كتّاب

الأربعاء,13 يناير, 2016
بين التوافق.. ومنطق الإحتراب الفرز مستمر..

الشاهد _ تضع التطوّرات السياسيّة الجارية في بلادنا والنهج الذي سارت عليه تجربتنا، المزيج من الأحزاب والأشخاص والتيّارات في أزمة حقيقيّة، فلا هم يستطيعون مسايرة هذه التطوّرات والإسهام فيها، ولاهم قادرون على أن يقرّوا بعجزهم، فيلجؤون من جديد إلى خطاب التخوين والسبّ والشتم في أقذر المستويات وأقذعها.

ولعل الصورة التي شغلت الرأي العام في بلادنا خلال الأيّام الأخير، صورة الشيخ راشد الغنوشي وهو يُستقبل بحفاوة بالغة، في مؤتمر الوفاء لحزب النداء. هذا الحدث مثل مناسبة جديدة للكشف عن الإعاقة العميقة التي يعيشها العقل السياسي لبعض الأطراف التي لم تتخلّص بعد من عللها، ولم تنجح كما ذكرنا في مواكبة القفزات النوعيّة التي يعرفها الفكر السياسي في بلادنا.

واحدة من تلك العلل، التي اشتركت فيها العديد من الأطراف من اليسار الاستئصالي إلى بعض القوى التي لم تتموقع بعد في الساحة، ولا نعرف إلى حدّ الآن كيف يمكن تصنيفها، التركيز على الشكل أو الصورة بدل التأكيد على المضمون، مضمون الخطاب الذي ألقاه الاستاذ الباجي قائد السبسي والخطاب الذي ألقاه الأستاذ راشد الغنوشي.

صحيح أن الغنوشي استقبل بحفاوة وصحيح أن الكثير من الندائيّين رغبوا في التقاط صور معه، ولكن هل هذا هو كل ما يمكن أن نخرج به من لقاء تاريخي ولحظة تكثفت فيها الرمزيات وتقاطعت عندها الكثير من المسارات، وكانت لحظة قويّة لم تستطع الكثير من القلوب التي لم تعرف إلّا الحقد تحملها؟ كانت لحظة عصيّة على الكثيرين، لحظة اعتبرها الكثيرون صورة مسيئة، لا ندري لمن؟ هل هي مسيئة لتونس أم لأعدائها؟ مسيئة لتجربتنا في الانتقال الديمقراطي أم لأعداء هذه التجربة من الصهاينة ومن ولاهم من عربان وفرس وعجم؟

ولأنّ اللحظة كانت مشبعة بالرّموز والدلالات، ولأنّها كانت لحظة تاريخيّة، سارعت بعض القوى التي احترفت الموازي، وعلى طريقة وأساليب المراهقين من طلبة الثمانينات، سارعت إلى عقد اجتماع مواز ليس له من هدف إلّا محاولة التشويش على تلك اللحظة وتلك الصورة، وذلك الخطاب.

والحقيقة أننا لو ركّزنا على الجوهر والخطاب وحاولنا تجاوز الصراعات والمناكفات، ونظرنا إلى ما وقع في مؤتمر الوفاء للنداء من زاوية أعمق وأكبر، لوجدنا أنه يتجاوز حسابات الرح والخسارة، إلى أبعاد وطنيّة تاريخيّة تتجاوز المؤتمر وما سبقه من مناكفات، وتتجاوز العلاقة بين النهضة والنداء.

والمقصود من البعد الوطني هو البحث في المصلحة الوطنيّة التي يمكن أن تتحقّق من وراء مثل ذلك اللقاء، والمقصود من الأبعاد التاريخيّة هي المصالحة بين جناحي الحركة الوطنيّة (التيّار العلماني والتيّار الاسلامي)، وهذه المصالحة التاريخيّة التي تأخّر تحققها كثيرا، وتسبّب تأخّرها في خسائر كبيرة لوطننا وشعبنا.

مؤتمر النداء يجب أن يُقرأ من خلال كلمتين مفتاحيتين الأولى للأستاذ قائد السبسي، وقال فيها “لا مكان في النداء لمن حاد عن الوسطية”، وقولة الأستاذ راشد الغنوشي “سفينة تونس تسع كل التونسيّين”. والكلمتان تصبّان في نفس التصوّر القائم على أن لا مجال للإقصاء والتهميش لأي طرف، وان الوقت حان لطي صفحة الإحتراب وفتح باب التعايش بين مختلف المكوّنات رغم اختلاف الرؤى والتوجّهات.

هذه هي الرسالة الأساسيّة التي يجب أن نخرج بها من مؤتمر الوفاء للنداء.. الحرص على الوحدة الوطنيّة ورفض الإقصاء والتهميش والسماح لكل التونسيّين بالمشاركة في صياغة مستقبل بلدهم. وهذا جوهر المطالب التي رفعتها الثورة، أي تجاوز منطق الحزب الواحد والزعيم الواحد والرأي الواحد، الذي تأسّست عليه التجربة السياسيّة في الحكم، منذ الاستقلال إلى الآن، وفيه أيضا تجاوز لمنطق التنافي الذي خلقته عقود من الصّراع الإيديولوجي بين الإسلاميّين واليساريّين.

المأمول أن يكون الاجتماع فرصة لمصالحة وطنيّة شاملة قائمة على طيّ صفحة الاستبداد وتجاوزها، من جهة، وطيّ صفحة صراع المشاريع المجتمعيّة، من جهة ثانية.

ولكن، للأسف بعض الأطراف تصرّ مرّة أخرى على التموقع من خلال التنافي مع الآخر، والعودة إلى منطق الاصطفاف على الضدّ، والبحث عن شرعيات تجمع على أساس الشيطنة للآخر. وهو منطق صبياني، كما يعتقد الكثير من المتابعين، لأنه لا يرتقي إلى مستوى التحديات التي تواجهها البلاد، ولا يدرك حجم المخاطر التي تتهددها، أو ربما هو يدرك ذلك ولكن الرغبة في الانتصار للذات تصبح مقدمة عند هؤلاء على مصالح البلاد والعباد..

مؤتمر النداء، وحضور الغنوشي، صحيح أنه تاريخي، وصحيح أنه مثّل محطة فارقة في اتجاه المصالحة الوطنية، التاريخية، ولكنه أيضا مثل فرصة للقيام بمزيد من الفرز بين من ينتصرون لمنطق التوافق الذي سارت عليه بلادنا، وبين من يصرون على الاقصاء والاستئصال ومنطق الاحتراب، وعلى تغليب الاجندات الفئوية الضيقة، رغم أن هذا المنطق انتهى بأصحابه إلى الخروج من المشهد السياسي تقريبا.. فالتونسيون أثبتوا من خلال الانتخابات الأخيرة، ومن خلال كل استبيانات الرأي أنهم مع التوافق، ومع الوحدة الوطنية، وضد القوى التي تدفع باتجاه خيارات فئوية ضيقة سواء كانت في أقصى اليمين أو على أقصى اليسار..

محمد الحمروني