مقالات مختارة

الإثنين,8 فبراير, 2016
بيتر أوبورن: في حلب كل شيء مدمر

الشاهد_وصف الصحافي البريطاني بيتر أوبورن، في تقرير أرسله من داخل مدينة حلب ونشرته صحيفة “ديلي ميل”، هذه المدينة بأنها كانت قبل أربعة أعوام فقط من أجمل مدن الشرق الأوسط، ولكنها اليوم مدمرة، مشيرا إلى أن القتال بين قوات النظام والمعارضة وتنظيم الدولة أجبر الملايين من السوريين على الهروب. 

وينقل الكاتب قصصا عن الكيفية التي تم فيها تدمير أعمال ومصالح تجارية لسكان على يد جبهة النصرة، وزار أوبورن فندق “البارون” في المدينة، وهو الفندق الذي افتتح قبل الحرب العالمية الأولى، وظل حتى اندلاع الحرب مرتبطا، كما يقول الكاتب، بالثراء والحياة الراقية والمجتمعات الأرستقراطية، لافتا إلى أنه في هذا الفندق كتبت أغاثا كريستي روايتها “جريمة قتل في قطار الشرق السريع”، وبقي الضابط البريطاني “لورنس العرب” في الفندق في الوقت الذي كان يتآمر فيه على الدولة العثمانية.

ويقول أوبورن: “عندما قرعت الباب في الأسبوع الماضي، اكتشفت أن الفندق يتعرض لقصف مستمر بقنابل الهاون، ولكنه لا يزال واقفا ومفتوحا للنزلاء، إلا أن السياح، الذين كانوا يتدفقون إليه بالآلاف، لم يعودوا يأتون، وبدلا من ذلك فتح الفندق أبوابه للاجئين من الحرب البربرية، وكان يقيم في غرفة “لورنس العرب” رقم 202 حتى وقت قريب رجل مشرد وأولاده الثلاثة، وفي الطابق السفلي حيث القاعة الكبرى استمعت لقصة مرعبة لسيدة، وقالت إن مقاتلين من الجيش السوري الحر دخلوا بلدتها قبل ثلاثة أعوام، وأجبروها على ارتداء الجلباب، وعدم الخروج من بيتها. وبسبب القتال خسر زوجها مهنته، حيث كان يعمل بناء، وقرروا في النهاية مغادرة قريتهم، تاركين وراءهم كل شيء. ويعمل زوجها الآن بائع خضراوات في الشوارع، أما ابنها البالغ من العمر 12 عاما، فيعمل مع خياط دون أجر”. 

ويضيف الكاتب: “يلاحظ أن القاعة الكبرى ضربتها قذيفة، لكنها لم تفقد أيا من صورها واللوحات المعلقة فيها. ويتخيل أنه لو كانت أغاثا كريستي على قيد الحياة وأرادت ممارسة هوايتها في الكتابة على شرفة الفندق لمزقها الرصاص والقنابل، ولو أنها خرجت من كتبها لترى ماذا حدث للمدينة، فلن ترى سوى شوارع فارغة وبنايات مدمرة وحواجز عسكرية”. 

ويمضي أوبورن قائلا: “قبل أربعة أعوام كانت مدينة حلب من أجمل مدن الشرق الأوسط وأكثرها ازدهارا، وتدفق عليها السياح من أنحاء العالم كله لزيارة قلعتها التاريخية، وكانت حلب العاصمة الصناعية لسوريا، وتشتهر بصناعات النسيج والأدوية وبسكان فاق عددهم المليونين. والآن دمرت الحرب كل شيء، وسيطرت قوات النظام على المنطقة الغربية، فيما سيطرت المعارضة، التي تضم جماعات مثل جبهة النصرة الموالية لتنظيم القاعدة، على المنطقة الشرقية”. 

ويشير التقرير، إلى أن القتال دفع بأعداد كبيرة من اللاجئين، وأدت المواجهات الجديدة في حلب إلى زيادة أعداد اللاجئين الذين علقوا على الحدود مع تركيا، فيما هرب آخرون باتجاه المناطق الخاضعة للحكومة السورية، حيث كتب أوبورن تقريره. 

