الرئيسية الأولى - ملف الشاهد

الإثنين,8 أغسطس, 2016
بين التوافق التونسي والتوافق التركي ..

الشاهد _ دعنا من الخوض في أطراف التوافق التونسي ، أكانت النهضة أو النداء أو غيرهم من الأحزاب ، لنتطرق إلى المبدئ بغض النظر عن التفاصيل والأَجْرام المشكلة للصورة ، سنختلف كثيرا في آداء الأحزاب والزعامات لكننا سنقف عند حقيقة أكدها تجمع إسطنبول الكبير وربما الأضخم في تاريخ المدينة غذا تعاملنا مع أرقام الشرطة التركية التي تحدثت عن 5 ملايين متظاهر ، لاشك لهذا الحشد الرهيب دلالاته ورسائله لكننا سنخترق الجماهير ونعبر هناك الى المنصة التي انتصبت فوقها المتضادات ، هناك وبدعوة من رئيس البلاد انتصبت ثلاث تضاريس سياسية كبرى كانت لوقت قريب متناحرة يكيد بعضها إلى بعض وتهدد خلافاتها مصير النمر التركي الصاعد وتشاغب التنمية الأسرع في المنطقة وضمن الأسرع عالميا .

لقد رفضت المعارضة التركية الجلوس إلى رئيس الجمهورية وامتنعت عن الإستجابة إلى دعوات إفتراضية قد تصل منه في عملية إستباقية لما قد يصدر من أردوغان ، بل ذهب الرقم الأول في المعارضة كمال كيليتشدار أوغلو إلى وصف إستقالة رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو بالإنقلاب ، وأكد أنها خطوة تفتح الباب على مصراعيه للدكتاتورية المطلقة ، سبق ذلك حالة من التراشق بلغت ذروتها برفع حزمة من القضايا في الاتجاهين بين أردوغان وخصومه السياسيين على رأسهم زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجيلي و كليتشدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري ، ليتواصل السجال بين الأحزاب الكبرى والشخصيات المفصلية في الحياة السياسية التركية إلى حدود الإنقلاب الفاشل الذي نفذته جماعة “الخدمة” أو الكيان الموازي التابعة لفتح الله كولن .

عندما أصبحت الدولة التركية مهددة في وجودها وتحرك العسكر ليُثبت الثكنة فوق البرلمان ويفرض سيادتها على بقية المؤسسات السيادية ، حينها لم تترقب المعارضة طويلا ولم تخضع للطمع المهين ولا هي رهنت نفسها للحسابات الضيقة ، مساء الخامس عشر إلى صبيحة السادس عشر ، ما بين ساعات الليل وساعات الفجر لم يسقط الإنقلاب فقط وإنما تشكلت حالة توافق بين فرقاء المشهد السياسي وانتهت فجأة أو أجلت الخلافات السياسية لحساب إنقاذ الوطن والحيلولة دون سقوط الديمقراطية وإبقاء تركيا على سكة التنمية وأيضا على سكة دولة القانون والمؤسسات التي كانت تستهدفها المؤسسة العسكرية أو بعض أجزائها .

لا ندعي في تونس أن تجربتنا رائدة لأن المخاطر مازالت تحدق بها و شبح الإنزلاق يطفو ويخبو ، لكن يمكن القول أن توليفة الترويكا ثم الإئتلاف الحاكم أثبتت أن التوافق فكرة نجاة قابلة للحياة إذا توفرت الإرادة ، بمره وحلوه ، بإكراهاته يبقى التوافق بين القوى السياسية صمام الأمان الذي يحمي التجارب الديمقراطية الناشئة من الإنزلاقات التي قد تؤدي إلى موتها بالكلية ، وعلى حداثتها نحسب أن التجربة التونسية قدمت مؤشرات جيدة بكل ما فيها من نواقص وتناقضات ، ونحن اليوم أمام توافق إسطنبول الذي يؤكد على أهمية ومنهجية بل وحتمية التوافق ، لأن الصراع المفتوح بين الأحزاب لابد له من ضمانات ، وإن كانت ضمانات التجارب الديمقراطية الرائدة والعريقة هي المؤسسات الثابتة التي يصعب على الأحزاب “المتحركة” أن تتغول عليها أو تجتاحها ، فإن الديمقراطيات الناشئة ذات المؤسسات الرخوة اللينة المرتبكة ، ليس لها من ضمانات غير التوافق بين مكونات المشهد السياسي أو أقله إرساء جملة من الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها .

تجربة تونس القابلة للحياة ومشهد إسطنبول ليوم الاحد 7 اوت مقارنة بالإنحدار الكارثي الذي شهدته التجارب العربية الأخرى “مصر- ليبيا – اليمن..” كلها مؤشرات تؤكد على حتمية التوافق ، دون التطرق إلى جرعاته وسلالته ومقدماته و مآلاته ، نتحدث عن مبدئ التوافق ثم للقوى والشعوب أن تفصل فيه وفق ما تقتضيه الحاجة وتحتمه المرحلة ، ونحن نتحرك باتجاه الغد المأمول والمجهول ، لابد من تثبيت حقيقة مفادها أن تونس صنعت نوعا من التوافق “المغبون.. المائل.. المجحف.. المحزن.. المنغص ..”لا نختلف كثيرا في التوصيف ، غير أننا نتفق بأننا أمام حالة توافق روضت الإنقلاب ونزعت مكثفاته وفككت خصائص إنفجاره في وجه التجربة ، نحن أيضا أمام تجربة تركية أعرق وأرقى من تجربتنا داهما الانقلاب ودفعت ضريبته من الدم والمال ثم أفشلته و تداركت تداعياته بسرعة ، هم توافقوا بعد الإنقلاب وأفشلوه لأن لديهم مؤسسات حيوية قادرة على الصمود ، أما في تونس فليس لنا غير التوافقات الإستباقية الواقية ، وأي تفكير عبثي في تأجيل التوافق إلى ما بعد الكارثة أو أثناءها ، هو ثقة مفرطة في مؤسسات بالكاد تحبو ، تتلمس طريقها بصعوبة ، غير قادرة على التماسك الذاتي ، فكيف تكون قادرة على دحر إنقلابات شغلت محركاتها وتحركت دواليبها و دخلت إلى حيز التنفيذ .

نصرالدين السويلمي