عالمي دولي

الثلاثاء,18 أغسطس, 2015
بي بي سي: ماذا وجد في مجموعة الشرائط الصوتية لأسامة بن لادن؟

الشاهد_بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001، أُجبر أسامة بن لادن على الفرار من مدينة قندهار، حيث كان مقيمًا منذ عام 1997.

وسرعان ما تم إخلاء العديد من المباني، بما في ذلك المبنى المقابل لوزارة خارجية طالبان، حيث التقى كبار الشخصيات من تنظيم القاعدة. داخل هذا المبنى، تم العثور على 1500 شريط صوتي.

من خلال البحث في هذا المبنى المنهوب، وجدت عائلة أفغانية هذه الكمية الضخمة من الأشرطة الصوتية، التي حملوها بسرعة وأخذوها إلى أحد متاجر الشرائط الصوتية المحلية. ومع سقوط طالبان الآن، كان يتم جني الكثير من الأموال من الإنتاج المحظور سابقًا لموسيقى البوب، وكان يمكن مسح هذه الأشرطة وملؤها مرة أخرى بالأغاني الشهيرة اليوم.

ولكن مصورًا يعمل في قناة CNN سمع عن هذه الأشرطة، وأقنع صاحب المحل لإعادة الأشرطة مرة أخرى، وقال إنّها قد تحتوي على معلومات هامة للغاية. لقد كان محقًا؛ فرغم كل شيء، كانت هذه الأشرطة هي المكتبة الصوتية الخاصة لتنظيم القاعدة.

وصلت الأشرطة في النهاية إلى “المشروع الإعلامي الأفغاني” في كلية وليامز بولاية ماساشوستس، والتي طلبت من فلاغ ميلر، وهو خبير في الأدب والثقافة العربية من جامعة كاليفورنيا في ديفيز، أن ينغمس مع هذا الخليط من الخطب والأغاني والتسجيلات للأحاديث الحميمة. إنّه الشخص الوحيد الذي سمع جميع الأشرطة والتسجيلات.

“لقد كان الأمر مؤثرًا تمامًا“، هكذا قال ميلر وهو يشير إلى اليوم الذي استلم فيه صندوقين من الأشرطة الصوتية يغطيها الغبار في عام 2003.

“لم أستطع النوم لمدة ثلاثة أيام محاولًا إيجاد طريقة لفهم محتويات هذا الكم الهائل من الأشرطة “.

منذ أكثر من عشر سنوات، كتب ميلر كتابًا عن النتائج التي توصل إليها بعنوان “الزاهد الجريء”، يستكشف فيه ميلر هذه المجموعة الفريدة. ويعود تاريخ هذه الأشرطة إلى أواخر ستينيات القرن المنصرم وحتى عام 2001، وتضم أصوات أكثر من 200 شخص من بينهم أسامة بن لادن.

ويعود أول تسجيل لصوت بن لادن في تلك الأشرطة لعام 1987، وهو تسجيل لمعركة بين المجاهدين الأفغان والعرب والقوات الخاصة السوفيتية. وكان بن لادن قد غادر منزله في المملكة العربية السعودية حيث تربى في ترف ورفاهية؛ ليجعل من نفسه مقاتلًا للغزاة الكفار في أفغانستان.

ويقول ميلر: “أراد بن لادن خلق صورة المقاتل المؤثر، وهذا لم يكن سهلًا؛ لأنّه كان ثريًا يعيش حياة مترفة“.

“لكنه كان بارعًا للغاية في التسويق الذاتي، والأشرطة الصوتية في هذه المجموعة هي جزء لا يتجزأ من تلك القصة: صناعة الأسطورة“.

كما تضم المجموعة بعض الخطب التي ألقاها بن لادن في أواخر ثمانينيات وأوائل تسعينيات القرن المنصرم في المملكة العربية السعودية واليمن.

أضاف ميلر: “الأمر المثير للإعجاب هو كيفية حديث بن لادن عن الوسائل التي يتم من خلالها تهديد شبه الجزيرة العربية. ولكن، من هو العدو؟ يرى بن لادن أنّ العدو ليس الولايات المتحدة كما نعتقد في الغالب، ولا الغرب؛ إنهم المسلمون الآخرون“.

