كتّاب

الجمعة,20 مايو, 2016
تأسيس الاصلاح : تحصين الثورة المدسترة من خطر الارتداد

12065507_10205329376262473_1473281544539723352_n

الحبيب بوعجيلة

يبدو المركب الحاكم حاليا أكثر الاطراف تأكيدا على خطاب “التوافق” و “التبشير” بالتسويات و تظهر “النهضة” و بعض الوجوه الدستورية أو التجمعية و رموز النظام القديم في نداء تونس أو غيره من مشتقات “التجمع” أكثر المنادين بسردية “المصالحات” و القبول بالمنهج “الاصلاحي” بعيدا عن خطاب “الثورة” و “المواجهة” الذي ساد بعد انتخابات 2011 .

لا ينكر أحد أن “جاذبية” خطاب “التسوية” تبدو أكثر تاثيرا لدى عموم مواطني “أعلى الطبقة الوسطى” ممن يميلون اكثر الى التهدئة و الأمان و الاستقرار بعيدا عن متاعب التنافي و المواجهات .

لكن هذا الخطاب يفقد جاذبيته عموما كلما ارتفع منسوب الارتداد الى ممارسات الفساد السابقة و تم استفزاز الناس بعودة “رموز” لم يفقد التونسيون ذاكرتهم في استحضار تاريخهم الأسود و المغرق في المظالم و التعديات . كما لا يستطيع خطاب “التوافق” فرض فتنته على الجهات المهمشة و عموم المحرومين و العاطلين و المفقرين و مضطهدي العهد البائد حين يكون التوافق على حساب مظالمهم .

و بالرغم من أن رفض التسويات يأتي في أحيان كثيرة من مزايدين لا تهمهم التسوية قدر ما يهمهم مواصلة “الاحتراب” الذي يدمر خصومهم الايديولوجيين و بالرغم من أن خطاب “الثورية” و “المحاسبة” يأتي في أحيان كثيرة من جهات يبدو عليها “التوتر” و “الادعاء” و “المزايدة” و “الطفولية الفايسبوكية” فان ذلك لا يمنع من القول أن كل مزاج “التوافق” و “التهدئة” يمكن أن يسقط ما لم يتم في أفق “تأسيسي” يحترم الدستور الذي اقر أن هناك ثورة لها اهداف لابد ان تتحقق.

 

 

الاصلاح منهج أصيل ….

في حدود سنة 2009 و في اطار مجادلة موقف النظام و دحض ادعاءاته حول الطبيعة “المتطرفة و الهدامة” للمعارضة الوطنية كتبتُ في تأصيل المنهج الإصلاحي لدى كل التيارات التي واجهت نظام الحزب الواحد منذ تأسيسه مع بورقيبة وصولا الى التسلطية كما تبلورت مع النظام النوفمبري .

وضحتُ حينها في مقال بعنوان أصالة الاصلاح أنه و “بالرغم من المواجهات الدامية التي حسمت الصراع بين قيادات الاستقلال أواسط الخمسينات و التي بلغت أوجها مع المحاولة الانقلابية الشهيرة ورغم قرار حظر ” الحزب الشيوعي” ومنع التعددية وتحول حكم الحزب الواحد إلى خيار دولة فان فكرة الإصلاح والمطالبة السلمية بالحقوق والحريات ظلت حاضرة في نشأة المعارضة اليسارية مع حركة “آفاق” وفي نشأة المعارضة الليبرالية مع انشقاق التيار الديمقراطي عن الحزب الحاكم بل إن الحركة الإسلامية نفسها سوف تختار أوائل الثمانينات العمل العلني في إطار المنظومة القانونية القائمة وفي سياق الاعتراف بشرعية الدولة ومؤسساتها .”

و أشرتُ في سياق التأكيد على الاصلاحية السلمية في منهج المعارضة التونسية الى امضاء مختلف الأطياف السياسية والفكرية الحاضرة والمؤثرة في الساحة على نص الميثاق الوطني الذي عرضه النظام النوفمبري في أول سنواته تأكيدا على الانخراط في خيار العمل الإصلاحي ضمن سقوف القانون والمبادئ العامة للشرعية الدستورية لدولة الاستقلال .

