الرئيسية الأولى

الجمعة,1 أبريل, 2016
تعديل الدستور قد يجهز على الثورة ..

الشاهد _ أغلب الذين ينادون بتعديل الدستور تسيطر عليهم حالة من الكبر غير المبرر ، حين تراهم يبحثون عن تجسيد جمهورية أفلاطون الفاضلة في مرحلة إنتقالية تفشل جميع حواسيب العالم في ترتيب خروجها الآمن دون مشاكل تذكر ، شيء مفزع أن ينظر هؤلاء إلى الكمال دون الإلتفات إلى المحيط وما تعنيه التجارب الأخرى التي ليست إلا ربيبة لتجربتنا الأم ، على هؤلاء أن يقيسوا نجاح تونس بالمعقول والمنطق و بمحيطنا ثم استدعاء التاريخ وفحص الثورات الأخرى والتمعن في مراحل إنتقالها ، قد يضغط بعضهم باتجاه الأفضل فيدفع بالبلاد إلى الأسوء ، علينا أن نوقن أننا نسير في الطريق السليم وأننا لا نتحرك ببطئ مثلما يدعي البعض بل نتحرك بطريقة تكفل عدم الانتكاس ، والفرق لا شك شاسعا بين السرعة والتسرع.

مقلق أن يحلم البعض بنسق أفضل و أسرع يعبر بنا المرحلة الإنتقالية في لمح البصر ، لمجرد أنهم اختزلوا الأمر في نزلة برد عابرة ، بينما الجسم في حالة إرهاق تام يتطلب الإنعاش ثم المراقبة ثم النقاهة.

نشعر أن البعض لا يشيرون إلى الخلل ليس لأنهم اكتشفوه وإنما لأنهم قرروا أن يستعجلوا الإنتقال الديمقراطي ومن ثم شرعوا في القيام بمحاولات لحثه من خلال العبث بمجموعة من الأزرار ، هم أصلا لا يعلمون إن كانت ستعجل بالنجاح أم ستجعل عاليها سافلها ، وها قد اتجهوا إلى زر الدستور أو الشماعة التي تعطل نسق الإنتقال الديمقراطي وتحبس الإنطلاق ، لكن الإنطلاق نحو ماذا وكيف ؟ وهل ننطلق بمعزل عن محيط متوتر يأبى أن ينطلق ، هل نسبق محيطنا باميال ونحلق بعيدا عنه ؟ حينها حتما ستقتنصنا بنادقه وسنهوي إلى القاع.

عليهم أن يتوقفوا عن البحث على الطفرات والقفزات المجنحة وأن يجتهدوا في الحفاظ على المحصول ، ويعتمدوا المسايرة والتدرج و التأني.

ينقسم المطالبون بتعديل الدستوري بحثا عن إعادة صياغة صلاحيات القصبة وقرطاج إلى قسمين ، الأول ذلك الذي اعتنق مذهب الرفض ولن يترجل عنه حتى يؤول الأمر إليه فيجعلها هشيما ثم يجلس القرفصاء على تلها ، أما القسم الثاني فقد استبطن التثاقل في مرحلة الإنتقال ويحاول أو يطمح أو يشتهي استخراج الحل من جراب الدستور ونظامه المختلط ، وكأن أصحاب هذا الرأي تيقنوا من إستحالة الردة وارتحلوا إلى علوية القانون وضمنوا عدم التلاعب إذا تمركزت الصلاحيات في قرطاج ، هؤلاء يعيشون طمأنينة وهمية، ويبحثون على تحسين طفيف لوتيرة الإنتقال الديمقراطي من خلال المغامرة بوجوده من عدمه ، إذْ لا يمكن لعاقل أن يقتحم حقول المتفجرات لتقصير المسافة وربح بعض الوقت.

كل التونسيين يعلمون أن مراكز النفوذ من ألفها إلى يائها في قبضة الثورة المضادة وفي أحسن الأحوال في قبضة من لا ارب لهم في ثورة الحرية والكرامة ، لذا يبقى صمام الأمان في صناديق الاقترع وتحت قبة البرلمان ، ولا شك أن وضع البيض برمته في سلة الرئاسة سيسحب الورقة الأخيرة للثورة ويتركها عارية جاهزة للإلتهام قبلة للفناء .

نصرالدين السويلمي