناك ـ كانوا يدعون الله في صلاتهم بقيادة جعفر عليه الرضوان أن ينصر النجاشي وهو مسيحي على أخيه وهو مسيحي. أيهما أقوى : الدعاء في السجود لمسيحي بسبب عدله لا بسبب دينه أم تهنئته أو تعزيته؟

 

ـ 9 ـ

 

إذا كنت تبحث عن آية أو حديث تستقوي بهما سواء لإباحة التهنئة أو لتحريمها فلن تظفر بشيء. لم؟ لأن طبيعة التشريع ليست كما تظن أنت. التشريع القرآني عام مطلق كلي جامع ومقاصدي في الأعم. التشريع السني تفصيلي ولكن أكثره ترغيبي يؤكد القرآن أو يبينه. ولأن المسألة فرعية لا أصلية وحادثة لا قديمة. لذا لا بد من رد الجزئي إلى الكلي والحادث إلى القديم. وأهم شيء هنا هو إعادة تبوئة المسألة في مسكنها الأصلي أي : العلاقة مع غير المسلم. هي علاقة دعوة قطعا. عماد الدعوة (الحكمة والموعظة الحسنة). أليس من الحكمة تهنئة غير المسلم وتعزيته توسلا إلى قلبه أن يفتحه الله للإسلام؟

 

ـ 10 ـ

 

إعتراضات واهية.

 

() ـ التشبه بالكفار. المقصود بالتشبة بالكفار هو التشبه العقدي وليس التشبه الظاهري. ألم يكن ملبسه عليه السلام هو ملبس المشركين بالتمام والكمال؟ كان يتميز عنهم بخلقه العظيم وليس بلباسه ومظهره. هم ملتحون وهو ملتح ولهم عمائم وهو متعمم إلخ .. حتى الأسماء لم تتغير إذ إحتفظ كل مسلم جديد من خديجة حتى آخر مسلم بإسمه (الجاهلي) إلا إسمين تغيرا إستحبابا وإستئناسا (صخر وحرب). إسمك اليوم عواطف أو ياسمين وفؤادك صخري. إسمك سالم وسلمان وعقلك حربي. كيف تكون مع زوجة مسيحية؟ أليس بينكما شبه يؤدم بينكما؟ التميز عند العقلاء يكون بمنهاج التفكير ومنهاج المعالجة وليس بالأسمال والأشعار.

 

() ـ الخوف من الذوبان. التاجر الذي يثق في نفسه وبضاعته ويؤمن بقسمة ربه في الرزق لا يخاف من الذوبان في أسواق الخسارة. تحمل الإسلام وتخشى الذوبان؟؟؟؟ سيما في هذا العصر حيث يتقدم الإسلام في الأرض كلها تقدما عجيبا مصداقا لوعده سبحانه (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق). حتى مع فرض الخوف من الذوبان الذي لم أومن به يوما فإن المرحلة اليوم خرجت من طور الحفاظ على الهوية بنجاح وتوفيق إلى مرحلة إستيعاب الهويات الأخرى وإستقطابها والتأثير فيها. الأذكياء منهم هم هم الذين يحذرون منذ سنوات طويلات من الذوبان في الإسلام. الإسلام لا يذوب إلا كما يذوب السكر في الماء الأجاج ليجعله زلالا يغري الظمأى.

 

() ـ بدعة. لا تكون البدعة إلا في الدين أي الجانب الموقوف في الإسلام من مثل أركان العقيدة والعبادة وبعض شؤون الأسرة وما هو معلوم من الدين بالضرورة أي المنطقة المحرمة المغلقة. أما الإبتداع في المساحة الدنيوية العادية فهو المطلوب إذ إبتدع الأصحاب أشياء لم تكن في عهده بل خالفوه في أشياء فعلها وقالوا عنه أنه فعل الأصلح في زمانه وهذا زمان آخر (ضوال الإبل وتثليث الآذان والتسعير إلخ ..). البدعة هنا هي مقابلة من أمرنا بدعوتهم بالجفاء والغلظة حتى في أيام عيدهم.

 

() ـ عيد ديني وعيد وطني. من المعاصرين من أهل العلم من ميز بينهما فأباح التهنئة في الثاني ولم يبحها في الأول. رأي محترم ولكنه قاصر. هو في أحسن الحالات رأي مفت وليس رأي فقيه داعية معاصر. المفتي هو صيدلاني يجتهد في الدواء فحسب أما الفقيه الداعية المعاصر فهو الطبيب الذي يحلل ويفحص ويعرف الحالة بالتفصيل والدقة. حجة غير المبيحين للتهنئة بالعيد الديني هي الخوف علينا من إقرارنا إياهم على دينهم. حجة واهية قطعا. لم يخطر على بال واحد منا وهو يهنئ مسيحيا بعيده الديني أنه يقره على دينه ولن يخطر على باله مثل ذلك أبدا. إقرارهم على دينهم لا يكون بالتهنئة لأنه كفر بواح. عندما إستجار عليه السلام مشركين آووه وحموه هل كان يقرهم على دينهم؟ عندما إستأجر مشركا أمينا قويا ليكون دليله في رحلة الهجرة العظيمة هل كان يقره على دينه؟ عندما إستوزر المسلمون في عهود خالية يهودا في دولتهم هل كانوا يقرونهم على دينهم. هذه حجة من لا حجة له أو هي حجة من يبحث على حجة ليستر بها عورة كلامه. من يتزوج مسيحية هل يقرها على دينها؟ من يأكل ذبيحة أهل الكتاب وهي مباحة بنص القرآن الكريم هل يقرهم على دينهم؟

 

ـ 11 ـ

 

خلاصات.

