أهم المقالات في الشاهد

الخميس,8 أكتوبر, 2015
“تابلات ماق”: مثلث السلطة الموازية يهدّد التجربة التونسيّة

الشاهد_أورد موقع “تابلات ماق” في تقرير مطوّل إطلعت عليه الشاهد و نقلته إلى اللغة العربية أن تونس، قصة النجاح الديمقراطي الوحيدة التي هي في طريقها للخروج من ثورات “الربيع العربي” و التي بشرت ذات مرة من قبل الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، هي في خطر شديد. وحتى الثمانيني الرئيس الباجي قائد السبسي في البلاد يبدو أنه يوافق، محذرا في الآونة الأخيرة من احتمال واضح بأن بلاده قد تصبح فعلا دولة فاشلة أخرى في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أنه أعاد بسرعة نطقه الدرامي، أعرب السبسي عن وجهة نظره التي بالكاد تخفى، وهي شائعة بشكل متزايد هنا: تونس غير مستعدة بالكامل لهجوم إرهابي آخر، ناهيك عن زيادة عامة في العنف المشوب دينيا، والتفكك الاجتماعي، والانهيار الاقتصادي الواسع الذي أصبح المعيار في جميع أنحاء المنطقة.

ماذا حدث؟ يبدو أن التونسيين يديرون إعجابهم لجعله من خلال الفترة الانتقالية التي جرت بعد ثورة جانفي 2011. وقد تمت كتابة دستور جديد متين. كما جرت اثنين من الانتخابات.و تم تأمين تقاسم السلطة بين الإسلاميين ونقيضها في قلب إجماع وطني جديد. ومع ذلك، لا يزال النظام الذي برز بشكل كبير يرتكز بشكل متزايد بالفساد وعدم الكفاءة الواسعة للنظام القديم، بما في ذلك الشرطة، والنخبة من رجال الأعمال المختلفة، ومافيا محلية.

وهنا يكمن جوهر المشكلة: ما يسميه بعض التونسيين الدولة الموازيةـــ مثلث السلطة الذي بني بدأب على مدى العقود الأخيرة من الدكتاتورية المدعومة من الغرب والتي هي بمثابة سلطة الأمر الواقع ـــ ببساطة لن تكون قادرة على توفير الأمن في بيئة جديدة من تمرد التكنولوجيا الفائقة التي لا هوادة فيها؛ ولا يمكن أن تحفز النمو أو حتى ضمان الاستقرار الاقتصادي بالنسبة للغالبية العظمى من التونسية
وفي الواقع، فإن الدولة الموازية هي هيكليا عاجزة عن اتخاذ أي مهمة على نحو فعال. أولا، على عكس العديد من الدول الأخرى في المنطقة، لديها عمق استراتيجي، وخبرة، أو نجاح ملموس في مكافحة العنف المتواصل ضئيل جدا. ثانيا، النخبة الأمنية هي مقاومة بأغلبية ساحقة لأي نوع من الإصلاح أو الرقابة التي قد تجعل عملائهم أكثر قدرة وخضوعا للمساءلة، مفضلة بدلا من ذلك مضاعفة أعمق للأساليب الفجة والخرقاء، إلى جانب تعميق الممارسات الفاسدة، التي لا تولد سوى المزيد من الحقد فقط ـــ بالفعل على مستويات مرتفعة بشكل استثنائي ـــ بين السكان المدنيين.

ثم هناك مسألة سرعة تفكك الاقتصاد التونسي: كيف يمكن للدولة الموازية أن تتوقع سن أنواع الإصلاحات المطلوبة بالشدة التي قد تساعد على وقف التدهور في البلاد ولكن هذا من شأنه أيضا أن يقوض بالضرورة مصالحها المالية؟

في أوائل عام 2012، وبطبيعة الحال، كانت هذه المقايضات الصعبة أقل وضوحا بكثير. وأول حكومة منتخبة ما بعد الثورة بقيادة حزب النهضة الإسلامي اختارت أساسا عدم اتخاذ الدولة الموازية بقوة رغم تأكيداتها السابقة للشعب التونسي ـــ قرار حاز على تأييد الحكومة الأمريكية والدول الرئيسية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وقد لوحظت إحدى إشارات الانعطاف عندما تخلى رئيس الوزراء حمادي الجبالي التابع لحركة النهضة خلال السنة الأولى من ولايته، جزئيا عن المصلحة الذاتية، و التراجع عن مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية التي تم تصميمها لتخفيف حدة النظام الاقتصادي الاحتكاري للبلد الذي يغذي في نهاية المطاف جهاز المافيا.

