رياضة

الأربعاء,30 سبتمبر, 2015
تاريخ كرة القدم.. كيف تطورت اللعبة الساحرة

الشاهد_ليس من الغريب أن تحظى كرة القدم في أيامنا هذه باهتمام أكبر إعلاميًّا وسياسيًّا وقضائيًّا، إذ ليس هناك رياضة أكثر شعبية في العالم من كرة القدم، الرياضة التي تنتشر في كل المجتمعات باختلاف ثقافاتهم وأعراقهم، وتجذب إليها باستمرار مئات الملايين من الجماهير العاشقة.

بل إن لعبة كرة القدم أضحت أحد القطاعات الاقتصادية المهمة في العالم، والتي تقدر تعاملاتها المالية بملايين الدولارات، ناهيك عن أنها رياضة تملك نفوذًا عميقًا سياسيًّا ونفسيًّا ومجتمعيًّا في نفوس شعوب المعمورة.

فكيف إذن تطورت كرة القدم عبر التاريخ إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن؟

جذورها ترجع إلى الحضارات القديمة

تعود أصول رياضة كرة القدم إلى حضارات قديمة عاشت خلال 2500 سنة قبل الميلاد ومارست أشكالًا أولية لهذه الرياضة، حيث كان الصينيون القدامى يمارسون شكلًا يسمونه “تسوشو”، كانوا يركلون كرة جلدية مملوءة بالريش والشعر عبر فتحة صغيرة، فكان يجب تسديدها إلى داخل شبكة مثبتة على قصبات طويلة من الخيزران، وعلى اللاعب أن يدافع عن نفسه بجسده أمام الخصم.

أما اليابانيون فقد عرفوا لعبة يسمونها “كيرامي”، كان اللاعبون ينتظمون في شكل دائرة ويمررون الكرة فيما بينهم داخل مساحة صغيرة للحيلولة دون أن تلمس الأرض، كما كانت تعرف الحضارة اليونانية لعبة “إييسكيروس”، وهذه الأخيرة تُلعب بكرة صغيرة بين فريقين على ملعب مستطيل مبين بخطوط حدودية وخط أوسط، وكان الهدف هو إيصال الكرة إلى ما وراء خطوط حدود الخصم عن طريق تقاذفها بين اللاعبين، بواسطة جميع السبل والحيل.

وبشكل عام كان الإنسان القديم يستمتع بركل أي شيء يشبه كرة حجرًا كان أم جلدًا أم رأس بشر، إلا أنه لم يعرف قواعد معينة أو انتظام على شكل مجموعات.

بدأت كرة القدم كلعبة جهنمية

وعندما حلت العصور الوسطى حققت لعبة كرة القدم نقلة في تاريخ تطورها، حيث كان من عادة إسكافيي المدن كل سنة وفي الأعياد الخاصة أن يقدموا كرة جلدية كهبة منهم إلى تجار الأقمشة والذهب، كي يلعبوا بها قدر استطاعتهم قبل أن يشترك معهم جميع سكان البلدة أو المدينة.

حينها كان يقسم المشاركون في اللعبة عشوائيًّا إلى فريقين، بحيث يضم كل فريق المئات من اللاعبين، لكي يسجل الفريق هدفًا عليه إيصال الكرة لموضع معلوم، الذي قد يبعد عنه عدة أميال، فكان الكل يلاحق الكرة ويتقاذفونها عبر الأنهار والمستنقعات والمزارع مثل الرعاع، حيث لم يعرفوا أولئك اللاعبون الأوائل سوى قاعدة واحدة وهي أن يجعلوا الكرة في مرمى هدف الفريق المنافس بأية طريقة، بل إن اللعبة كثيرًا ما كانت تصير إلى مصارعة جماعية، ولم يكن للمباراة زمن محدد فقد تستمر لأيام دون ختامها، كان الأمر أشبه بمظاهرات حماسية.

ورغم أن العنف والشغب لا زال حاضرين في رياضة كرة القدم حتى يومنا هذا، إلا أنه يبقى أمرًا استثنائيًّا، عكس تلك الفترة فقد كان الأمر شائعًا وطبيعيًّا.

