مقالات مختارة

السبت,27 فبراير, 2016
تاجروا بهيبة الدولة فأوقعونا في هيبة التمرد عليها

الشاهد_كان المشهد بالأمس في ساحة “القصبة” مباشرة أمام أبواب رئاسة الحكومة سورياليا. حيث اقتحم أنصار إحدى النقابات الأمنية الساحة، وهي الساحة نفسها التي انهالت فيها قوات الأمن نفسها بالضرب على كل من حاول الاعتصام هناك، منادين باسم رئيس الحكومة ومرددين شعار “ارحل”، ومهددين باعتصام بلا نهاية حتى تنفيذ مطالبهم، خاصة منها الزيادة في الأجور بقيمة 400 دينار (حوالي 200 دولار). يأتي اقتحام ساحة الحكومة ومحاصرة رئيس الحكومة والأخير مجتمع مع رئيس الدولة وبقية القيادات الأمنية؛ لمواجهة الوضع الأمني الدقيق، خاصة إزاء التطورات في ليبيا، وتجديد حالة الطوارئ، والتهديدات المتصاعدة للإرهاب.

 

وكان بيان النقابة حدد مجموعة من الإضرابات والتحركات تصل حتى رفض تأمين جلسات المحاكم والمباريات الرياضية وغيرها من التجمعات. وذلك على النقيض من الدستور الذي يقول في الفصل 36 بوضوح: “حق الإضراب مضمون و لا ينطبق هذا الحق على الجيش الوطني، و لا يشمل حق الإضراب قوات الأمن الداخلي و الديوانة”.

 

الحكومة الحالية في وضع صعب خاصة إزاء الوضع المالي للبلاد، ولا تستطيع ميزانية الدولة أن تتحمل زيادات كبيرة في الأجور، ورغم أنها أمضت اتفاقية مع ستة نقابات أمنية، إلا أن واحدة فقط أصرت على رفض مقترحات الحكومة، متمسكة بمطلب حد أدنى من الزيادات بـ400 دينار. وكانت الحكومة قد عرضت زيادة تصل إلى 230 دينارا، هذا دون حساب الزيادة التي سيتحصل عليها باقي الموظفين العموميين بـ50 دينارا.

 

وحسب المكلف في رئاسة الحكومة بالملف الاجتماعي، سيصل الأجر الشهري الأدنى لأقل الرتب في الأمن التونسي إلى ألف دينار. غير أن تمسك إحدى النقابات الأمنية، وهي نفسها التي كانت رأس حربة حزب السبسي وحلفائه بين سنتي 2012 و2014، برفض هذه المقترحات والتصعيد الواضح في خطواتها. وتسنعمل في ذلك المساومة بوسائل حماية أمن الناس، وبالتالي إمكانية تعريضه لخطر متزايد إزاء التهديد المعلن والواضح للإرهاب لكي تفرض الزيادات التي تريد.

 

والحقيقة، تبرز الرسوم البيانية والأرقام أن رواتب الأسلاك الأمنية شهدت أكثر نسق للارتفاع في الأجور، مقارنة بكل أسلاك الوظيفة العمومية، ومثلما يوضح أحد التقارير الإخبارية: “ولم تقتصر المنح على الرواتب، بل شملت تحسين الإمكانيات والمعدّات المخصّصة لوزارة الداخليّة، التي شهدت ترفيعا كبيرا في ميزانيتها جاوز 60% خلال السنوات الخمس الماضيّة، لترتفع ميزانيّة وزارة الداخليّة من 1885 مليون دينار تقريبا سنة 2011 إلى 2896 مليون دينار سنة 2016 بنسبة جملية تبلغ 9% من ميزانية الدولة.”

 

الحقيقة، ما يحصل نتيجة مباشرة لتشجيع عديد القوى السياسية، لاسيما القوى التي تدافع عن ممارسات ومنظومات قديمة وعلى رأسها حزب الرئيس الحالي لهذه النقابات، لكي تتجاوز كل الحدود القانونية والدستورية في إطار توظيفها سياسي؛. ومن ذلك الزيارة المشهورة لمقرها في شهر أكتوبر 2013 في الوقت نفسه الذي قامت فيه بالتهجم على موكب رسمي للرؤساء الثلاثة للترويكا في ثكنة العوينة.

 

إذ استعمل حزب السبسي إحدى النقابات الأمنية في حملته الانتخابية وضرب هيبة الدولة وشكك فيها، من خلال استخدام بعض ممثلي هذه النقابة، بما في ذلك دعم من شكك في وجود شهداء ثورة وقام بتبييض أي قمع بوليسي قبل الثورة. الآن هذه النقابة نفسها التي تضخمت جرأتها وتعودت على خرق القانون ورفض الانضباط، تتحدى كل القوانين والأعراف (ملاحظة: نقابة واحدة مورطة فيما حصل اليوم، بل إن نقابات أسلاك أخرى تعرضت للشتم من أنصار هذه النقابة). حزب السبسي يدفع ثمن توظيف ما هو أمني في ما هو سياسي، لكن تدفع الدولة أيضا من ورائه ثمنا أكبر.

 

ومن الصدف صدور تقرير عن مؤسسة “كارنيغي” هذا الأسبوع، يتحدث عن كيفية التعامل السياسي في تونس مع الأجهزة الحاملة للسلاح وبالتحديد مؤسسة الجيش الوطني التونسي بعنوان “ثورة هادئة: الجيش التونسي بعد ابن علي”. كاتب التقرير، باحث الدكتوارة في جامعة برنستون شاران غريوال، قام بسلسلة طويلة من اللقاءات مع مسؤولين ذوي علاقة بالموضوع، وكنت التقيته في صيف 2014. ومن أهم خلاصاته أنه بعد عشريات من تهميش المؤسسة والتعامل معها من خلال تعيينات تعتمد الانتماء الجهوي والقرب من الحاكم، انتقلت إلى مرحلة جديدة بدأت خاصة مع الرئيس المرزوقي القائد الأعلى للقوات المسلحة من آخر 2011 إلى آخر 2014 حيث تم الانتقال “من السيطرة الشخصية إلى السيطرة المؤسسية”، وذلك خاصة من خلال التعيينات التي تعتمد أساس الكفاءة وتفعيل مجلس الأمن القومي. وتم تكريس هذا التوجه المؤسسي خاصة في رفض الجيش الميل للدعوات التي قامت بها المعارضة في آخر صيف 2013، تأسيا بالنموذج المصري، للانقلاب على المؤسسات المنتخبة.

 

ففي تونس هناك رؤيتان للتعامل مع الأجهزة الحاملة للسلاح؛ رؤية أولى ترى أنه من الضروري توظيفها سياسيا عندما تكون في المعارضة، وتخضعها أو تتلاعب بها من خلال تعيينات تعتمد الشللية الحزبية عندما تكون في الحكم. في المقابل هناك رؤية أخرى دافعنا عنها وتتمثل في التعامل معها كمؤسسة تقوم بدور حيوي دائم، بمعزل عمن هم في السلطة، وعلى هذا الأساس يجب التركيز على الصبغة المؤسسية المنفصلة عن هوية الحاكم.

 

طارق الكحلاوي