أهم المقالات في الشاهد

الثلاثاء,26 يناير, 2016
بوضوح.. ملاحظات ما بعد الاحتجاجات

الشاهد_الآن وبعد أن هدأت الأوضاع، واستعادت الحياة نسقها العادي في أغلب جهات البلاد، لا بدّ لنا من وضع الأسئلة الحقيقية على الطاولة ولا بدّ أن نتحدّث مع بعضنا كتونسيّين بكلّ وضوح وصراحة.

 

 

أوّلا فيما يتعلّق بالمطالب، لا بدّ من الانتباه إلى أن المطالب التي رفعت مشروعة وهي مطالب ومشاغل حقيقية بالنسبة للآلاف من أبناء هذا الوطن. صحيح أن هناك من حاول الركوب عليها، وصحيح أن هناك من حاول الانحراف بها من المطالبة بالتشغيل إلى المطالبة بإسقاط الحكومة، ولكن هذا لا يعني مطلقا الانصراف عن التفكير في كيفيّة علاج هذه المشكلة، والبحث عن حلول عاجلة لها.

 

 

وعلينا أن ندرك أن الهدوء واستعادة الحياة لسيرها الطبيعي، لا يعني أن الأمر استوى وانتهى، وأنّ الإشكالات حُلت، وحالة الهدوء الحاليّة قد تكون فرصة مهمّة بالنسبة للحكومة وللأحزاب الحاكمة كي تنكبّ على واحد من المطالب الأساسية لثورة (17 – 14 ) وهو التشغيل.

 

 

علينا أنّ نقرّ جميعا بأنّ الاهتمام بالجانب السياسي طغى كثيرا على الجوانب الأخرى، وكان من المفترض بعد أن أنجزنا الانتخابات وركّزنا المؤسسات الدائمة للحكم، أن ننكبّ على معالجة المشكلات الاجتماعية كالبطالة والتهميش الذي تعانيه العديد من المناطق. ولن يكون مقبولا بعد الذي جرى، أن تظلّ بعض الشعارات مثل المناطق ذات الأولويّة حبرا على ورق، أو مجرّد شعارات ترفع في بعض المناسبات ثم ما نفتأ أن نعود إلى ما كنّا عليه.

 

 

وحتى لا نضطر مرّة أخرى إلى العودة إلى إهدار الوقت في مناقشة قضايا تافهة جرّتنا إليها نخبة معطوبة، أعتقد أنّ على النخب السياسيّة وخاصة المنتمية إلى الأحزاب الحاكمة أن ترفض المشاركة في أيّ برامج حواريّة أو منابر إعلاميّة لا يكون موضوعها تحقيق أهداف الثورة من التشغيل إلى التنمية وجلب الاستثمارات والتكوين إلى آخره.

 

 

ثانيا فيما يتعلّق بالتحريض والركوب على الاحداث، علينا أن نتحدّث للتونسيّين بوضوح وأن نضعهم في الصورة ونبين لهم من هي الأطراف التي سعت إلى التخريب ومن وزّع الأموال على القُصّر ومن شجّع وحثّ المنحرفين على حرق المؤسسات الأمنيّة والجمركيّة، وعلى نهب المنشآت العامّة والخاصّة، وقام بالاعتداء على رجال الأمن ما أدّى إلى وفاة حافظ الأمن سفيان البوسليمي.

 

 

علينا أن نكون واضحين هذه المرّة، بالكيفيّة التي تفضح كلّ الذين تآمروا على بلادنا وحاولوا إدخالها في فوضى عارمة شبيهة بما يقع في ليبيا واليمن وسوريا والعراق ومصر… علينا فضحها جميعا، سواء أكانت أطرافا داخلية أو خارجية، سياسيّة أو إعلاميّة أو ميليشياويّة. ولن يقتنع المواطن هذه المرّة بالحديث عن أطراف في المطلق، دون تحديدها، لا بدّ من تحديد هذه الأطراف وتحميليها مسؤوليّاتها السياسيّة والأخلاقيّة والقانونيّة على ما جرى.

 

 

لأنّنا لا نستطيع، بعد كل هذه الأحداث، أن نغضّ الطرف، وأن نتعامل مع المخرّبين والمتآمرين والخونة، وكأنّ شيئا لم يكن، خاصّة وقد تمّت الإشارة إلى هؤلاء بطريقة واضحة في خطاب رئيس الجمهورية السيد الباجي قائد السبسي، وفي حديث رئيس الحكومة الحبيب الصيد، كما تمّت الإشارة إلى هذه الأطراف في حديث عدد من القيادات الأمنيّة التي تدخّلت على المباشر في عدد من المنابر الإعلاميّة. اما الأطراف الخارجيّة فلا بدّ من الحديث معها بوضوح بأن السيادة الوطنيّة خطّ أحمر، وأنّه لا يمكن لأي جهة أن تعبث بأمننا كما تشاء، فتونس ليست مصر، والدولة التونسيّة متأصّلة في التاريخ، وليست جمهورية موز حتى تتحكّم فيها دول لا يتجاوز تعداد سكّانها سكّان حيّ الانطلاقة بالعاصمة. علينا أن نقول لهؤلاء أن تونس ليست كبعض الدول التي تشترى ببعض الدولارات، وأنّ النخبة السياسيّة التونسيّة من رئيس الجمهورية إلى أبسط مناضل في هذه البلاد، متأصّلة ومتجذّرة في الحركة الإصلاحية التونسيّة منذ ابن أبي الضياف وخير الدين إلى الآن، وإيمانها بالدولة راسخ ولا يتزعزع، وهي قناعات لا هي للبيع ولا للشراء. وحتى وإن وجدت بعض الشخصيّات التي قبلت أن تلعب مثل هذه الأدوار القذرة فهي لا تمثّل مطلقا الغالبيّة الساحقة من التونسيّين.

 

 

ثاثا بالنسبة للأعلام، لا بدّ من إعداد تصوّر شامل وإعادة هيكلة قطاع الإعلام العمومي، وحسم هذا الملف ولمرّة واحدة ونهائيّة، لأنّ هذا القطاع بات وللأسف لعبة بيد بعض القوى، وتحوّل بحجة حرّيّة التعبير إلى أحد أدوات الإرباك والفوضى وخدمة بعض الأجندات الفئويّة الضيّقة. في الوقت الذي يُغيّب هذا الإعلام العمومي، الكثير من الأحزاب والرموز السياسيّة والفكريّة، مقابل فتح المجال لبعض التافهين والمزطولين والموتورين من أنصار الثورة المضادّة.

 

 

لا بدّ من تصوّر شامل، لأنّ هذا الإعلام لم يعد يخدم المصلحة العامة، رغم أنّه مُموّل من دافع الضرائب التونسي، ولعلّ الوقت حان للاستجابة للمطالب التي رفعت منذ قيام الثورة بضرورة إصلاح هذا القطاع، حتّى يقوم بدوره كما يجب في خدمة المجموعة الوطنيّة، ولا يحيد عن هذا الهدف.

 

 

نعلم أن كثيرا من الدعوات في هذا الصدد لم تلق آذانا صاغية، ولكن عندما تصبح الدولة مهدّدة والإعلام العمومي يحرّض عليها وعلى أمنها واستقرارها، لا بّد من إيجاد الحلول اللازمة حتى وإن كانت موجعة. وبالنسبة للقنوات والفضائيّات الخارجيّة التي اشتغلت على التحريض ومزيد توتير الأوضاع فلا بدّ من إرسال إشارات واضحة لها ولمن يقف وراءها، بأنّ العبث بأمن بلادنا خطّ أحمر.

 

محمد الحمروني



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.