ويقول الكاتب: “اكتشفت أن جامعة حلب الشهيرة قد تحولت إلى معسكر ضخم، حيث تم تحويل 17 من عماراتها العشرين إلى ملاجئ، وينام في الغرفة الواحدة منها عشرة أشخاص أو أكثر”. 

وتفيد الصحيفة بأن أوبورن تحدث إلى رجل بدا وكأنه في الخامسة والسبعين من عمره، رغم أنه أكد أن عمره 50 عاما، وقال إن بيته وبساتين زيتون تملكها عائلته دمرتها جبهة النصرة، كما أن الجماعة أعدمت أحد أفراد عائلته، وتم اختطاف آخر ولا أحد يعرف مكانه، وقال آخر إنه كان يعمل خياطا في زمن السلم، وجاء إلى غرب حلب بعدما حاول الجيش الحر اختطاف ابنته من ملجأ تابع للجماعة. 

ويلفت أوبورن إلى أن الرعب صار أمرا عاما، وتعود السكان على صوت القنابل ومقذوفات الهاون، مشيرا إلى أنهم لا يتحركون عندما يسمعون صوت قنبلة، والتقى الكاتب مديرة مدرسة قطعت الطريق الصعب من المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة لأخذ راتبها (30 ألف ليرة سورية) من مديرية التعليم، وكانت الرحلة قبل الحرب تستغرق 40 دقيقة، أما اليوم فأخذت منها خمسة أيام، حيث قطعت حواجز تابعة لتنظيم الدولة وجبهة النصرة، وذكرت أن التنظيم فرض عليها ارتداء الزي الأسود، وقالت: “سيقتلونني إن أظهرت أي جزء من جسدي”.

ويذكر التقرير أن مديرة المدرسة أجبرت على الجلوس في بيتها إلا عندما يطلب منها تنظيم الدولة الخروج للساحات العامة لحضور الإعدامات، وقالت إن الأجانب الذين يسيطرون على البلدة هم من الفرنسيين والبريطانيين والمصريين والأفغان والأمريكيين (من البيض والسود). ولا يسمح لها  التنظيم بالتدريس، لكنها لا تزال تتلقى راتبها من الحكومة السورية، وأضافت أنها ليس لديها شك من قيام جيش النظام السوري بالسيطرة على قريتها قريبا، “عندها سيقوم تنظيم الدولة بزرع القرية بالمفخخات، ويستخدم السكان دروعا بشرية”. 

ويبين الكاتب أن “حلب اليوم هي مدينة الظلام والبرد، ولا تصل الكهرباء للسكان إلا لمدة ثلاث ساعات، ولم يصل الماء لها منذ 12 يوما. وفي كلا الحالتين، فإن اللوم يلقى على الدولة الإسلامية التي يسيطر عليها المقاتلون، ويحاصرهم الجيش السوري. وتتزود المدينة بالمياه من نهر الفرات، حيث يسيطر التنظيم على المنطقة، ويعتمد السكان على المولدات الخاصة، ولكنها مكلفة، ولا تستطيع العائلات الحصول على إنارة جيدة. وبالنسبة للمياه، فبعضهم يحفر الآبار، لكنهم لا يستحمون بشكل دائم”. 

ويختم أوبورن تقريره بالإشارة إلى أن الأطباء قالوا إن “القمل منتشر، ويخشون إن جاء الصيف من انتشار الكوليرا، وتحدث الأطباء عن نقص حاد في الأدوية، وأنهم عندما يذهبون للمناطق الواقعة تحت سيطرة تنظيم الدولة من أجل توزيع الأمصال على الأطفال، فإنه عادة ما تتم إهانتهم ويؤمرون بالعودة من حيث أتوا، وقد عادت الأمراض التي قضي عليها منذ عقود مثل شلل الأطفال”.

 

عربي21



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.