واستمر الأمر على هذا النحو إلى بدايات القرن التاسع عشر، حينما أصبح الشبان المتعلمون بالمدارس الخاصة في إنجلترا يمارسون كرة القدم أيضًا، ولم تعد اللعبة حكرًا على الجماهير الغفيرة، وكان يعرف شباب المدارس الخاصة آنذاك بأسلوب خاص بهم، طبعهم الاستقامة والتأدب واللطف وقدرتهم على كبح جماح غضبهم، هؤلاء (الجتنلمان) هم من أدخلوا مفهوم الروح الرياضية إلى كرة القدم، شعارهم “اللعب هو كل شيء، وليس الغلبة، بل الأسلوب”، ومن ثم بدأت فكرة “اللعب النقي المستقيم” أو “الفير بلاي” تنتشر بين الأقطار.

نشوء رياضة كرة القدم

لكن التأسيس الفعلي لرياضة كرة القدم لم يبدأ إلا في سنة 1863 بإنجلترا، وذلك عندما اجتمع مندوبو الأندية التي كانت تحتضنها المدارس الخاصة الإنجليزية، وتشكل أول مجلس يعنى بكرة القدم حينئذ، وهو IFAB المكون من ممثلين اثنين لكل من الاتحادات البريطانية الأربعة (إنجلترا، إسكتلندا، ويلز، وايرلن) مهمتهم تأطير هذه الرياضة، فكان أبرز تطور حصل لكرة القدم هو فصلها عن كرة الريغبي والاعتماد على الساقين فقط للتحكم بالكرة، وهو الأمر الذي لم يكن هينًا حينها.

بعدها أصبحت اللعبة تتخذ تدريجيًّا الملامح التي نراها اليوم، فبدأ اعتماد ركلات المرمى في 1869، والركنيات في 1872، وفي 1878 استخدم حكمٌ الصافرة لأول مرة. أما ركلة الجزاء فلم تبصر النور حتى عام 1891، كما أصبح للملعب خطوط وحدود مرسومة ووقت محدد للمباراة، وأصبح العنف محظورًا في اللعبة، فيما أضحت الرياضة تنتشر في كل القارات، وتجتذب نحوها مزيدًا من الجماهير للاستمتاع بمشاهدة مباريات كرة القدم، ما دعا إلى تحضير مساحات تحيط بالملعب للمتفرجين.

وفي سنة 1904، تأسس الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA في باريس مع أعضائه السبعة الأساسيين: فرنسا، بلجيكا، الدنمارك، هولندا، إسبانيا، السويد، سويسرا، لينضم الاتحاد الإنجليزي IFAB للفيفا سنة 1913، قبل أن تلتحق باقي بلدان العالم بالاتحاد.

وابتداء من النصف الثاني للقرن العشرين، أصبحت رياضة كرة القدم تكتمل شيئًا فشيئًا، فوضعت القوانين التفصيلية المحكمة، وبرعت الفرق الرياضية في التفنن بلعب الكرة بمهارات عالية خلال مباريات كأس العالم، وتزايدت التغطيات الإعلامية لمجرياتها، ما جعل جماهير العالم تزداد عشقًا لهذه اللعبة.

شكل الكرة المستعملة في اللقاءات الدولية هي الأخرى شهدت تطورًا ملفتًا، فقد استخدمت كرة جلدية ذات وزن ثقيل في الثلاثينات حتى السبعينات من القرن الماضي، وبدأ سنة 1986 استخدام المواد الصناعية في صنع الكرة، وفي عام 1970 شرعت شركة “أديداس” بالتكفل بصنع كرات كأس العالم حتى يومنا هذا، حيث أصبحت الكرة في وقتنا الحاضر تصنع بتقنيات دقيقة وبوزن أخف.

تطور شكل الكرة في مباريات كأس العالم منذ 1930 حتى 2014

هكذا إذن تطورت كرة القدم عبر الحقب التاريخية المختلفة من نشاط همجي مهمل إلى لعبة رياضية محكمة وممتعة، حتى أضحت شبكة ضخمة يصعب حصرها في مجال الرياضة، إذ تخترق الاقتصاد والمجتمع والسياسة، وتحظى بترسانة من القوانين والكوادر ورؤوس الأموال التي تشغلها، مثلما أصبحت محل اهتمام الجماهير والإعلام في كل مناطق العالم.

إنها اللعبة التي أفرزت نجومًا استمتع ملايين الناس كثيرًا بمهاراتهم الكروية، نذكر منهم على سبيل المثال فقط بيلي وزيدان ورونالدو ومارادونا وميسي، اللعبة التي نتمنى أن تستمر في إثارة إعجابنا جميعًا مشاهدة وممارسة، بعيدًا عن فضائح الفساد وسلعنتها من قبل الشركات الرياضية.