بالرغم من أنّ الولايات المتحدة هي الهدف الرئيس لأسامة بن لادن، لكن لا توجد إشارة إلى هذا “العدو البعيد” في هذه الخطابات. لعدة سنوات كان بن لادن مهتمًا بمن وصفهم بـ”الكفار” بين المسلمين الذين لم يلتزموا بتفسيره الحرفي المتشدد للإسلام، كالشيعة والبعثيين العراقيين، والشيوعيين والناصريين المصريين.

“أراد بن لادن حصر الجهاد في سؤال من هو المسلم الحقيقي“.

وكانت أشرطة الكاسيت هي الأداة المثالية لعمليات التبشير والدعاية؛ فلا عجب إذن أن بن لادن كان أحد المعجبين بتلك الأشرطة. يمكن مشاركتها ودبلجتها بسهولة، أو تداولها بين الأفراد، إلى جانب عدم اهتمام الهيئات الرقابية لتلك الأشرطة. كما كانت تحظى بشعبية كبيرة في الشرق الأوسط والعالم العربي؛ حيث كان الناس في كثير من الأحيان يستعمون إليها مع الأصدقاء، وتساعدهم على صياغة الأفكار الثورية.


بالرغم من سيطرة المواعظ والخطب على هذه المجموعة؛ إلّا أنّه كان هناك بعض التسجيلات التي تثير فضول القارئ أيضًا ومن بين هذه التسجيلات حوار بن لادن مع الجن الذي يتلبس روح الإنسان، ويتحدث من خلاله، ويدعي بأنه يعرف عن المؤامرات السياسية، على الرغم من أن بن لادن لم يكن لديه الوقت لمثل هذه الخرافات.

هناك أيضًا تسجيل للمقاتلين الأفغان العرب الذين يقاتلون في أفغانستان ضد قوات الغزو السوفياتي وهم يتناولون وجبة الإفطار في معسكر للتدريب في أواخر ثمانينيات القرن المنصرم. يكشف هذا الحديث عن طبيعة رتابة الحياة على خط الجبهة. دارت تلك المحادثة عن الحنين لتناول الوجبات الطيبة والأكلات الشهية من “السيد هيلفاير”، رئيس الطباخين الشهير في مكة المكرمة، والذي يشتهر بعمل الحلويات اللذيذة.

هناك أيضًا بعض التسجيلات عن الأناشيد الإسلامية، وهي الأغاني التي تتحدث عن المعارك الدرامية، والرسائل الموسيقية للمجاهدين الطموحين. وكانت من أدوات التجنيد الأساسية.

ويقول ميلر: “بالنسبة للكثيرين، كان هذا هو الطريق إلى الجهاد، من خلال القلب“.

“هذه الأغاني لها أثر عاطفي، وتوضح صوت المعارك التي نقرأ عنها ونشاهدها على شاشة التلفزيون. ثمة شعور حميمي عند الاستماع لتلك الأغاني؛ لأنها تلعب على مخيلتك“.

ويوضح ميلر: “أعتقد أن مجموعة الأغاني الفرنسية تكشف عن مدى تحدث العرب الأفغان في قندهار للغات عديدة، ومدى امتلاكهم للعديد من التجارب العالمية. لقد عاش الكثيرون منهم في الغرب لفترات طويلة، ولا يمكننا القول بأنهم عاشوا حياة متعددة“.

“تشير هذه الأغاني إلى أنّه كان هناك بعض الأشخاص في مرحلة ما من حياتهم يستمتعون بهذه الأغاني، من هذا: إنريكو ماسياس المغني الجزائري اليهودي، وربما استمروا في الاستمتاع بها على الرغم من الصراعات الأخرى التي تقول بأنّ ذلك هرطقة“.


ظهر اسم آخر غير متوقع في تلك الأشرطة وهو المهاتما غاندي، الذي كان مصدر إلهام لأسامة بن لادن في خطاب ألقاه في سبتمبر 1993.

كان هذا الخطاب أيضًا هو الخطاب الأول في المجموعة الذي يدعو فيه بن لادن أنصاره إلى اتخاذ إجراءات صارمة ضد الولايات المتحدة من خلال مقاطعة بضائعها.