 

() ـ الأصل أن تكون هذه القضية قضية ميتة لأنها فرعية جزئية صغيرة من ناحية ولنا فيها بيانات من هيئات علمية متخصصة في شؤون الوجود الإسلامي الأوربي من مثل المجلس الأروبي للإفتاء والبحوث. إثارتها في كل عام دليل جدل فارغ وعلامة عطالة وبطالة.

 

() ـ هي مسألة حادثة جديدة مسكوت عنها فهي عفو مباح نعالجها بما يناسبنا تفعيلا لأعظم قاعدة أصولية فقهية أي الإستصلاح تغليبا للمصلحة على المفسدة التي خضعت لها أم الخبائث نفسها وهي قطعا أكبر من مسألة تهنئة مسيحي بعيده.

 

() ـ لا بد من تكييف المسألة فقهيا وأصوليا وعائلتها الحاضنة هي العلاقة مع غير المسلم في حالة سلم لا في حالة حرب. هي علاقة دعوة بإستراتيجيتها القرآنية (حكمة وموعظة حسنة وجدال بالتي هي أحسن وعلى بصيرة وبالقول اللين إلخ ..). بل هي علاقة بر وقسط على أساس حرمة الآدمية المكرمة ورعاية القدسية الإنسانية التي فيها حتى للكافر نفخة رحمانية روحية. أنى لهذه الجزئية (التهنئة) أن تند عن أصلها ليكون أصلها الدعوة والبر والقسط والكرامة والحرمة ثم تكون هي جفاء وغلظة ومفارقة للأدب والذوق الرفيع وأي أدب أن تلقى زميلك ـ بل زوجتك وأخوال ولدك ـ وجارك المحتفل بعيده فتمر مر الكرام؟ هل تظن أنه سيتأثر بخلقك يوما فيعتنق دينك؟

 

() ـ ظواهر النصوص القرآنية وكذا السنة والسيرة مجمعة على أن التهنئة والتعزية مثلها واجبات إسلامية حيال الآخرين ما لم يكونوا محاربين إذ هي وسائل دعوية والدعوة فريضة وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. قد تنزل إلى أن تكون مندوبات وسنن في حق الأفراد ولكنها في حق الأمة ـ سيما الوجود الإسلامي الغربي ـ واجبات عينية من الجار لجاره ومن الزميل لزميله وتكون فرائض عينية من الزوج لزوجه ولصهره وواجبات عينية في حق الكيانات الممثلة لذلك الوجود وخاصة الأئمة منهم وواجبات كفائية في حق بقية المسلمين عندما يقوم من أنف ذكرهم بواجبهم. ومما يؤكد ذلك رعاية مبدإ إسلامي مشهور (المعاملة بالمثل). عندما نستقبل التهاني والتعازي منهم فما لنا من بد سوى المعاملة بالمثل في أمر معروف لا نكير عليه.

 

() ـ إذا كان الإسلام لا ينهى عن ذلك نهيا صحيحا صريحا وليس إجتهادات حسبها زمانها ومكانها فلا قدسية لها .. وإذا كان التأصيل الواقعي اليوم يقتضي مثل ذلك دعوة وفتحا لأبواب غربية كثيرة مقفلة ونسجا لخيوط حوار يخرج فيه المسلمون من مربعات الإتهام الظالم بالإرهاب ثم ينتصرون فيه بخلقهم وحجتهم معا .. فإن العبد الفقير إلى ربه تعالى لا يتردد في الإعلان أن تهنئة غير المسلمين من غير المحاربين بأعيادهم ـ لا فرق بين عيد ديني ولا عيد وطني ـ واجب كفائي من واجبات الوقت ومصالحه كثيرة بل لم أتصور أي مفسدة رغم تفكيري الطويل وتجربتي كذلك. ألم يعلل عليه السلام إرساله لمن يؤثث حفل عرس للأنصار باللهو قائلا (حتى تعلم يهود أن في ديننا فسحة)؟ يهود في المدينة هي الشاهد المحلي على تصرفات المسلمين فلا بد من رسالة واضحة أن الإسلام فيه مكان للهو والفرح والترويح. هل يظن عاقل يؤمن به عليه السلام أنه يخشى يهودا أو أنه يتزلف إليها؟ إنما يرعى عليه السلام مصلحة الدعوة.

 

كلمة أخيرة : لا تهمني النوايا ولكن أشقى بأناس حظهم في الفقه زهيد وينزلون أنفسهم منزلة الخائف على الإسلام من غير المسلمين. عقيدتي تخبرني أن الخائف على الإسلام لم يكتمل إيمانه ولم ينضج وعيه ولم يرشد فؤاده. الإسلام موعود بالظهور على الدين كله وذكره محفوظ والناس اليوم في حركة إقبال عليه. الإسلام يتأبى عليك أن تسجنه. الخوف على الإسلام هو العقدة التي تكمم أفئدتنا. لا تخف على الإسلام وليكن منك الخوف على نفسك أنك قصرت في عرضه أو صورته على غير حقيقته أو أن بعض الناس يعرضون عنه كبرا.

 

 

الهادي بريك ـ مدنين ـ تونس



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.