كتّاب

الجمعة,23 أكتوبر, 2015
بين العربية و العبرية …تبديد بعض جهالة

الشاهد_أحدهم “فقس” مرارتي بترديد أنّ “العربيّة بنت العبريّة” في إشارة إلى وجود ألفاظ يعتبرها عبريّة في لغة العرب، وهو يعبّر بذلك عن خلط بين العبريّة القديمة والعبريّة الحديثة، وعن جهل تامّ بتاريخ اللغتين.
ردّي هذا غير مستفيض، ولكنّه قد يكفي لبيان خطل ما يذهب إليه صاحبنا… فهو يجهل مدى تأثّر اليهود باعتقادات ولغة الكنعانيّين ثم البابليّين في فترة السّبي، ولا يعرف مدى تأثر اللّغة العبريّة باللّغات العروبيّة عموما والتي نميل إلى اعتبار العبريّة أحد فروعها، ومدى تأثّرها باللّغة العربيّة على وجه الخصوص. وقد سبق لنا في بحث سابق أن دحضنا رأي المستشرق (دوزي) والردّ عليه بأنّ لفظ السّبت مثلا (وهذا موضوع حبيب إلى قلب صاحبنا الفالق لمرارتي) هو لفظ بابليّ اقتبسه العرب وفي جملتهم بنو إسرائيل الذين لا يخرجون عن كونهم قبيلة عربيّة، ولكن هذا حديث آخر، إذ نحن، فحسب، في معرض الإشارة إلى مدى تأثّر اللّغة العبريّة بالعربيّة إن لم تكن أصلا ابنتها.

فحول هذا التّأثير، سبق للمستشرق البريطاني (آفي شفتيل) أن ألقى محاضرة في المؤتمر الخامس والثّلاثين للدراسات الآسيويّة والشّمال إفريقيّة الذي انعقد ببودابست في جويلية 1997، رأى فيها أنّ تأثّر العبريّة بالعربيّة تمّ من خلال ثلاث مراحل:
1. قبل وأثناء السّبي البابليّ عندما دوّن الأحبار كتب التّوراة وباقي أسفار العهد القديم بلغة تفرّعت عن اللّغة الكنعانيّة (اللّغة الأصليّة لشعوب بلاد الشّام) وتطوّرت عنها، هي ما يسمّيها الباحثون العبريّة. واختتمت هذه المرحلة بانحسار العبريّة كلغة تخاطب بين العبرانيّين واقتصارها على الاستعمال الدينيّ في الكنيس في القرون الأولى قبل الميلاد.

2. عند إزاحة اللّغة الآراميّة للعبريّة كلغة تخاطب، واستخدام الآراميّة لكتابة الشّروح (المشناه والتّلمود) وأجزاء كبيرة من الكتب المتأخّرة أهمّها (سفر دانيال)، واستمرت هذه الفترة إلى زمن الفتح الإسلاميّ.
3. حين أزاحت العربيّة الآراميّة عن عرشها وأصبحت لغة الحضارة، واستعارت العبريّة كلمات وتعابير ومفاهيم وجملا وتراكيب من اللّغة العربيّة، وكتب اليهود قصائدهم حسب نظام الشّعر العربيّ وقلّدوا أساليب النّثر العربيّ، بل وكتب كلّ اليهود في الإمبراطوريّة العربيّة باللّغة العربيّة إمّا بحروف عربيّة أو بحروف عبريّة، وهذه الأخيرة هي ما يسمّى (اليهودية العربيّة) الّتي هي في أبعد تقدير لهجة من اللّهجات العربيّة المحليّة العاميّة مطعّمة بكلمات عبريّة الأصل، وهي الّتي كتبت بها عدّة كتب دينيّة يهوديّة على يد أحبار يهود خاصّة في الأندلس مثل (أبي الحسن اللاّوي) [المعروف عند اليهود باسم يهوذا بن صمويا هاليوي] (1085 – 1140 م) وموسى بن ميمون (1135 – 1204 م).

أمّا عن التّأثيرات العربيّة الحاليّة، فقد أحصى المستشرق (شفتيل) 700 تعبير عربيّ الأصل في العبريّة الحديثة المستعملة اليوم في فلسطين المحتلّة.

كما تشير البحوث المعاصرة في مجال الألسنيّة الاجتماعيّة إلى اقتباس العبريّة الحديثة آلاف الكلمات من اللّغة العربيّة ذات الجذور الثّلاثيّة الصّوامتيّة، حيث أخذت منها بكلّ سهولة معيجمات وكليمات عبريّة جديدة، وذلك في ظلّ فقر العبريّة القديمة التي لا يمكن في الغالب تحيين مصطلحها، أي أن يُجعل للدّال القديم مدلول جديد.
هذا ما نجيب به عن مسألة تشابه التّسميات اليهودية والعربيّة، ونضيف ما يقوله البحّاثة (فيليب حتّي) حول تشابه (سفر أيّوب) من حيث الألفاظ وأسماء الأعلام والصّيغ مع اللّغة العربيّة من أنّ “أيّوب الذي ابتدع أرقى شعر في العالم السّامي القديم، لم يكن عبرانيّا بل عربيّا”، بل وذهب الكثير من العلماء والمستشرقين إلى أنّ “سفر أيّوب وضعه صاحبه بلغته العربيّة إذ فيه عبارات وتشبيهات ومجازات واستعارات لا تعرف إلاّ في اللّغة العربيّة فلا شكّ أنّه نقل من العربيّة إلى العبريّة، وبقيت في النّقل أصول اللّغة ومبانيها وصيغها على أصلها أو تكاد”.

 

محمد الحاج سالم



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.