إقتصاد

الجمعة,23 سبتمبر, 2016
تراكم قيمة الديون الخارجية…أثقال ترهق التجربة التونسيّة

يطالب المتابعين للشأن الاقتصادي في تونس والمختصين في الديون الخارجية بضرورة جدولة الديون الخارجية للبلاد بعد بلوغها درجة وصفت بالخطيرة على مستوى توازنات المالية العمومية الوطنية.
وستجد الدولة نفسها أمام عدة مشاكل بسبب تراكم الديون الخارجية لتونس وستكون غير قادرة على تسديد هذه الديون كما ستؤثر ارتفاع قيمة الدّيون الخارجيّة على القدرة الشرائية للمواطن التّونسيّ.
وكان رئيس مجلس نوّاب الشّعب محمّد الناصر قد حذر يوم 19 سبتمبر 2016 من التداعيات المالية الخطيرة للارتفاع المتواصل لقيمة الديون الخارجية بسبب توجيه القروض لتغطية نفقات ومصاريف ميزانية الدولة عوض توجيهها إلى الاستثمار.
ويتوقع خبراء، انه لم يسبق أن بلغت المديونية الخارجية لتونس هذه الدرجة من الخطورة بعد خروجها الكلي عن السيطرة نتيجة سوء ادارة هذا الملف غداة الثورة باللجوء المفرط للاقتراض و التداين الخارجي و الخضوع للقروض المشروطة لصندوق النقد الدولي مع الإشارة الى اعتزام الحكومة ابرام برنامج تمويلات جديد مع هذه المؤسسة للسنوات الأربع القادمة.
قيمة الديون المتراكمة:
ووفق اخر الاحصائيات فإن الدولة التونسية مطالبة سنة 2016 بخلاص أولى أقساط ديون خارجية تقدر بحوالي 5130 مليارا، أي في حدود 17٪ من ميزانية الدولة للعام القادم.
ويقدر مجمل ما تسلمته تونس من قروض خارجية بين 2011 و2014 بحوالي 21 ألف مليار وهو مبلغ يساوي ما تسلمته من قروض خارجية أيضا بين 1987 و2010، وحسبما جاء في مشروع قانون الميزانية العامة للدولة لسنة 2016 فإن مبلغ أقساط الدين الخارجي المطالبة بخلاصه يفوق ميزانيتي وزارتي الداخلية والدفاع متجمعتين، إذ أن ميرانية وزارة الداخلية في حدود 2٫897 مليارا، والدفاع 2095 مليارا في حين تقدر ميزانية وزارة التربية وهي الأضخم بحوالي 4٫525 مليارا.
كما تشير الإحصائيات إلى تضاعف قيمة الديون منذ اندلاع الثورة لترتفع من 25 مليار دينار (حوالي 11.2 مليار أورو) إلى 50.3 مليار دينار (22.6 مليار أورو) وهو ما يناهز 53% من الناتج المحلي الإجمالي. لكن النسبة الأوفر لهذه الأموال، أي ما يقارب 82% رصدت لتسديد الاقساط السنوية المستحقة لمديونية النظام السابق وذلك في شكل تحويلات سلبية صافية لصالح الدائنين.
وكانت النائبة الأوروبية كريستين فرجيات قد حذرت في 2014 من انفلات المديونية التونسية بعد الثورة الى مستويات خطيرة منددة بموقف الدول و المؤسسات الرئيسية المقرضة ومن بينها فرنسا التي تساهم في اغراق تونس بالتمويلات المشروطة.
وأوضحت في هذا الصدد ان الأموال المدفوعة بعنوان تسديد الديون خلال السنوات الثلاث الاولى الموالية للثورة تتجاوز ب 2.5 مليار أورو ما تلقته تونس في شكل قروض جديدة بالنسبة لنفس الفترة.
والجدير بالذكر، فإن تونس اليوم مصنفة كأخطر بلد في ما يتعلق بالإقراض في شمال إفريقيا والشرق الأوسط وهي كذلك في المرتبة 85 من أصل 100 دولة على هذا المستوى..
تحويل القروض إلى مشاريع تنموية…
كانت ألمانيا هي الدولة الأولى التي بادرت بتحويل جزء من الديون إلى استثمارات بموجب اتفاق تمّ توقيعه في 27 جويلية 2012، حيث بلغ حينها الدين العام المحلي المستحق على تونس لفائدة ألمانيا حوالي 160 مليون يورو أي ما يعادل 312 مليون دينار.
هذا المبلغ سيخصص لإنجاز مشاريع طاقة وتزويد مناطق محرومة بالمياه الصالحة للشرب تحت إشراف الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه و بعث محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي بالتعاون مع الديوان الوطني للتطهير.
بدورها، قررت إيطاليا في شهر مارس 2015 تحويل 25 مليون يورو، أي ما يعادل 53 مليون دينار إلى استثمارات في شكل مشاريع تنموية في المناطق الداخلية. ويمثل هذا التحويل نحو 12.6٪ من الدين العام المستحق على بلادنا لفائدة الدولة الصديقة.