وبإيجاز، قد تفتح هذه الإصلاحات حتى قطاعات رئيسية للاقتصاد لزيادة الاستثمار المحلي وكذلك الأجنبي، وبالتالي تقويض القوة الساحقة التي يستخدمها عدد قليل من العائلات الثرية لحماية المؤسسات التابعة لها من المنافسة الأجنبية والمحلية على حد السواء. ولكن الجبالي أدرك أن حزبه والقوى الثورية كما تعصف بنفسها إذ لم يكن لديهم العضلة السياسية لإحداث هذا التغيير الكبير وهذا النهج المفضل لديهم يمكن أن يؤدي إلى زعزعة الاستقرار السريع للحكومة. وعلاوة على ذلك، فإن التفكير السائد في ذلك الوقت يذهب إلى، لماذا تمت زعزعة القارب بسرعة بعد أن تم الإفراج فقط عن بعض المسؤولين المنتخبين حديثا من سجون النظام؟

وتدريجيا، اعتقدوا أنه يمكن معالجة مشكلة الدولة الموازية في إطار قوانين جديدة ووضع دستور جديد، وتغيير الموظفين الراسخين في وزارة الداخلية، ومن المأمول، جهود دولية داعمة. ومع ذلك، فإن الورقة البديلة التي لم تقم حركة النهضة والأمريكيين والأوروبيين بحسابها بشكل صحيح هي الانهيار المطرد للدولة الليبية، والجذب الجامح للحرب الأهلية السورية، وانتشار المناطق الجهادية الآمنة التي تمتد الآن عبر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وببساطة، فإن النهج التكييفي للدولة الموازية قد جعل بلا معنى في عام 2012 أو حتى عام 2013. ولكن على مدى العام والنصف الماضية فقد بلغ نقطة انتهائه من حيث الكفاءة. وقد ارتكبت أكثر من اثني عشر من الهجمات المتمردة والإرهابية الكبرى في جميع أنحاء البلاد في العام الماضي لوحده (بما في ذلك، التمرد لمدة ثلاث سنوات ولا يزال متواصلا في سلسلة جبال الشعانبي المركزي، الذي لا يتعدى طوله 1500 متر ارتفاع). وقد دمر اقتصاد البلاد، مع معظم الفنادق التي ظلت فارغة و رفض الشركات للاستثمار الذي ينظر إليه عن حق باعتباره مكانا صعبا للغاية للقيام بأعمال تجارية.

وللأسف، فإن الرئيس الحالي ومعظم المراقبين الآخرين عادة ما يلقون بأصابع الاتهام إلى أسباب فرعية للمأزق الحالي في تونس: الافتقار إلى مساعدات نقدية أجنبية لدعم الممارسات غير الفعالة في البلاد. لا تكفي الأسلحة المستوردة أو التدريب للجيش. والمتطرفين النابعين من داخل التطرف من قبل الغرباء أو المدللين بشكل خطير من قبل الحكومات السابقة. في الواقع، القائمة تطول، ولكن دائما يشرحون السرطان الرئيسي كالكذب خارج النطاق “العادي” للكيان السياسي التونسي و المسؤولية التونسية.

إنهم مخطئون: إن المشكلة الأساسية تكمن في تونس وتتجسد في دولة موازية. و حتى الآن على الرغم من عدم كفاءته الواضحة على نحو متزايد ـــ بشكل مأساوي أكد قبل ثلاثة أشهر فقط على مستوى هائل من الدمار البشري والاقتصادي حيث مسلح واحد متدرب تدريبا جيدا قادر على إحداث كارثة في هجوم واحد فقط في منتجع مدينة سوسة يوم 26 جوان ــ فإن المثلث القديم من السلطة قد قام بالفعل بتوسيع نطاق انتشاره باطراد. وفي الواقع، منذ صدور قانون جديد لمكافحة الإرهاب في شهر جويلية الذي قام بإرجاع بشكل فعال القوى الرئيسية لجهاز الأمن (دون أي معايير جديدة من المسؤولية والرقابة، أو رصد الفعالية)، إلى المرور الوشيك ل”المصالحة الاقتصادية” مع رجال أعمال النظام السابق (مشروع قانون الذي من شأنه أن يجنب قضية المساءلة ومنع الفساد من السير إلى الأمام)، وتقريبا تم الانتهاء من الإطار القانوني لضمان هيمنة الدولة الموازية. هذه المرة، ومع ذلك، يجري من قبل الممثلين المنتخبين الذين عموما لم يجدوا أي خيار آخر قابل للتطبيق سوى التخلي عن المقاليد الحاسمة للسلطة إلى نظام الحكم الذي حاربوه ذات مرة.

