عالمي دولي

السبت,22 أغسطس, 2015
تصرفات يقوم بها العرب ويزدريها الأتراك في تركيا

الشاهد_منذ هبوط سيدنا آدم عليه السلام إلى المعمورة وحادثة الاختلاف الثقافي موجودة وحاضرة، وحدثت ظاهرة الاختلاف الثقافي في قصة الاختلاف المشهورة بين ابني آدم عليه السلام هابيل وقابيل، والكل يعلم منا قصتهما المشهورة الموجودة في سورة المائدة؛ حيث يبين تحليل القصة الذي يعتمد على كتب التفسير بأن كلًا من هابيل وقابيل قدما قربانًا لربهما فتقبل الله من هابيل لإخلاصه ونيته الحسنة ولم يتقبل من قابيل لعدم تقواه.

 

 

والشاهد في الموضوع هنا ليس هو مناقشة من المخلص أو من غير المخلص، ولكن شاهدنا هو أن الاختلاف الثقافي بين الناس والأمم في التصرف والعقلية والاعتقاد والفكر موجود منذ الأزل ومنذ خلق الله الأرض، ولكن الاختلاف الثقافي بين هابيل قابيل لم يتحول إلى اختلاف ثقافي إيجابي على أثره يستفيد الأدنى من الأعلى ويحاول أن يكون المختلف عن الآخر سلبيًا أن يتغير إلى الإيجابية بل تحول إلى اختلاف ثقافي سلبي على أثره قتل قابيل هابيل وحدثت أول جريمة قتل في الدنيا ونتج عن هذه الجريمة أول صراع ثقافي على وجه المعمورة.

 

 

وفيما يتعلق بالصراع الثقافي، يُعرّفه الاجتماعي جوناثان إتش تيرنر على “أنه صراع ينجم عن اختلافات في القيم والعادات والتقاليد والفكر والمستوى المدني والحضاري“. ويبين تيرنر في تعريفه أن “هذا الصراع بعد فترة من الزمن يُسبب حالة “استغراب” لدى أفراد المجتمع المختلفين ثقافيًا بحيث يصبح الأفراد في حالة انتقاد حاد لبعضهما البعض لعدم توافق تواقعاتهم وردودهم الثقافية مع بعضها البعض مما يؤدي إلى حالة تناحر اجتماعية قد تؤول إلى التسبب بالنقاشات والنزاعات الحادة؛ مما قد يصبح هناك احتراب ثقافي اجتماعي حاد“.

 

 

ولكن يوضح تيرنر والإداري المصري كمال غبريال بأنه “يمكن تجنب الاصطفاف الناتج عن الاختلاف والصراع الثقافي وتحويله إلى حالة تعايش اجتماعي تنموية إيجابية، وذلك عن طريق تنازل الطرف الذي يُعد اختلافه الثقافي سلبيًا أو من خلال محاولة الطرف الوافد جديدًا إلى مجتمع آخر له عادات وتقاليد مختلفة سببت له الصراع الثقافي بأن يتخلص من هذا الصراع عن طريق “استلطاف” هذه العادات، إن كانت إيجابية، ومحاولة إقناع النفس بأن الضيف يجب عليه احترام عادات وتقاليد البيت الذاهب إليه إلى أن تنتهي فترة ضيافته ومغادرة البيت؛ وبالتالي التخلص من الصراع الثقافي“.

 

 

في حقيقة الأمر، ينطبق توضيح تيرنر وغبريال فيما يتعلق بالتخلص من الصراع الثقافي على الجاليات العربية الموجودة في تركيا؛ وذلك لأنه بالفعل هناك بعض العادات الثقافية السلبية لدى الجاليات العربية ويجب تركها، كما يجب أن نتذكر أن الجاليات العربية مهما بقيت هنا هي في نهاية المطاف ضيف على المجتمع التركي ويجب عليها بدلًا من خلق الاصطفاف بين ثقافتها وثقافة المجتمع التركي الاندماج مع هذه العادات التي لا تُعد سلبية؛ بل على العكس تمامًا بعضها مدني وحضاري وبعضها ناتج عن نسيج اجتماعي مختلف يجب احترامه؛ لأن هذا النسيج الاجتماعي هو “صاحب البيت”.