أما فرنسا فقد أعلنت حكومتها في شهر أفريل الجاري تحويل جزء من الديون التونسية إلى استثمارات بما قدره 60 مليون يورو أو 126 مليون دينار من أجل تمويل مشاريع لم يتم تحديدها بعد.
ويعتبر المختصون أن تحويل بعض الديون إلى استثمارات أمام غياب متابعة دقيقة لمصدرها ومصيرها قد يمثل خطرا كبيرا بما أنّه قد يضفي الشرعية على الديون المشبوهة خاصة منها تلك التي تمّ اقتراضها في ظروف مشكوك فيها أو في ظل أنظمة فاسدة، مما يفتح الباب أمام نهب موارد البلاد وتبييض الأموال.
وفي مسألة تحويل الديون بشكل عام فإن المبالغ التي وقع استثمارها مبالغ قليلة بلغت حوالي 150 مليون يورو أو 325 مليون دينار من إجمالي الدين الخارجي لتونس و الذي يتجاوز 26 مليار دينار.
ما حقيقة التعبئة الدولية لمساعدة تونس؟
وكان البرلمان البرلمان الأوروبي قد أعلن يوم 14 سبتمر 2016 أن الوضع الحالي في تونس يستوجب إطلاق “خطة مارشال” لدعم وتعزيز الديمقراطية، والتنمية الاقتصادية في هذا البلد العربي.
وحظي هذا القرار بموافقة 596 نائبا مقابل رفض 59 نائبا، وهو ما سيعطي الضوء الأخضر للخطة التي تتضمن دعما ماليا لتونس بقيمة 500 مليون يورو.
و “خطة مارشال” كانت مشروعا اقتصاديا لإعادة أعمار أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وضعه الجنرال جورج مارشال، رئيس هيئة أركان الجيش الأميركي أثناء هذه الحرب (1939-1945) ووزير الخارجية الأميركي منذ يناير 1947، وأعلنه بنفسه في 5 يونيو 1947 في خطاب أمام جامعة هارفارد.
منتدى خير الدين نظم هو الآخر لقاء يوم 15 سبتمبر 2016، لتقديم دعوة التعبئة الدولية لتنفيذ “خطة مارشال” لفائدة تونس بالعاصمة الفرنسية باريس، وأكد رئيس مجلس التوجيه في المنتدى عفيف شلبي في تصريح لوكالة تونس أفريقيا للأنباء أن هذه المبادرة تهدف إلى المساهمة في تعبئة 20 مليار أورو على امتداد 5 سنوات لفائدة الاقتصاد التونسي.
كما أنه من المنتظر أن تشارك أكثر من ألف شركة وممثلون عن 70 بلداً يومي 29 و 30 نوفمبر القادم، في مؤتمر دولي كبير بتونس يهدف إلى دفع الاقتصاد والتنمية والتشجيع على الاستثمار.
وسيساعد هذا على دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمستدامة في تونس و السعي لإصلاح صورة تونس واستعادة المناخ الإيجابي للأعمال والاستثمار لتوفير مواطن الشغل.