و الحقيقة أن الدارس لتاريخ المعارضة التونسية سيلحظ أن النزعة التسلطية وغلبة الحكم الفردي وهيمنة الحزب الواحد والالتجاء المبالغ فيه إلى الحلول الأمنية في معالجة الملفات على امتداد العقود الأولى للاستقلال هي الأسباب التي أدت إلى ارتفاع نبرة الخطاب الراديكالي و انزياح الحركات الشبابية و بعض الحلقات التنظيمية إلى خيار القطيعة والطعن في الشرعية القائمة خصوصا بعد اتجاه فصائل عديدة من اليسار التونسي إلى تبني أطروحات “الماركسيات” “الصينية” و”الألبانية” وغيرها من القراءات “الثورية” للمتن الكلاسيكي في سياق المنعطفات التي شهدتها حركة “آفاق” بعد أول المحاكمات أواخر الستينات و انقلاب قربة في اتحاد الطلبة اوائل السبعينات .

وبعد هبوب رياح الثورة الإيرانية و”الجهادية” الأفغانية على شباب “الحركة الإسلامية” المهيأة أصلا لمثل هذه الحلول بتأثير من مدرسة “سيد قطب” وما رسمته من “معالم طريق” إقامة المجتمع الإسلامي بدأت النزوعات “الثورية” في التنامي داخل أوساط الطلبة الاسلاميين .
و الحق أن غلبة المزاج الثوري كانت على العموم في المجال الشبابي الطلابي و بعض “الحلقات السرية” لكنها لم تمنع من أن يظل صوت الاعتدال والمطالبة بالحق في كنف الدستور دون تفكير في قلب الشرعية القائمة هو أكثر الأصوات ارتفاعا رغم مبدئية التمسك بمعارضة القوانين اللادستورية والجائرة و رفض المنحى البوليسي والقمعي الذي كانت تتخذه باطراد دولة حزب “الدستور” ورغم المنحى اللاشعبي الذي كانت تنخرط فيه بشكل متسارع خيارات دولة “الحزب الاشتراكي” .

و الحق أن نزوع الاصلاحية التونسية في مواجهة “بن علي” الى مزيد التجذر و الراديكالية ظلت دائما في سياق ما سماه السيد نجيب الشابي وقتها “القطيعة الديمقراطية” و هو ما ميز “المعارضة الاحتجاجية” عن المعارضة المُسماة “كرتونية” توصيفا للمعارضة البرلمانية بل ان دعوات “المقاومة المدنية” التي طرحها الدكتور المنصف المرزوقي وقتها في مواجهة نظام لا يصلح و لا يصلح لم تمنع من مشاركة حزبه في حركة 18 أكتوبر التي قامت وقتها على ما سمي بالحد الأدنى الديمقراطي أي الاصلاحي .

 

ثورة الاصلاح الراديكالي …

هذه الطبيعة الاصلاحية الغالبة على الطبقة السياسية التونسية هي التي جعلت “الثورة التونسية” تكون على “غير منوال سبق” كما سميتُها حينها بمعنى أن المسار الانتقالي منذ 14 جانفي كان محكوما بالتسويات بين الأطراف السياسية من المعارضة “السابقة” و “النظام السابق” وقد تمكنت هذه الأطراف من فرض نفسها في ترتيب “المشهد ” على عموم “المنتفضين” عفويا.

منطق انتاج “التوافقات” كان الغالب على المزاج السياسي العام غداة الثورة رغم ارتفاع منسوب الراديكالية الشعبية التي اعتمدت أحيانا أسلوب “التطهير العفوي” للادارة و التي فرضت خيار “التأسيس” بعد قرابة الشهرين من فرار الرئيس المخلوع و رغم فرض التيارات السياسية المعارضة لقانون عزل التجمعيين من الترشح وقتها لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي .

 

مشروعية “الثورية” السياسية رغم آلامها ….

استشراس بقايا النظام المتصدع بعد انتخابات أكتوبر 2011 اضافة الى الانقسام الحاد بين أطياف الطبقة السياسية التي استعادت خلافاتها الايديولوجية و تناقضت تحالفاتها الدولية كانت من العوامل التي رفعت منسوب “الردكلة الصدامية” التي لامست حدود “الثورية الاستئصالية” التي ادعتها كل الأطراف المتصارعة و التي غذت لدى قواعدها و أنصارها خطابا ثوريا “اطلاقيا” يتم أحيانا في مواجهة من يسمونهم (كل من زاويته ) بالثورة المضادة أو الرجعيين و التكفيريين و الارهابيين .

المواجهات بين سنوات 2012 و 2014 (و التي طغى عليها مزاج “ثوري” تنازعت ادعاء النطق باسمه كل الاطراف) كانت في سياق مشروع لإثبات الذات و محاولة افتكاك السبق في وضع تبدو فيه “السلطة” في متناول الجميع يفعل بها ما شاء في تشكيل المجتمع و فرض بديله و رؤيته للعالم و القيم و المعرفة و لكن هذه المواجهات كانت أيضا في سياق خوف حقيقي و مشروع من بوادر اجهاض مسار الانتقال الجذري و اعادة تشكيل منظومة الفساد و الاستبداد بنفس رموزها و شخوصها و ممارساتها و خياراتها السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية .

و من هذا المنطلق لم تكن السخونة “الثورية” في سياق السنوات الماضية مجرد “ثورجية” عبثية لشباب “غير واعي” أو لأدعياء “ثورية” اكتسبوها في سن متقدم بل كانت بالفعل مواجهة مشروعة لمحاولات “ارتداد” دعمته بلا شك كل القوى الداخلية و الخارجية التي ترى نفسها متضررة من كل تحول “جذري” في البلاد يمكن أن يؤسس لدولة وطنية جديدة مستقلة القرار و خالية من الفساد و الاستبداد و تحاسب و تفكك كل ما شكل المنظومة السابقة التي انتهت الى التصدع تحت وقع انتفاض راديكالي طلب “التأسيس” لا اعادة الرسكلة .

 

صراع هوياتي …له مبرراته ..

من ناحية أخرى بدا الصراع “الهووي” الذي شهدته البلاد في السنوات الماضية صراعا مخيفا تمترست فيه قوى متقابلة ظهر على خطاباتها مزاج راديكالي جذري لامس بدوره حدود الاستئصال المتبادل الذي تبنته التيارات الفكرية المتقابلة .

ولا شك أن هذه الراديكالية “الهووية” المخيفة تبررها عقود من دولة كليانية عضوية عملت على التشكيل الاستبدادي للمجتمع و صناعته “روحيا” على مقاس خيارات الحزب الأوحد متجاهلة بذلك الطبيعة المركبة للهوية التونسية التي تمثل فيها العروبة و الاسلام روافد مركزية و لا شك أن المواجهة الدامية مع التيار الاسلامي في العهد النوفمبري خلفت لدى طيف واسع من “الشعب الثائر” خوفا مشروعا على حرياته الدينية و حقه في مواجهة كل أشكال الالحاق الثقافي .

غير أن تنامي الظاهرة الارهابية المشبوهة و تصحر الساحة الدينية على امتداد العقود الماضية و بروز أشكال التدين المتشدد و الغريب على الفضاء التونسي قد أثار مخاوف حقيقية لدى ما سمي بالنخبة الحداثية التي ردت الفعل بدورها عبر خطاب مغرق في “يعقوبية فرانكوفولية” استئصالية غذاها توظيف سياسي و ايديولوجي رخيص للدماء و الانفلاتات الفكرية الظلامية التي هدرتها و روجتها تنظيمات و دوائر تكفيرية مشبوهة مما عمق الشرخ بين قوى “حداثية” بدت أقرب لاستعادة ممارسات النظام الاستبدادي السابق و قوى “تأصيلية” لم تتمكن من منح خطابها الهوياتي خصوصية ثورية ذات أفق كوني يجعل مسالة الاستقلال الثقافي و حرية الضمير و استعادة نظام القيم العربية الاسلامية سبيلا للتحرر الوطني و الديمقراطي التقدمي في مواجهة العولمة النيوليبيرالية المتوحشة و الالحاق الاستعماري و تفتيت عوامل المناعة القومية و الثقافية للشعوب المضطهدة .

لاشك أن كل هذه التوترات “الثورية” المتقابلة التي أرهقت البلاد على امتداد السنوات الخمسة الماضية كانت طبيعية داخل مجتمع طرح على طاولة النقاش الحر و العلني كل استحقاقاته و في سياق يعيد بناء طبقته السياسية و نظامه و دولته و يسير نحو صياغة مفردات مشروعه الوطني الجامع وسط عالم عربي متحول و متوتر و مشهد دولي صاخب.

 

من الثورية الى التأسيس …

خطاب “التسوية” التوافقي لن يتمكن من فرض نفسه ما لم تقدم “المنظومة القديمة العائدة” طبقة سياسية جديدة مستعدة للنقد الذاتي و الاعتراف بالثورة و حقيقة التحولات .

أما الخروج من هذا المزاج “الصدامي” بين قوى الاصلاح و المعارضة السابقة للاستبداد و الفساد الى أرضية “التوافقات” فلن يكون آمنا إلا عبر التزام كل القوى المتدخلة في الساحة السياسية و الجمعياتية بالأدنى السياسي و الاجتماعي و الثقافي الذي تم اقراره في نص “التأسيس” أي دستور جانفي 2014 وهو الذي “دستر” الثورة و جعل كل من يقبل به داخلا في بيتها .