ملف الشاهد

الخميس,22 سبتمبر, 2016
تسييس الثكنات الأمنيّة و العسكريّة يتهدّد التجربة التونسيّة

الهيئة العليا المستقلّة للإنتخابات تحذّر من كارثة تأجيل الإنتخابات البلديّة و المحليّة إلى سنة 2018 و السبب تعليق النقاش صلب مجلس نوّاب الشعب حول قانون الجماعات المحليّة بعد إستشارة وطنيّة مطولة حول الموضوع إنتهت بين أروقة المجلس بجدل يتعلّق بتشريك الأمنيين و العسكريين في الإنتخابات.

تشريك الأمنيين و العسكريين في الإنتخابات يعتبره البعض سعيا لتسييس الثكنات الأمنية و العسكرية و حشرها في الصراع السياسي و الإنتخابي بما سيهدّد مدنيّة الدولة و سيخرج القوات الحاملة للسلاح عن أدوارها الدستورية و الوطنية إلى مهمّات أخرى تظهر تجارب التاريخ مدى سلبيتها و حجم إنعكاساتها السلبية على المسار الديمقراطي.

المجتمع المدني يتساءل:

رئيس شبكة مراقبون رفيق الحلواني قال في تصريح لموقع الشاهد أن الاشكال الوحيد في تمتيع القوات الحاملة للسلاح في الانتخابات البلدية باعتباره حق دستوري، هو في الجانب التقني أي في كيفية مشاركتهم في الاقتراع في حين أنهم مكلفون بتأمين الانتخابات و الناخبين وصناديق الاقتراع.

واعتبر الخلاف الحاصل بين شقين من الكتل البرلمانية خلاف سياسي أكثر من أن يكون خلافا دستوريا، بين شق مدافع عن الأمنيين والعسكريين في المشاركة في عملية الاقتراع لأنه يعتبر أن تصويتهم سيكون بالضرورة لصالحه، وبين رافض لاقحام المؤسستين الأمنيّة والعسكريّة في التجاذبات السياسيّة من منطلق الخوف من التصويت ضده، قائلا أن هذا التباين في الأراء يجب أن يحسم داخل لجنة التوافقات، وأن تشريك الأمنيين من عدمه في الأخير سيتم حسمه داخل البرلمان

جدل دستوري:

أثار موضوع حقّ الأمنيين في الإقتراع جدلا دستوريا و إنقسم أساتذة القانون الدستوري و أهل الإختصاص بين متخوّف على مدنيّة الدولة المنصوص عليها في الدستور التونسي الجديد و مطالب بمنح الأمنيين حقّهم في الإقتراع كمواطنين تونسيين و قال استاذ القانون الدستوري جوهر بن مبارك في تصريح لموقع الشاهد أنه يمكن تفهم منع والمعارضة والتخوفات من منح الامنيين والعسكريين الحق في الاقتراع بالنسبة للانتخابات التشريعية، باعتبار أن هذا الاجراء الذي تم التنصيص على منعه يشكل صعوبة في الانتخابات التشريعية خاصة أن الوضع استثنائي، مؤكدا في المقابل أنه في ما يتعلق بالانتخابات البلدية والمحلية فإن معارضة حقهم الدستوري في الاقتراع لا مبرر له.

واوضح بن مبارك أن الانتخابات البلدية والمحلية تهدف الى تقديم خدمات للمواطن وباعتبار الأمنيين من دافعي الاداءات البلدية وفي علاقة مباشرة بخدماتها و عملها ومشاريعها كمواطنين قاطنين بمرجع نظرها، فإنه لا موجب لمنعهم من المشاركة فيها ، مشيرا الى أن العالم متجه نحوالتوسيع وهناك دول تمنح حتى الاجانب الحق في المشاركة في الانتخابات البلدية.

مختار بن نصر: مشاركة الأمنيين والعسكريين في الانتخابات أمر خطير سيورط تونس في حرب أهليّة

العميد السابق بالجيش الوطني والخبير العسكري مختار بن نصر إعتبر مسألة مشاركة الأمنيين والعسكريين في الإدلاء بأصواتهم الإنتخابات وفي التجاذبات السياسية أمر خطير  سيورّط البلاد في حرب أهليّة، مشددا على أن الصراع السياسي سيتحول إلى الثكنات في صورة مصادقة البرلمان على مشروع قانون يتسمح لأبناء المؤسستين الأمنية والعسكرية بالمشاركة في العملية الانتخابية.

وقال مختار بن نصر في تصريح صحفي، إنّ مشاركة العسكريين والامنيين في الانتخابات قد يضرب في الصميم مبدأ الحياد والانضباط الذين ينص عليهما الفصلين 18 و19 من الدستور التونسي.

وفي ذات السياق شدد العميد المتقاعد من الجيش الوطني على أن كل الجيوش التي تُسيّس تفشل وتستولي على السلطة وعلى الحكم معتبرا مقترح تمكين الأمنيين والعسكريين في الانتخابات “ضربة” للديمقراطية في هذه المرحلة الانتقالية و في هذا الظرف الدقيق والحساس الذي تمر به تونس.

كما قال ذات المتحدث” الجيش عندما يكون محايدا يكون قادرا على تنظيم العملية الانتخابية ونقل صناديق الاقتراع، وفي حال شارك في العملية الانتخابية ستُسيس الثكنات وسيُضرب مبدأ الشفافية في الانتخابات”، داعيا مجلس النواب إلى عدم الانسياق وراء أفكار الحقوقيين وإلى تعليق هذا المقترح في الوقت الراهن.