وفي الوقت نفسه، يجري تهديد مجموعة واسعة من منظمات المجتمع المدني مع إغلاق بعضها بينما يتعرض الصحفيين والنشطاء لهجمات متزايدة للاستجواب على بند مكافحة الإرهاب المهيمن. كما تمت المئات، وربما الآلاف في الاعتقالات الجماعية، وكما كان متوقعا، فقد تم إغلاق أكثر من مائة مسجد وإسكات الأئمة دون أساس واضح وثابت للقيام بذلك، أو الكثير بوضع خطة لما يجب القيام به مع القادة وأتباعهم فيما بعد. وفي واحدة من التوضيحات الدرامية بشكل خاص من سلطة الدولة الموازية في الآونة الأخيرة، وفقا لصحيفة الأسوشيتد برس، فقد أطلق سراح سبعة تونسيين متهمين بموجب قانون مكافحة الإرهاب الجديد من قبل محكمة، ليتم اختطفاهم لحظات فقط في وقت لاحق عندما أخرجوا من قاعة المحكمة من قبل قوات الشرطة و الذين بحسب ما ورد على لسان زملائه الضباط قد قاموا بتعذيب العديد من الرجال.

ونظرا للتهديد الواضح للأمن الدولي الذي يمكن أن تمثله دولة متوسطية فاشلة أخرى، فإن خطورة الوضع تتطلب أكثر بكثير من جميع الجهات الفاعلة المعنية من البيانات الفارغة حول دعم الإصلاحات أو على أمل أن تونس هي بلد مسالم بطبيعته بطريقة أو بأخرى محصن من مثل الطفرة الجهادية أو الصراع المدني المستمر في الموصل. وفي هذا الصدد، هناك العديد من الأساليب المتاحة، منها الأكثر طموحا وشمولا: إن إنشاء المحكمة الدولية لمكافحة الفساد مثل المحكمة الجنائية الدولية التي من شأنها أن تعمل على مبدأ التكامل، وهذا يعني أن المسؤولين فقط من تلك البلدان غير قادرين أو غير راغبين في ملاحقة الفساد الكبير بشكل صحيح سيكونون خاضعين للملاحقة القضائية. وهذا من شأنه أن يعطي العديد من الدول حافزا كبيرا لتعزيز وإظهار قدرتها على مكافحة الفساد الكبير.

ولكن ترقيع الدعم الدولي الواسع للرابطة الدولية لمراكز التدريب مما لا شك فيه يمكن أن يستغرق وقتا طويلا ويواجه العديد من العقبات. وهناك بديل أفضل، إذن، بالنسبة للغالبية الساحقة من التونسيين الذين يرغبون بشدة في رؤية نهاية لفساد الدولة الموازية، وكذلك من أجل السلام والأمن الإقليميين، قد يكون تحقيق الأمم المتحدة المخصصة، مقترنة بالتهديد الهجين (التونسي الدولي) للمحكمة أن يوجب على تونس أن تثبت نفسها عاجزة على مقاضاة عدد قليل من الناس والشبكات التي يعتقد على نطاق واسع أن تكون مسؤولة عن الجزء الأكبر من الفساد.

ومثل هذا الجهد، المدعوم بقوة من وراء الكواليس عن طريق التهديد بفرض عقوبات فردية ممكنة من جانب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، من شأنه أن يرسل رسالة قوية لجميع التونسيين أن عهد الإفلات من العقاب قد ولى. و قد أصبحت ثقافة الفساد و المحسوبية وعدم الكفاءة والظلم الذي تولدهم تهديدا وجوديا لتونس ودول “خط المواجهة” في المنطقة و أن الوطنية ليست خيارا.

