الرئيسية الأولى - ملف الشاهد

الأربعاء,27 أبريل, 2016
تغييرات جذرية ..يسار ما قبل مبادرة محمد خليل لن يكون يسار ما بعد المبادرة

الشاهد _ هل توقف إنتشار الإسلام منذ 15 قرنا على المدارس والمعاهد ؟ أبدا لقد كان المسجد وكانت الزوايا وكانت البيوت وكانت جموع المدبية المنتشرة عبر ربوع الوطن ، لم يعول الإسلام في تونس خلال محنه المتتابعة على الفضاءات التربوية ، كما لم يعول الشعب الجزائري في معركته المزدوجة ضد فرنسا “هوية – أرض” على المدارس كي يحفظ أجياله من الإستيلاب ومن ثم الإستسلام الأبدي للإستعمار ، أيضا لم يعول على المساجد كي يزرع القرآن في صدور أبنائه حين كانت هذه المساجد تحت أعين المحتل ، بل سخر الله لهم الزوايا المتناثرة على رؤس جبال الأطلسي والهقار والأوراسي وفي عمق الصحراء . حين جمعني لقاء بأحد مجاهدي ثورة التحرير في منطقة القبائل ، تحدث الشيخ المسن طويلا عن دور “الزوي” ، وأكد لي أن منطقة القبائل كانت أكثر مناطق الجزائر إحتضانا لزوايا تعليم القرآن الكريم إبان الإستعمار ، بينما أبناء القبائل هم الأقل ترددا على هذه الزوايا ، كانوا يؤسسون الزاوية ثم يذهبون إلى العمق الجزائري يبحثون عن مؤدب يقوم عليها بأجر مع توفير السكن له ولطلابه الذين يأتون من أماكن بعيدة ، وعلى جميع أهل القرية المشاركة في تغطية النفقات ، وذكر أن بعض الزوايا لم يكن بها طفل واحد من القرية أو حتى من منطقة القبائل وكان كل طلابها من خارج المنطقة ، وبإعتراف المؤرخين أسهم النشاط القوي للزوايا في منطقة القبائل في حفظ هوية الشعب الجزائري ، وكانت هذه المناطق بمثابة الممول الأول لمدينة العلم قسنطينة ..حين كانت فرنسا ترغب في إقتلاع القرآن واحتكرت الفضاءات التربوية ، كانت بدائل الشعب الجزائري جاهزة.

الشاهد أن تدفق القرآن لن يوقفه حقد هؤلاء ومشاغبة أولئك ولن تحول بينه وبين الشعب المسلم الرواسب الإيديولوجية المتعفنة التي استوطنت أفئدة موبوؤة نخرها الكره وغدّر اللؤم فطرتها ، لقد تكيف القرآن مع الواقع منذ تدفقت عباراته الأولى الغضة الطرية هناك في غار حراء ، ومنذ طفقت خديجة بنت خويلد تدثر وتزمل الحبيب صلى الله عليه وسلم ومنذ هرعت خير نساء العالمين إلى ورقة بن نوفل ، ومنذ قال ورقة عبارته التاريخية “هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك” ، منذ دار الأرقم بن أبي الأرقم منذ إلتحم خبيب ببلال بأبي بكر منذ تعانق الأسود والأبيض والغني والفقير واستضلوا بسور وآيات الذكر الحكيم ، منذ ذلك الوقت وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها كان ومازال القرآن مجهزا بخصائص التأقلم ، تتلوه الشعوب فوق الأرض في رخائها وتحت الأرض في محنها ، عاش القرآن ومات أنور خوجة وأتاتورك وستالين وسياد بري وهيلا سيلاسي ..وكل من مارس التطهير الديني في أبشع مظاهره .

لن يتوقف الإسلام ولن يخفت صوت القرآن إذا لم يدرس في المدارس خلال العطل ، من قال ذلك ومن يتجرأ على ربط إشعاع أعظم كتاب في تاريخ الإنسانية بتحفيظه في بعض مدارس تونس !!! لقد جاء اقتراح محمد خليل ضمن حزمة متكاملة يرى الوزير أنها كفيلة بالحد من ضاهرة الإرهاب وتهدف إلى إرساء حالة تدين رسمية في مواجهة التدين العشوائي والإرتجالي الذي يتم تجميعه من النت والتلفاز وعبر البريد الإلكتروني والإرساليات والدردشة والمقاهي ، لينتهي إلى فكرة ملغمة قابلة للإنفجار في وجه المجتمع ، لكن الطوائف الإيديولوجية المهوسة وبعد حالة من التململ والتمتمة القلقة والتشنج الصاخب ، أفصحت عن كرههها العميق للقرآن وقدمت رؤية تفيد بأن كتاب الله لا يمثل سكينة وشفاء مثلما أكد المولى عز وجل ومثلما يقول به الشعب التونسي وسائر شعوب العالم الإسلامي بل والأحرار المنصفون في هذا الكون ، وإنما يمثل خطرا وهاجسا ، استعانوا بالإعلام والمال ومراكز النفوذ ثم ولما اصطدموا بالشعب وسفههم قفزت إليهم فكرة جنونية حينها قرروا سحب أعرق منظمة شغيلة في تونس إلى المستنقع و حثوها على الدخول في صدام مع الشعب التونسي ومع عقيدته وهويته وقرآنه ..لقد اعتمدوا منذ تسعينات القرن الماضي على خطة تقتضي عدم المجاهرة بالإلحاد مع الولوج إلى داخل النص والعبث به من خلال إغراقه بالتأويلات الشاذة وإنهاكه بالتشكيك في تفاصيله وصولا إلى كلياته ومحكماته ، وواضبوا على ذلك سنوات ، حتى ألقى لهم وزير الشؤون الدينية بالطعم فأبتلعوه ، ولا شك أن تاريخهم مع النص ماقبل طعم محمد خليل ليس هو تاريخهم ما بعد محمد خليل ، لقد نزع عنهم الرجل كل فرضيات التأويل والمراوغة والتقية ووضعهم وجها الوجه أمام القرآن الكريم ، أمام 60 حزب بلا تفسير ولا تأويل ولا أحاديث شريفة ولا مقاصد ..فلما لم يجدوا بدا وانتهت مساحة المناورة وألفوا أنفسهم أمام كتاب يُفتتح بالفاتحة ويختتم بالناس ، أعلنوا الحرب المباشرة والشاملة ..

سيعتمد تاريخ تونس القادم وذاكرتها حين تتناول مسألة الإلحاد على مفاصلة واضحة ، سيتم التأْريخ لهذه المسألة بما قبل مبادرة خليل وما بعد المبادرة .

لقد ساعدهم محمد خليل في الإعلان عن أنفسهم وأجبرهم على الجهر بــــ”دعوتهم”، منهم من سيبالغ في شكره لأنه نفض عنهم الخجل وفكك إنكماشهم ، ومنهم من سيلعنه لأنه نخصهم من جحورهم واضطرهم إلى الوقوف عراة أمام شعبهم .

نصرالدين السويلمي