وأضاف أن الحقوقيين يدافعون عن حق الأمنيين والعسكريين في الانتخاب من منطلق المساواة في الحقوق والحريات دون أن يعوا ما لهذا المقترح من انعكاسات خطيرة على وضع تونس، لافتا إلى أنّ الامنيين والعسكريين يحملون السلاح وأن السلاح الموجه لحماية التراب التونسي يمكن أن يصير موجها لحماية طرف حزبي ضد طرف آخر.

رجال دولة و عسكريّون يرفضون إقحام الأسلاك المسلّحة في الصراع الإنتخابي:

مجموعة من مسؤولي جمعية قدماء معهد الدفاع الوطني ومنظمات المجتمع المدني أصدروا وثيقة وقعها رجال دولة وعسكريون وحقوقيون تعارض بقوة تشريك ” الأسلاك المسلحة ” في المعارك السياسية والحزبية وفي العملية الانتخابية بكل مراحلها .

وفيما يلي النص الكامل للبيان :

من المنتظر أن يستأنف مجلس نواب الشعب بعد أيّام، أشغاله لإتمام مناقشة مشروع تنقيح القانون الأساسي لسنة 2014 المتعلّق بالانتخابات و الاستفتاء، و بالتحديد للحسم في مقترح تمكين أعوان الأسلاك المسلّحة من جيش و قوات أمن داخلي من ممارسة «حقّ» الانتخاب.

و في هذا الخصوص تعبّر الشخصيّات الوطنيّة و الجمعيّات المدنيّة، المبيّنة بالملحق بهذا، عن تأييدها للموقف الوارد بهذا البيان الرّافض لتشريك الأسلاك المسلّحة في الانتخابات، كما تنبّه الرأي العام التونسي و القائمين على شؤون البلاد و خاصّة السادة نوّاب الشعب، إلى المخاطر الجسيمة المتوقّعة من الزجّ بالأسلاك المسلّحة، عبر ذلك الإجراء، في المجال السّياسي و إلى تداعيّاته السلبيّة المؤكّدة لا على الأسلاك المعنيّة فقط بل و على مستقبل البلاد عامّة.

و ينبني هذا الموقف على الاعتبارات الموضوعيّة التالية :

1. فعلا، لقد نصّ الدستور في فصله 34 على أنّ ” حقوق الانتخابات والاقتراع والترشّح مضمونة طبق ما يضبطه القانون” و هذا ينسحب طبعا على جميع المواطنين، إلاّ أنّ الدستور ذاته نصّ في فصله 49 على أن “يحدّد القانون الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها. ولا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير، أو لمقتضيات الأمن العام، أو الدفاع الوطني، أو…”. فهذا الفصل (49)، يبيّن جليّا أنّ إعفاء تلك الأسلاك من عمليّة الانتخاب هو إجراء دستوري طالما له مبرّراته من «مقتضيات الأمن و الدفاع»، و ليس كما يروّج له البعض، إنكارا لذلك الحقّ على أولائك الأعوان بصفتهم «مواطنون» أو استنقاصا من مواطنتهم. أمّا مقتضيات الأمن و الدّفاع التي تستوجب تعليق بعض الحقوق، منها حقّ الانتخاب و ليس الحقّ الوحيد، فتعود أساسا لخصوصيّات المؤسّسات المعنيّة، فهي مسلّحة، و لطبيعة مهامها و متطلّبات نجاحها في أدائها، من أهمّها طابعها اللاسياسي و الحياد التام و التحفّظ و الانضباط و انسجام مكوّناتها و نكران الذات الشخصيّة تجاه المؤسّسة و المصلحة العامّة. في حين أنّ مشاركة أعوان تلك الأسلاك في الانتخاب، وكما سنبيّنه لاحقا، لا يساعد على توفير تلك المقوّمات الأساسيّة بل بالعكس يساهم في تسييس المؤسّسات المعنيّة جعلها محلّ تجاذبات و كذلك في إضعاف روح الانضباط فيها وانسجامها و وحدتها و التفافها حول قياداتها. و هذا كفيل بتبرير مقتضيات الأمن و الدّفاع التي بموجبها يعفى أعوان تلك الأسلاك من المشاركة في الانتخابات و غيرها من الحقوق و الحرّيات الأخرى رغم دستوريّتها.

رفض شعبي واسع و مطالب متجددة بعسكرة السياسة:

جدل تسييس الثكنات الأمنية و العسكريّة إمتدّ ليصل إلى شبكات التواصل الإجتماعي التي عجت بالتعليقات و الهاشتاغات الرافضة للزجّ بالأسلاك الحاملة للسلاح في الصراع السياسي و الإنتخابي محذّرين من مغبّة سعي بعض الأطراف لتزوير الإنتخابات أو لعسكرة السياسة.

مطالب تسليم السلطة للجيش ليست جديدة في تونس فمنذ صائفة 2013 تتالت الدعوات لتسليم السلطة إلى الجيش من طرف فئة من النخب في شتى المجالات كان محرّكها الأساسي رغبة جامحة في إستنساخ الإنقلاب العسكري الدموي في مصر إنتقاما من تواجد الإسلاميين كجزء من المشهد السياسي الجديد.