وبطبيعة الحال، فإن أي عملية تقودها الأمم المتحدة ستجري بالضرورة بالتنسيق مع الممثلين الشرعيين و المنتخبين لتونس. وهذا يعني أن الديمقراطيين التونسيين سيكون لديهم في النهاية النفوذ الذي لم يكن لديهم منذ الأيام الأولى للثورة على هذا النوع من السرقات الكبرى واحتكار الاقتصاد الذي قام معظم التونسيين بتحقيقه يقتل البلاد وإمكاناتها التي لا تصدق.

من جانبها، فإن الدولة الموازية سوف تحارب مرة أخرى بالتأكيد هذا الجهد الدولي المتعدد الجوانب: قد تبدأ بمحاولة ممارسة نفوذها من خلال حزب نداء تونس الذي يتولى الرئاسة فضلا عن تعدد المقاعد في البرلمان ـــوالذي انتقد بشكل روتيني من قبل خصومه بأنه نوع من جبهة “النظام السابق”. وفي الواقع، ومع ذلك، فإن عددا من نواب النداء (والعديد من ائتلاف حلفاءهم) لديهم معارضة قوية للمس من حقوق الإنسان. وكثير من المرجح أن يكونوا متقبلين أيديولوجيا لفكرة ترشيد النظام التونسي من خلال إنهاء احتكار الاقتصاد واعتماده على مرساة دولة المافيا.

وعلاوة على ذلك، خلافا لما حدث في مصر، والعراق، ولبنان، تمتلك الدولة التونسية الموازية القليل من أذرع السلطة الصلبة لعرقلة قطع رأسه. ولحسن الحظ، لا توجد ميليشيات خاصة في تونس وقدرات الحد الأدنى فقط (حتى الآن على الأقل) يمكن استخدامها لتطبيق الضغط. و رغم أن الجهات الخارجية الفاعلة الأكثر أهمية، التي سيكون دعمها الثابت حيويا، لديها عدد قليل من نقاط الضغط التي يمكن أن تكون مهددة في جهودها الرامية إلى مساعدة الديمقراطيين التونسيين.

و لكن بصورة غريبة، لا يبدو أن البحث عن أساليب بديلة للحد من تدهور وضع تونس وبخاصة في هذه اللحظة في نيويورك وواشنطن وبروكسل، أو أي عاصمة في منطقة البحر الأبيض المتوسط. و للذكر على سبيل المثال لا الحصر، فإن مجموعة التي تتخذ من بروكسل مقر الأزمات الدولية حددت مؤخرا كيف كان “جهاز الأمن الداخلي المختل” في تونس فاشلا وكان لا بد من “إصلاح شامل”.

دون وجود إصلاح قوات الأمن الداخلي التي من شأنها أن تسمح بصياغة استراتيجية أمنية شاملة، ستواصل تونس في التعثر من أزمة إلى أخرى، فضلا عن زيادة تدهور بيئتها الإقليمية والتوترات السياسية والاجتماعية، في خطر الغرق في الفوضى أو العودة إلى الدكتاتورية.

متجاهلة الآثار الكاملة لتنبؤاتها المتشائمة، ذهبت مجموعة الأزمات الدولية إلى اقتراح أكثر من نفس العلاجات التي قد تكون منطقية للدولة الموازية، وخصوصا مظاهرها في القطاع الأمني، يجب أن يتم إحضارها إلى العملية الديمقراطية منذ “أن كانت المعركة وجها لوجه بين قوى الأمن الداخلي والطبقة السياسية طريقا مسدودا.” وبدلا من “فرض رؤيتهم على قوى الأمن الداخلي”، أكد التقرير، أن الديمقراطيين في تونس في حاجة إلى نوع من “رغبة قوى الأمن الداخلي في الاستقلال،” تتعاون معهم وتقدم “التشجيع”.

لقد حان الوقت للاعتراف بالوضع كما هو عليه: قد تكون هناك فرصة نادرة لبناء ديمقراطية قوية، غير فاسدة في الشرق الأوسط. ولكن “المعركة وجها لوجه” التي تهدف إلى تفكيك مثلث السلطة الفعلي في تونس ـــ الشرطة والنخبة من رجال الأعمال المرتبطة بها، والمافياـــ هي الطريقة الوحيدة ذات المصداقية للمضي قدما والوسيلة الوحيدة المتبقية لمنع حدوث كارثة أخرى في المنطقة التي لا يمكن تتحملها بعد الآن.



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.