سياسة - فن - كتّاب - وطني و عربي و سياسي

الأربعاء,24 يونيو, 2015
بيع المبادئ في سوق المصالح

الشاهد_وضعت الحكومة الألمانية نفسها في ورطة كبيرة، حينما أوقفت صحافي “الجزيرة”، أحمد منصور، في مطار برلين يوم السبت الماضي، وقادته إلى السجن، بدعوى وجود مذكرة ضبط واعتقال في حقه من السلطات المصرية إلى الإنتربول الدولي، ولم تتراجع برلين عن قرار اعتقال صحافي معارض لانقلاب الجنرال عبد الفتاح السيسي إلا بعد أن تعالت الأصوات المناهضة لقمع حرية الصحافة من كل دول العالم، تطلب من السلطات في برلين احترام نفسها ومكانة بلدها وقيمة الحرية فيها، والإفراج عن أحمد منصور الذي كان في مهمة صحفية في ألمانيا، فحتى الأطفال لم يعودوا يصدقون أحكام القضاء المصري الذي أصدر أكبر عدد من أحكام الإعدام في وقت وجيز، قضاء تحول إلى سيف في يد العسكر، يقطع به رؤوس خصومه من الإسلاميين ومن المعارضين ومن شباب الثورة. وحتى الذين خدعهم مشهد “30 يونيو”، ومشوا في ركب الجنرال الدموي طالهم القمع، بعد أن عادت إليهم صحوة الضمير، واقتنعوا أن الانقلاب انقلاب لا ناعم فيه ولا خشن، وأن العسكر عندما يدخل إلى السياسة فمثل فيل يضع قوائمه في بيت من زجاج.

تعرف الحكومة الألمانية التي استقبلت السيسي وفريقه قبل أسبوعين، ووقعت معهما صفقات تجارية كبيرة، أن سجل النظام الحقوقي أسود، وأن قضاءه لا يحمل من القضاء إلا الاسم، وأن المحاكم صارت ملحقات للمخابرات والداخلية، وأحكامها مسيسة من الأول إلى الآخر. ومع هذا كله، عمدت النيابة العامة الألمانية إلى توقيف أحمد منصور، بدعوى وجود حكم ضده يقضي بسجنه 15 سنة، لأنه احتجز محامياً في ميدان التحرير قبل أربع سنوات.

أن تكون صحفياً ليس جريمة. أن تعارض انقلاباً عسكرياً على رئيس منتخب ليس جريمة. ان تكتب رأياً جريئاً في أي شخص ليس جريمة. هكذا تعالت الأصوات الحرة عبر العالم تستنكر اعتقال صحافي في بلد ديمقراطي، نزولاً عند رغبة نظام ديكتاتوري. لكن، شاءت الأقدار أن تتحول محاكمة صاحب برنامج “بلا حدود” إلى محاكمة للقضاء المصري، فبعد يومين، أفرج المدعي العام الألماني عن منصور، بدعوى أن الاتهامات الموجهة إليه ليس لها أساس قانوني، وهذه أكبر ضربة لقضاء التعليمات في القاهرة الذي سبق له أن دان منصور وآلاف المعتقلين الآخرين الذين عبروا عن رفضهم الانقلاب.

تعرف الحكومة الألمانية أكثر من غيرها سوء الأوضاع الحقوقية في مصر، وهي نفسها استنكرت احكام الإعدام التي صدرت بالجملة على قادة جماعة الإخوان المسلمين، وسبق لوزير خارجيتها وسفيرها في القاهرة أن انتقدا القضاء المصري علانية، وأمام وسائل الإعلام. مع ذلك، اتخذت الحكومة قرار اعتقال الصحافي المصري، بناء على مذكرة اعتقال مصرية، ولهذا اسم واحد هو النفاق، وله توصيف واحد هو بيع المبادئ في سوق المصالح، ووضع القيم الديمقراطية في المزاد العلني، ودفع ثمنها للشركات الكبرى التي تلهث وراء الصفقات مع الدول الاستبدادية، ولا تهمها في شيء مبادئ حقوق الإنسان وقيم الحداثة وفلسفة الأنوار. حان الوقت لتعرية هذا النفاق الغربي الذي يعطي الدروس للجميع، وفي أول اختبار ينسى كل ما علمه للآخرين من مبادئ وحقوق وفلسفة وأدب وحضارة.

لا يجب أن نطبع مع المبررات التي تقول إن العلاقات الدولية مبنية على المصالح، لا المبادئ. هذه تسمى غابة، وليس مجتمعاً دولياً. الدولة فكرة أخلاقية قبل كل شيء، والفرق بين حكومة وعصابة قراصنة أن الأولى محكومة بالقانون والشرعية الأخلاقية الثاوية خلفها، في حين أن القراصنة مسلحون بالقوة من دون قانون. لهذا، عندما يسطون على السفن يختبئون عن الأنظار لتوزيع الغنائم، لأنهم يعرفون أن ما يفعلونه جريمة، وما يحصلون عليه لا يستحقونه. يقول المثل: ليس ضرورياً أن تتحول إلى حيوان، إذا صار المجتمع غابة.

 

 

توفيق بوعشرين