 

 

حتى لا أطيل المقام سأقوم بسرد بعض “التصرفات السلبية” و”التصرفات الاستغرابية” التي يقوم بها الوافدون العرب، في تركيا، وتُزعج المواطنين الأتراك وتثير استغرابهم في بعض الأحيان، كما أسلفت “استغراب المجتمع التركي أمرٌ طبيعي؛ فهم أصحاب البيت ويجب على الضيف موافقتهم وتجنّب الاختلاف الثقافي معهم“.

 

 

هذه التصرفات كالتالي:

ـ التحدث المتبادل أو التحدث بالهاتف المحمول بصوت عالٍ أو فتح الموسيقى بصخب داخل حافلات المواصلات العامة: بغض النظر عن موضوع الاختلاف الثقافي السلبي أو الإيجابي، هذا تصرف يُعد غير مدني أبدًا لا سيما في ظل التحدث بلغة أجنبية وسط مُجتمع عاش سنوات طويلة في وسط انغلاقي مُعتز بلغته القومية وبكل ماهو تركي، لا بُد من إبداء بعض الحساسية في الأمر وتجنبه بشكل كامل، وهنا لا أعني عدم التحدث بشكل كامل ولكن يجب أن يكون التحدث مُحلى ببعض الحساسية.

 

 

ـ الجلوس على قارعة الطريق أمام البيت وإشعال “النرجيلة”: خلال إقامتي القصيرة في تركيا اكتشفت بأن المجتمع التركي يعمل لفترات طويلة ولا وقت له للراحة إلا في فترة الليل، ولكن يبدو أنّنا نحن العرب مختلفون بعض الشيء عنهم؛ حيث نشعر بمتعة السهر ليلًا والعمل القليل نهارًا ونُحب الجلوس والسهر على قارعة الطريق، إن كنا في موطن عربي فهذا أمرٌ طبيعي ولكن نحن الآن في تركيا فلا بد من الانصياع لقواعد المجتمع التركي الثقافية، هناك الكثير من الشبان العرب يجلسون على قارعة الطريق أمام بيوتهم أو بيوت أصدقائهم ويقومون بالتسامر والحديث المتبادل ذي الصوت العالي والمزعج! لا داعي لذلك فالمقاهي المخصصة لذلك كثيرة ومنتشرة في جميع أنحاء تركيا.

 

 

ـ الاستهزاء الواضح بتقديس الأتراك لكل ما هو مكتوب باللغة العربية وتقديسهم العظيم للقرآن: يجب أن نعي أن الأتراك غير ملمين باللغة العربية وأي متن مكتوب باللغة العربية هو بمثابة متن ونص مُقدس بالنسبة إليهم؛ لأن اللغة العربية هي لغة القرآن ويجب احترامها والتعامل بأدب معها، حسب اعتقادهم، ولكن بعض الأشخاص العرب المقيمين هنا، للأسف، يقومون بالاستهزاء الواضح بالأتراك عند قيامهم ذلك بصرف بعض الأحاديث غير اللازمة تجاهم مثل: ماذا تفعل؟ ما هذا التعقيد؟! هذا ليس تعقيدًا أو تخلفًا؛ بل هو ناتج عن احترام وتقديس الأتراك للغة القرآن التي لا يعرفونها؛ فيعتقدون أن كل ما هو مكتوب باللغة العربية هو مقدس ويجب الحفاظ عليه، لا يجب الاستهزاء بهم بل مراعاة أوضاعهم وتقبل أمر تقديسهم لذلك.

 

 

أما تقديس الأتراك للقرآن فهو نابع عن سنة التقديس الموجودة لدى القومية التركية منذ سابق الأزل، حيث كانوا يقدسون ملوكهم وآلهتهم بشكل كبير، وعلى الرغم من دخولهم للإسلام إلا أن مبدأ التقديس ما زال ثابتًا لديهم ويجب عدم الاستغراب من ذلك بل إظهار كل الاحترام لهم ولمبادئهم.