وقال بن لادن في هذه الخطبة: “انظروا إلى بريطانيا العظمى، تلك الإمبراطورية شاسعة، حتى إنّ البعض يقول إنّها الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس“.

“اُضطرت بريطانيا للانسحاب من واحدة من أكبر مستعمراتها عندما أعلن غاندي الهندوسي المقاطعة ضد البضائع الخاصة بهم. ولذلك؛ يحب علينا أن نفعل الشيء نفسه اليوم مع أمريكا“.

كما شجع بن لادن أنصاره لكتابة رسائل إلى صفارات الولايات المتحدة لإثارة القلق حول دور أمريكا في الصراع داخل الشرق الأوسط. لكنه حتى ذلك الوقت لم يدعُ إلى العنف ضد الولايات المتحدة.


ويذكر ميلر: “كل هذا تغيّر في عام 1996، بعد أيام من نفيه المنفى خارج السودان“.

“وتحت ضغط الولايات المتحدة لتجريده من جنسيته السعودية في عام 1994 كان بن لادن قد خسر أيضًا كل أمواله، وكان في حيرة من أمره. ونتيجة لذلك؛ كان لزامًا على بن لادن أن يفعل شيئًا متهورًا لحشد أنصاره المتطرفين، وهذا ما فعله في خطابه عام 1996 من جبال تورا بورا“. أُطلق على هذا الخطاب إعلان بن لادن الحرب.

وبعد سماعه للخطاب بالكامل، يقول ميلر إنّ التسجيل لم يكن دقيقًا تمامًا؛ حيث تم حذف الثلث الأخير من هذا الخطاب الذي كان يحتوي على حوالي 15 قصيدة أثناء عملية الترجمة. ولهذا السبب، لا يمكننا معرفة ما إذا كان هذا الخطاب إعلانًا للحرب أم لا؛ نظرًا لأنّه تم تأطيره من قِبل وسائل الإعلام في ذلك الوقت.

“إنّه خطاب عن الحاجة الملحة للتركيز على الولايات المتحدة، ولكن في ضوء صراع أكبر بكثير كان دعوة للنضال ضد الفساد السعودي“.

ليست هناك أي إشارة لأحداث 11/ 9 في أي من تلك التسجيلات. لكن، في حفل زفاف حارس أسامة بن لادن، عمر، الذي تم تسجيله قبل بضعة أشهر من الهجمات على مدينة نيويورك وواشنطن، كان هناك الكثير من المرح إلى أن ظهر بن لادن وأوقف صخب الاحتفال، وتحدث عن أهمية الاحتفال، ولكن يجب ألّا يلقي هذا الاحتفال بظلاله على القضايا الأكثر أهمية.

تحدث بن لادن صراحة عن “خطة” لم يكشف عن تفاصيلها، ووعد المجاهدين بأخبار سعيدة، وقال: “أسأل الله أن يمنح إخواننا التوفيق والسداد“.

“أدركت أنّ بن لادن يشير إلى هجمات 11/ 9؛ لأنّه تحدث تحديدًا عن الولايات المتحدة في تلك المرحلة“.

الغريب في الأمر هو أن تلك التسجيلات التي تظهر أسامة بن لادن والشيء الأكثر ارتباطًا به، وهو العنف الإرهابي ضد الغرب، لم يتطرق خلالها بين إلى الجهاد ضد الغرب إلّا في مناسبات نادرة.

ويقول ميلر: “لقد كان العدو الأساسي لتنظيم القاعدة في معظم هذه الأشرطة، وفي أكثر من مناسبة، هم قادة الدول العربية“.

“استمرار وجود تنظيم القاعدة في اليمن، وتأثيره في العراق، والدمار المستمر لحياة المسلمين في العالم الإسلامي؛ يؤكد حقيقة أن هذا التنظيم، وهذه الفكرة، تأخذ العديد من المسارات الدموية“.

وفي النهاية يقول ميلر: “ليس ثمة شيء حتمي بشأن أحداث 11/ 9 في هذه الأشرطة. لقد كان العمل الشاق على هذه الأشرطة هو ما ذكرني بذلك“.

بي بي سي



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.