كتّاب

الخميس,2 يوليو, 2015
تحصين تونس

الشاهد_لا تونس ولا غيرها، من دول هي أقوى منها كثيرا أو قليلا، بقادر على القضاء الكامل والنهائي على الإرهاب. لا أحد جادا بقادر أن يزعم ذلك، وإن تهور وادعاه فلن يصدقه أحد وستسفهه الأحداث. الظاهرة معقدة للغاية ولا يمكن ردها باطمئنان إلى سبب واحد دون غيره، هي تصعد وتنزل لعوامل عديدة، تنتعش من كل ما هو غير صحي وتقتات في الغالب على أخطاء سياسيين وتشوهات مجتمع ورياح قادمة من الشرق والغرب.

كل ما تستطيع تونس فعله الآن بعد جريمة سوسة الأخيرة، وكان يفترض الحقيقة أنها تكون فعلته قبل ذلك، أن تشرع بهمة في تحصين نفسها سريعا على أمل الحد من مخاطر تعرضها لضربة أخرى قد تكون أسوأ طالما أن الخط البياني للعمليات الإرهابية يشي بذلك. أما التغلب على الإرهاب أو استئصاله بالكامل فمعركة متعددة الأوجه ليس من السهل الانتصار فيها وليست كل خيوطها في يد تونس على أية حال. شروط التحصين العاجلة، وليس شروط القضاء على الإرهاب، تتمثل حاليا في النقاط الضاغطة التالية:

– مسارعة السلطة إلى تقديم رؤية متكاملة إلى التونسيين تشرح لهم فيها بكل صراحة إلى أين تسير البلاد، وما الذي يمكن القيام به للوصول إلى أهداف طموحة محددة وتلافي مطبات تزداد نتوءاتها باستمرار. هذا الأمر للأسف تبدو حظوظه ضعيفة حاليا لأن «جـُـبــة» الرئاسة تبدو ضيقة على الباجي قائد السبسي فيما تبدو «جـُــبـــة» رئاسة الحكومة واسعة جدا على الحبيب الصيد. الأول طموحاته أكبر من أن تستجيب لها صلاحيات الرئيس المحدودة، والثاني تواضع حضوره، وربما امكاناته، يحولان دون تحمله أعباء هذا المنصب بكل ما يتيحه من صلاحيات كبيرة. وإذا أضفنا إلى هذه المفارقة الحضور الباهت لدى أغلب الفريق الحكومي فإن المسألة تصبح أعقد.

– ضرورة أن يقدم «الاتحاد العام التونسي للشغل»، نقابة العمال العريقة على خطوة تاريخية بتجميد أو تأجيل سلسلة الإضرابات التي لا تنتهي. المطالب مشروعة على الأغلب ولكن ظروف البلد، بل ومستقبله برمته، لم يعد يمتلكان ترف تحمل ما يبدو ابتزازا لدولة ضعيفة لم تعد قادرة على الرفض أو المواجهة. المسألة لم تعد من «الأشطر» في افتكاك زيادة دينار إضافي من الدولة إلى راتبه بل في الموازنة بين من له راتب، مهما كان محدودا، وبين آلاف العاطلين والمهمشين والجوعى كذلك.

– المسارعة القصوى إلى تنفيذ مشاريع كبرى في المناطق المحرومة لعقود، في الوسط والشمال الغربيين والجنوب وكذلك في أحزمة الفرق حول العاصمة، لإعطاء بارقة أمل، مهما بدت محدودة في البداية، في أن الأحوال يمكن أن تتغير وأن شباب هذه المناطق يمكن أن ينظروا إلى المستقبل نظرة غير تلك التي تدفعهم إلى مسالك أخطرها قوارب الموت نحو أوروبا أو جماعات الموت باسم الله.

– بناء تصور مدروس وعاقل لكل علاقات تونس الخارجية وخاصة مع الجارتين الغربية والشرقية، الجزائر وليبيا، مع مراعاة أن أي استمرار للمعارك العسكرية في ليبيا في ظل انقسام سياسي ومناطقي حاد لا يمكن إلا أن ينعكس سلبا على البلاد بحيث يتوجب التخطيط لكيفية الحد من تداعياته السلبية. كل ذلك، مع ضرورة الحرص على إخراج الحديث عن علاقات تونس الخارجية من أي تنطع جاهل أو غير بريء لدى أوساط إعلامية وسياسية تجد متعة في التشهير أو الشيطنة لهذا البلد أو ذاك بما لا يخدم مصلحة البلد على كل حال .

– الإقدام على إصلاح المنظومة الأمنية بكاملها وتجنيبها المزايدات بين الأطراف السياسية وتلك الأصوات المرددة، عن حسن نية أو عن عكسها، بأن تونس ما كان ليحدث فيها ما حدث لو بقيت محكومة بنفس القبضة السابقة سنوات بن علي.

– وضع حد نهائي لخطاب الكراهية والتحريض على العنف في بعض المساجد أو لدى بعض الجمعيات والأحزاب بعيدا عن أي تعسف وبسلاح القانون دون غيره. إن خطابا كهذا يوجه إلى أي شاب مهزوز يفتقر إلى أي مرجعية في حياته أو قدوة يمكن أن يحوله مع أجواء التهميش والفقر و»الحقرة» وانسداد آفاق المستقبل إلى عنصر جاهز لأي مهمة قتال في الخارج أو قتل في الداخل.

– «انتفاضة» حقيقية في الأوساط الفكرية والسياسية والاعلامية تتوجه إلى المواطن أولا وأخيرا حتى يصبح إيجابيا في تعامله مع شؤون بلده بعيدا عن التذمر الدائم الذي يستعذب إلقاء المسؤولية على غيره، دون أن يرى غضاضة في تقصيره في القيام بالحد الأدنى من واجباته وأولها العمل.

إذا شرعت البلاد في هذه المهام، أو أكثرها إلحاحا على الأقل، تكون قد وضعت اللبنات الأبرز للتحصين أم استمرار اعتماد نفس الأساليب السابقة فلن يجعلها سوى أقل مناعة في مواجهة المقبل الذي قد يكون أقسى وأمر… لا سمح الله.

محمد كريشان



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.