 

 

ـ الاستغراب من احترام الأتراك “لغطاء مائدة الطعام” والدوس عليه: خاصة في بيوت المواطنين الأتراك القرويين هذه العادة شائعة، لا داعي للاستغراب فهم يعتقدون بأن هذا الغطاء هو حاضن لنعمة الله فلا بد من احترامه وعدم الدوس عليه.

 

 

ـ التحديق بالشابات التركيات: بعد قدومي رأيت صنفين من العرب يحدقون بالشابات التركيات؛ الصنف الأول هو صنف الشباب المُلتزم الذي يقوم بالتحديق بالشابات المحجبات بهدف الإعجاب بهم وخطبتهم إن أُعجب بهم.

 

أما الصنف الثاني، فهو صنف الشباب الذي يحدق بهدف كسب متعة النظر!، بحكم اختلاطي بالشابات التركيات المحجبات وغير المججبات ما تعلمته من خلال فترة اختلاطي بهم هو أن الشابات التركيات لسن مثل الشابات العربيات اللاتي تنتظرن من يأتي لخطبتهن؛ بل حتى الشابات التركيات الملتزمات شديدات الالتزام الديني يرجحن التعارف حتى لو لفترة قصيرة قبل الزواج، فلا داعي للتحديق بهن بفكرة سأذهب لخطبتهن فالبنات التركيات المحجبات وغير المحجبات لا يستلطفن أبدًا من ينظر إليهن بهذا الشكل.

 

 

أما الصنف الثاني من الشباب الذي كان في بلاده العربية لا يرى مثل هذا الانفتاح وعندما أتى إلى هنا رأى انفتاحًا واضحًا وكبيرًا فأصبح يرى الأمر وكأنه فرصة للنظر والتحديق! المجتمع التركي على الرغم من انفتاحه؛ إلا أن ليست لديه ثقافة التحديق والنظر إلى من يرتدي القصير أو الطويل ويرى أن هذه حرية والنظر إلى الشابات بهذا الشكل أمر مشين يستغرب منه المجتمع أجمع، وهذا هو التصرف الطبيعي والمدني الذي يجب أن يتحلى به الشباب العرب الوافد إلى هنا “كضيف” ويجب أن يعلم هذا الشخص بأن الضيف يجب أن يكون دقيقًا في تصرافاته أكثر من المقيم الأصلي؛ لأنه يُعد سفيرًا لدولته ومجتمعه في تصرفاته وتحركاته وأن أي تصرف خاطئ منه للأسف يؤثر سلبًا على جميع أهل جلدته.

 

 

ـ انزعاج الأتراك من الاستلقاء أو تناول الطعام في المسجد: من الأمر العادي أن نقوم في بلادنا العربية بالاستلقاء في المسجد ما بين الصلوات أو تناول الطعام، ولكن هذا الأمر بمثابة الحرام لدى الأتراك؛ وذلك لأن المساجد بالنسبة إليهم دور عبادة مقدسة مخصصة للعبادة فقط ولا يجوز عمل أي أمر آخر بها، لا بد من إبداء بعض الحساسية في تركيا والابتعاد عن هذه العادة.

 

 

في رأيي هذه هي نقاط الاختلاف الثقافي الأساسية التي يواجهها الوافدون العرب في تركيا، وأعتقد بأنه ليس من الصعب أبدًا الامتثال والتوافق مع الثقافة التركية التي تُعد بعض مبادئها إيجابية ومدنية، يجب على كل شخص مدني متحضر أن يتحلى بها، والله أسأل أن يبقى هذا مجرد اختلاف ثقافي يمكن التغلب عليه وأسأله ألا يتحول لصراع ثقافي يسبب الاصطفاف والتناحر، نحن ضيوف ولا بد من التصرف كضيوف.

 

 

ترك برس