الرئيسية الأولى

الإثنين,20 يونيو, 2016
تلميع الطاغية في تونس

الشاهد _عندما تم الإعلان عن مشاركة الرئيس المخلوع، زين العابدين بن علي، في برنامج في إحدى القنوات التلفزيونية التونسية الخاصة، بدا وكأن الأمر لا يتجاوز مجرد الترفيه والسخرية بإثارة الضحك من ردود أفعال الضيوف، في ظل كاميرا خفية، حيث يتقمص كوميدي شخصية بن علي، ليتحدّث بلسانه. غير أن تواتر الحلقات كشف عن خلفياتٍ أخرى أشد خطورةً، وأكثر تعقيداً، إذ كان غالبية الضيوف هم من أنصار النظام البائد، وقاموا باستغلال الفرصة من أجل شتم الثورة وتحقيرها، والبكاء على أطلال زمن الطاغية، ومدحه بما ليس فيه. ولأن الخطاب الذي تقدمه الشاشات ليس من قبيل عفو الخاطر، أو مجرد كلمات تُقال وتمضي، وإنما الغاية هي التأثير وإعادة تشكيل الرأي العام، فإن متابعة البرنامج، وما أثاره من جدل، يكشف عن أهدافٍ مضمرة لدى أصحابه. ففي المرحلة الحالية، حيث تحاول قوى مؤيدة للاستبداد أن تتموقع من جديد، وتقنع عامة الجمهور أن وضع ما قبل الثورة أفضل بكثير، وأن الثورة كانت أشبه “بلحظة طيش”، فَقَد الناس بعدها امتيازات وإنجازات كثيرة، فأصحاب القناة ومعدّو البرنامج يدركون، قبل غيرهم، أن المخلوع بن علي انتهى سياسياً، وأنه لا مجال لعودته واقعاً، فإن الغاية، هنا، تصبح ترويج فكرةٍ تستهدف التحول السياسي الحاصل في البلد، وتصويره خطيئةً.

والمعتاد أن إثارة أشكال من الحنين إلى الماضي هو أحد أساليب الثورة المضادة لاستعادة مواقعها، باعتبار أنها تعمد إلى إحداث مقارناتٍ بين الماضي والحاضر الذي يبدو سيئاً في نظر بعضهم، خصوصاً ممن هم قصيرو الذاكرة الذين نسوا، أو تناسوا، المعاناة زمن الحكم المنهار. ويتزامن بث البرنامج مع حصول أنصار المخلوع على تأشيرة حزبٍ سياسيٍّ، ولا ندري طبيعة القيم أو المبادئ السياسية التي يمكن أن يبشر بها، وهو الذي يعتبر الاستبداد أفضل أشكال الحكم، والطاغية هو الحاكم النموذجي الذي ينبغي استعادة زمنه بأي صورة، مستفيداً، ويا للمفارقة، من الوضع الديمقراطي الحالي للدعوة إلى الانقلاب عليه.

وفي تحليله للمشهد التونسي، وعودة قوى الفساد والاستبداد إلى الواجهة، كتب المفكر العربي عزمي بشارة “..استُغل عدم انتزاع السلطة من قوى الفساد والاستبداد بشكل حاسم من القوى التي تصدّرت الحراك، علماً أن الشباب لم يكونوا منظمين، ولا أقاموا حزباً ديمقراطياً. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، حصل تنافس من دون اتفاقٍ جدّي على المبادئ الديمقراطية. وعلى هذا، ظهرت القوى القديمة كأنها هي صاحبة المشروع، على الأقل مشروع الاستقرار، وكأنها تقول تعالوا نعود إلى وضع الاستقرار، وهذا أغرى جزءاً من القوى الاجتماعية والسياسية”. وتستمر عملية الإغراء هذه بالدعاية التي تقوم بها بعض أجهزة الإعلام. وعلى الرغم من أن القوى المرتبطة بالنظام الاستبدادي استطاعت أن تحرز لنفسها حضوراً وازناً، وعبر العملية الانتخابية نفسها، فيبدو أنها لم تقتنع بعد أنها غير قادرةٍ على الانقلاب على المشهد السياسي برمته، وتجييره لصالحها، وهو ما يدفعها إلى المحاولة من جديد، من أجل استعادة ألق نظام المخلوع، ودفع الناس إلى التشبث بأذيال بقاياه.

التجاذب بين قوى الثورة وأنصار النظام القديم مستمر، وهو يخضع لنوع من توازن القوى. وخلافاً لدول عربية أخرى، حيث تمكّنت الأنظمة الاستبدادية من حسم الصراع لصالحها، ولو مؤقتاً، أو استطاعت أن تنحرف بالثورات إلى حالةٍ من الفوضى والعنف المعمم، فإن المشهد التونسي احتفظ بخصوصيةٍ، من حيث انحصار الصراع داخل أطر دستورية، وهو أمر إيجابي بشكل عام، “فما يجري في تونس هو عملية انتخابية وتنافس حزبي، كان بالإمكان أن يتحقّق أفضل من هذا بكثير. ولكن، ما لدينا الآن هو عملية انتخابية نزيهة، انتخب فيها رئيسٌ بالأغلبية، لن يبقى إلى الأبد. ستكون هناك انتخابات قادمة، وهذا هو الامتحان الرئيسي، ستكون هناك معارضة منظمة، والشعب التونسي أظهر درجةً عالية من الوعي والتفاعل السياسي مع ما يجري. وبالتالي، تشكلت لدينا عملية سياسية”، على حد توصيف الدكتور عزمي بشارة. ويمثل هذا التشكل للمشهد السياسي الناشئ في تونس الحاضنة للتحول الديمقراطي في البلاد، ويحفظ الحد الأدنى من الحقوق والحريات على الأقل، غير أن هذا لا يعفي القوى السياسية المؤيدة للانتقال الديمقراطي من أن تتحرّك سياسياً ضد كل محاولات إعادة إحياء النزعة الاستبدادية بصورها المختلفة، والتي تحاول استغلال الصعوبات الاقتصادية والمشكلات في البلد، لتمرير أجندات الردة، وتبييض صورة الطاغية المخلوع، وإعادة رسكلته، باعتباره أحد الرموز الوطنية التي ينبغي الاعتراف بما لها من منجزات موهومة.

 

سمير حمدي العربي الجديد